شهقات مارقة للشاعرة السورية وعد جرجس
طيوب عربية

“شهقات ملونة” تعلق بيارق الأمل على جماجم المحن

MEO

شهقات وعد جرجس تلامس الأعماق فتشعرها تائهة وحائرة وأحيانًا ظامئة أو تنثر العطر واللون حول مساحة كبيرة من الهم والشجن.

خالد ديريك

كتبت الشاعرة وعد جرجس قصائد ديوانها في فترات متفاوتة تمتد إلى بضع سنوات، وانتظرت طويلا لتنتج لنفسها ولنا كقراء ومتذوقي الشعر والشعراء والنقاد، لوحات مزركشة من الحرف والشعر الممزوج بالأحاسيس والمشاعر الجياشة والصادقة في ديوان اسمه “شهقات ملونة”، صدر عن دار السكرية للنشر والتوزيع في القاهرة ـ مصر وهو مكون من 200 صفحة، خليط بين قصائد الحب، الحرب، المرأة، ومحاربة الإرهاب، والحنين للوطن …. يختلف الأسلوب بين النثر وشعر التفعيلة.
بين ضفتي الديوان شهقات ملونة على شكل أزهار متعددة الألوان ومختلفة العبق، هذه الشهقات تلامس الأعماق فتشعرها تائهة وحائرة وأحيانًا ظامئة أو تنثر العطر واللون حول مساحة كبيرة من الهم والشجن أو ترسم الفرح على بتلات الزهور آيلة للسقوط فتسقيها من الماء الأمل. 
بين ثنايا حروفها ستجد الإرادة القوية رغم المعاناة، والإصرار على بلوغ الهدف رغم المعوقات، في كل قصيدة يمكن للقارئ أن يرسم لها خرائط عديدة. حروفها ممزوجة بموسيقى الحزن، تائهة في مغتربات بعيدة، تبحث عن حبل النجاة لقلب تضخم همومه ولوطن انغمس في اللون الأحمر.
تنقط دمعة العيون كالحبر على الورق لترسم للحبيب الفرح وتذكره بالوعد الذي تم رغم الخطر، وتضع للوطن خرائط للبناء والبعث من جديد رغم تكديسه بالرصاص والعفن فالشوق طال لهما لا بد للقدر أن يهندس آخر حلقة اللقاء والعناق.

شهقات مارقة للشاعرة السورية وعد جرجس
شهقات مارقة للشاعرة السورية وعد جرجس

للشاعرة أسلوبها الخاص في الصياغة والتجديد وتقديم مشاعرها وأحاسيسها في قالب شعري وتعبيد طرق الأمل التي تؤدي إلى المبتغى الإنساني الأسمى. 
في المقطع أدناه من قصيدة رائعة باسم “ناي صفن” يفوح عطر الشعر خفاقا بين ثنايا الحروف، أظن بأن هذا النص يجعل المرء يتوه في بحاره ويضعه في الحيرة عن المصدر الذي خرج هذا العبق الشعري، ويأخذه إلى تأويلات متعددة دون أن يتمكن من إثبات صحة رأيه بشكل كامل، وهذا هو الشعر من حيث الانزياحية والانبهار!
ينابيعُ خيرٍ
أضحت سبايا
تنازع … تقاوم
تبارك وتلعنْ
هباءً تناقض
كطفلٍ تجرثمت
مقلتاه بالدُّخانِ
يناجي حضنَ
أمّهِ تارةً
وتارة يجنُّ
ويبكي ويلعن
بيأسٍ أنزلَ
العجوزُ عصاتهُ
ماسحاً دمعتيهِ
مودّعاً رفاتهُ
التي شيّعتها
بالأقدام ِوالزغاريدِ
جيوشُ الفِتَن.
تطرق الديوان إلى معظم المواضيع التي يمكن أن تلمس مشاعر وأعماق أي إنسان، فقد كتبت جرجس عن الهموم التي تؤرق الإنسان بشكل عام، ومنها الغربة والحنين لبلدها ومربع صباها فالشاعرة أيضًا مغتربة منذ سنوات في دولة ألمانيا. 
في قصيدة “مسافرون” نرى أن الشاعرة تتكلم عن المغتربين الذين أصابهم التيه فترجمت إحساسها كمغتربة بصيغة الجماعة إلى الشعر. البلاد المهجر لن تكون وطنًا بديلًا مهما قدمت للمرء من الحقوق والمغريات، وخاصة إذا وصل الشخص إلى الغربة في سن الرشد، فالمغترب ينبض قلبه على أمل الرجوع يومًا ما إلى حضن الوطن، يستنزفه الذكريات والحنين في كل لحظة، ينتظر أيامًا وسنينًا لعل معجزة تحدث، والعودة تتحقق. 
الصعوبة أكبر تكمن عندما يكون الوطن في حالة الحرب وعدم الاستقرار فالشوق يخلطه الدمع في كأس اليأس، والحسرة قد تطول كثيرًا، وفي كل هذه المسافة يتوجع القلب لهفة على لقاء الأحبة وشم تراب الوطن بشكل دائم واحتضان كل شيء فيه فتهمر الدموع على خدود الوحدة والولع في كل حين، وفي كل هذه المسافة.
مسافرون
ونبقى هكذا بلا
وطن
على ضفائر السنين
مقعَدين
وفي مسافة الحزن
يتلونا الحنين تيهًا
وعطش
فتتلوه العيون! 

