القاص شكري الميدي آجي
حوارات

شكري الميدي: التبو أيتام على موائد اللئام

شكري عبدالقادر ميدي أجي، المولود في 1984 بواحة الكفرة كاتب من طراز رفيع، يكتب القصة والمقالة الأدبية والتاريخية بتقنية عالية، حين كان في التاسعة من عمره اقترف خطًا ما، فعاقبه أبوه بالحبس في قبو مليء بالكتب!

الكاتب التباوي الشاب التقته «بوابة الوسط» ليتحدّث عن هموم وآمال وطموحات ورؤى تتعلّق بمكوّن التبو وكانت هذه هي الحصيلة:

الكاتب شكري الميدي
الكاتب شكري الميدي

كيف ترى الصراع الحالي في ليبيا؟
بصراحة الذي يحدث الآن أمر مؤسف جدًا ومعقّد، لحدود الإزعاج والملل، المواطن الليبي يبني علاقاته الاجتماعية منطلقًا من حيث آراء الناس حول الصراع السياسي أو العسكري الدائر، حتى أصبح مجرد أن يكون لك رأي يجعلك طرفًا في الصراع. أعداء بالمجان أو أصدقاء لا يجمع بينكم إلا حدث ضبابي.

لم يعد المهم هو أن تمتلك رأيًا إنما أن يكون رأيك ضامنًا للصداقات في محيطك هو الأهم، تخشى أن تفقد هذا المحيط، لا تستطيع إلا أن تكون محيطك، هذا أشبه بالسجن. حتى إن الدعوة إلى لغة الحوار يجعلك في موضع الريبة من قبل الجميع.

نتمنّى أن يتخلى الجميع عن اعتماد بواعث مخاوفهم تجاه الآخرين أن يتفادوا الأحكام المسبقة، لآن أغلب الآراء تفرضها صور نمطية عن بعض المجتمعات والأشخاص داخل البلاد.

حدثنا عن التبو ورؤيتهم للوضع الحالي؟
إذا تحدثنا عن التبو كأفراد فاتساع دائرة الصراع لم يعد أحد في مأمن، فالتباوي الذي في طرابلس يتأثر بلا شك، التبو في بنغازي يتأثرون كذلك مثل سكان مدينة، سيكون عليه اختيار ما يناسبه من آراء، بحسب المعطيات التي أمامه وإدراكه للوضع. هو بهذا المعنى لا يمثل التبو كمجموعة بل هو قرار فردي محض.

وبالنسبة للتجمعات السياسية شبه الحزبية التي تمثل التبو، فإنها حتى بالنسبة للأحداث التي تعرض لها التبو أنفسهم ما بين أبريل حتى يوليو 2012 لم تستطع تلك التجمعات السياسية أن تضع تشخيصًا دقيقًا للمشكلة التي تعرض لها السكان في بيوتهم وأحيائهم، بدلاً من ذلك ضاع صوتهم هناك في طرابلس، وحين هدأت الأمور تناسوا الأمر تمامًا كأن لم يكن، بعضهم يبحث عن التاريخ في حين الحاضر أمام يتم نسيانه بسهولة، أمر عبثي جدًا.

فالقصف التي طال التبو في تلك الفترة، لا يقل عن القصف الذي في طرابلس في الفترة الأخيرة، قُتل العشرات ليس في حالة صمت بل عدائية وصلت لحدود الجنون والعنصرية خلال تلك الفترة، ساعدتنا كثيرًا في تفهم مدى بشاعة الحروب المندلعة في المدن الليبية.

لذا أعتقد أن أغلب التبو يودون لو تنتهي هذه الحروب لأنها لا تقدم إلا مزيدًا من القتلى والمبتورين والأيتام.

بعد ثورة فبراير ما وضع التبو؟
لا لم ينالوا شيئًا من حقوقهم، إنهم كالأيتام على موائد اللئام! فالتبو مثل غيرهم داخل المجتمع الليبي كسبوا أهم شيء بعد الثورة وهو حرية إبداء الرأي، وهو مكسب مهدّد كما نشهد ليس بسبب قوة قاهرة خارجية بل بسبب الأحكام المسبقة أو الخوف منها، تدعيم هذا المكسب هو ما يحتاجه التبو سواء داخل مجتمع التبو أو خارجه، سواء داخل المجتمع الليبي أو خارجه.

لحقوق أصبحت خيالاً في وقت لم يعد المواطن من التبو ينال حتى تلك البديهيات مثل أن تصل إليه الدولة مباشرة بموظفين في مناطق سكناهم، وأن تكون مسؤولة مباشرة عنهم، بدل الاتكال على أشخاص لا يمكن محاسبتهم لا قانونيًا ولا عرفيًا بسبب تجاوزاتهم، فقط لأن الحكومات كسولة ولا تهتم بالمواطن!