وفي قصيدة “ويسأل الوطن” تعبر عن عشق المرء لوطنه وما يمكن أن يقدمه في سبيله، ولكن في حالة انعدام العدل لا يجد المرء من سبيل سوى ترك عشقه، ويرد المرء على الوطن: هل تراني غريبًا ولا بد من حرماني من حقوقي وبالتالي السفر إلى خارج أسوارك؟ فأنا لم أتركك كرهًا ولا أخون العهد، لكن ميزان العدالة لم يمل للفقراء والمخلصين، ومن كانوا في المراكز المتقدمة والمناصب الكبيرة هم الناهبون للخيرات فكان لا بد من البحث عن ملاذ وملجأ يقدم لنا ولو جزءًا من حقوقنا مقابل ما نقدمه من الواجبات … ولو بعض من العدالة!
ويسأل الوطن
ويسأل الوطن لم هجرت وجهي!
وتركتني مثل الغريب في الكفن؟
أتعلم لم أهجرك
لست أخون عهدك لكنني
كنت فقيرًا أسأل عن خبز أولادي
إذا جاعوا فما من مانح
عفوًا وطن
وغيرنا كانوا على كل الموائد 
سيدي
أترابي
ساعاتهم من الذهب
وأنا الغريب قد ذهب
وفي مقطع أدناه، تعبر عن مدى ألم الرحيل والابتعاد الحبيب كما يمكن أن نسقطها على الوطن، تشبه وجود الحبيب بالورد المتوهج ورحيله يعني فناء الورد واختفاء عطره وغياب الجمال في أفق وعالم الحبيبة، والروح تتوه في المدى وتدندن تارة ة وتصرخ تارة أخرى عن السبب!
لا تبتعد
فالنفس عند رحيلك
تذوي كما ذاك الورد
والروح تسأل حائرة
أين هو لم ابتعدّ!؟
وفي نفس القصيدة تختم بهذه المقطوعة الجميلة، تستمر في مناجاته، ألا يبتعد، فالنفس ظامئة للعشق لا يتحمل الرحيل، الرحيل يوغر في مكنونات الصدر وتصيب النفس بالهذيان والضياع، والقلب عندما يتوقف تغذيته بمياه العشق والحنان ينزف ويصرخ في كل الاتجاهات، لا يرى سواك ويأخذ الابتسامة من دفء حنانك كما الورد ينثر العطر في سماء لقاءاتنا، وتقفل نصها: أولا تحبها لوعد؟ عاهدها أن لا تبتعد… يا لها من البراءة والصدق في المشاعر! 
لا تبتعد
فالنفس عند رحيلك
يخدش الصدر ويرتعد
والقلب عندما تَصمُتُ
يبكي ويصرخ فلتعُد
فلقد تعودَ دفئكَ
والورد منكَ والشَهد
أولا تحبُها لِوَعد؟
عاهدها أن لا تبتعد
الديوان يستحق القراءة وكتابة دراسة مفصلة عنه بل كل مقطع وقصيدة تحتاج إلى دراسة عميقة لما يحتويه من مواضيع مختلفة ولغة شعرية فنية جميلة وذات دلالات عميقة، ويغلب عليه الطابع الدرامي ونهايات قد تكون مفتوحة أحيانًا، لكنها تشير إلى طرق الحل والنجاة، اجتهدت الشاعرة فيه ونجحت في تقديم ما هو الجميل.
الشاعرة والقاصة والكاتبة وعد جرجس هي ابنة منطقة الجزيرة ضمن الحدود السياسية للدولة السورية، تلك المنطقة التي أنتمي إليها أيضًا، لذلك أراها استطاعت أن تترجم عوالم وهموم بيئتها إلى لغة شعرية جميلة، فهي تكتب بصدق وحس شعري متميز، تنتقي كلماتها بعناية فائقة لأنها تعرف قيمة الشعر وتهمها ذوق القارئ. 

مقالات ذات علاقة

تأملات في رواية “الكوكب الدري” للكاتبة جيهان سعد الدين.

سالم الحريك

الديالكتطيقيا في ملهمات النقد* (3-4)

المشرف العام

رسالة من المنفى

المشرف العام

اترك تعليق