ثقافة التبو ليست معروفة مثل الأمازيغ فما السبب؟
مطلقًا لم يقصر التبو في التعريف بأنفسهم، في حدود ما يمتلكون من مساحة تعريفية، وقد كتبت مقالات ونُقلت بعض العروض التي تحيي تراث التبو الشعبي في قوالب ذكية، إنما لا بد من تحسين أكثر لهذا الجهد ومحاولة تسويق الصورة الحقيقية عن التبو كتنوع داخل المجتمع الليبي.

منذ شهور صدرت مجلة «التبو» عن مركز للدراسات التباوية؟ كيف ترى جهد هذه المطبوعة؟
أتمنى لهم التوفيق، ولو أنهم يحاولون أن يكتبوا التاريخ من وجهة نظرهم، بالتأكيد ستكون المهمة صعبة جدًا، فمثلاً بعض المقالات المأخوذة من كتابات الدكتور عبدالمنعم المحجوب تبدو لي غير دقيقة، فمنهج إرجاع اللغة الصحراوية إلى أصولها العربية فكرة نسفها إبراهيم الكوني في مجموعاته بيان اللاهوت، إنها عملية معكوسة تمامًا في رأي إبراهيم الكوني، الذي نظر لبعض مفردات اللغة التباوية في مقارنة عظيمة مع اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية .

حتى إن بعض الكلمات التباوية تطابق نطقًا ومعنًا لدلالات تلك اللغة القديمة، لذا أظن بأن العملية تحتاج إلى الدقة والهدوء، غير المتوفرتين في أغلب الكتابات التاريخية الليبية، كما إنني مقتنع برأي الأيرلندي جيمس جويس القائل: بأن التاريخ هو الكابوس الذي أحاول الاستيقاظ منه.

هل ثمة مشروع قناة فضائية للتبو تتبنى رؤاهم؟ وما رأيك في القنوات الفضائية التي انطلقت بعد ثورة فبراير؟
لا، ليس للتبو أية قناة خاصة، بالرغم من أنها فكرة مطروحة لكنها لم تنفذ حتى هذه اللحظة، ربما لحسن حظهم!، فالقنوات التي ظهرت بعد الثورة لم تسئ فقط لأصحابها إنما أساءت لصورة ليبيا ككل، فخطابها الداعي للعنف وادعاء المهنية أضر كثيرًا بوعي الليبيين بمشاكلها وواقعهم، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك ساعون لإنشاء قناة خاصة بما إنها أصبحت موضة هذه الأيام.

هل يمكنك إلقاء الضوء على تاريخ التبو بشكل مختصر ومساهمتهم في تكوين ليبيا الحديثة؟
هناك أسماء كثيرة ممن استشهدوا من التبو في أغلب معارك ضد الإيطاليين والفرنسيين، منهم عبدالله قجة، كما أنّ هناك أسماء لأشخاص آخرين رافقوا بناة الدولة الليبية الحديثة، السنوسيون حين كانوا مجرد مجموعات معارضة في خلفية الدولة العثمانية وحين أصبحوا رمزًا لأجل الوحدة في ليبيا الحديثة.

حسنًا ما علاقتهم بالسنوسية وبالملك إدريس الذي وثق فيهم واتخذ من بعضهم حرسه الخاص؟
لم يكن الملك يحكم شعبًا فتيًا إنما شعبًا منهكًا من الحروب ومن المعضلات كالفقر، التخلف ومعذب نفسيًا، كما كان شعبًا متعطشًا للاسترخاء والسلام، وجد راحته في الأساليب ذكية للطرق الصوفية في معالجة المشكلات بين المجموعات .

الاحتفالات الجماعية ميزة في عصر الملك إدريس، الرموز الدينية والقصص التي تنتشر كخرافات أسهمت كثيرًا في توحيد القبائل الليبية منها حب الملك لشعبه .

التبو لم يكونوا استثناء في هذه الثقة، الصورة العامة كانت هكذا لأغلبية الشعب الليبي، لا أظن بأنّ الأمر يتعدى هذا، صحيح أنّ بعض عائلة الملك كانوا حين يزورون المناطق الجنوبية كانوا لا يفوتون فرص لقاء كثير من العائلات التباوية، بالذات في الكفرة أو تازر باللغة التباوية بسبب الأواصر الأسرية التي شملتهم طوال تلك العقود، إنما ثقة الملك كانت هي الترجمة لعطفه وتعامله السمح.

___________________________________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

الفنان التشكيلي محمد الأمين… لوحات تفضح روح السجين

أسامة بلقاسم

إبراهيم الكوني: المرأة كنز روائي ولكنها في المعزوفة الزهدية نشاز (3 ــ 4)

المشرف العام

حوار مع الأديب الليبي المبدع منصور بوشناف حول روايته (العلكة)… المرشحة لجوائز عالمية

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق