قصة

شــذى

أعترض آذان الفجر كوابيس الليل، فولت تلملم أذيال الهزيمة ولاذت بالمجهول، وعادت الأرواح المعتوقة من قبضة الموت إلى الأجساد، فتحررت العيون الغافية من أسر النوم، وتفتحت بالأمل في يوم وحياة أفضل.

تثاءبت شذى، ومطت عضلات جسمها كقطة كسول، ثم جلست في سريرها تتلو أذكار الصباح…وحين انتهى المؤذن هللت واستعاذت، ثم نهضت للوضوء والصلاة.

فتحت المصحف الشريف،وشرعت تتلو ما تيسر من القرآن، ثم طرحت كفيها للسميع المجيب تسأله التوفيق والنجاح:

– اللهم إني أسألك علماً نافعا، ورزقاً طيبا، وعملاً متقبلا!

فتحت النافذة فداعبت وجنتيها نسمة هبت من تحت عرش الرحمن.

هذا صباح مختلف!

شمس الربيع الوادعة، بشرت بميلادها خيوط الأشعة اللعوب من وراء الأفق، فزغردت للبشرى عصافير الدوري بين الأغصان، وهدل الحمام، وهو يرقص رقصة الحب في بروجه المشيدة، وأرخت الأزهار الغافية قبضتها القلقة عن البتلات الناعمة، فشرعت تبتسم للحياة والنور وتنشر شذاها في الكون احتفالاً، وصاح ديك الجيران طرباً، ابتهاجاً بزيارات ملائكة السماء.

طفحت على محياها ابتسامة هادئة، فأغمضت عينيها، وملئت رئتيها بالهواء النقي المنعش، غمرها إحساس بالسعادة، اقتربت من المرآة على الجدار، وتأملت في انبهار، الصورة المنعكسة على صفحتها، تلك الصورة التي بدا لها في تلك اللحظة أنها قد استعارت نوراً من وجه سيدنا يوسف، وهدوءاً وطهراً من ملامح العذراء مريم.

–        الحمد لله!

انزلقت الكلمتان من القلب، وانسابتا إلى اللسان دون تهيئة أو اعتراض، شعرت أن الملائكة حولها ترفرف بأجنحتها غارقة في فيض السعادة التي تغمرها.

–        ألن تستعدي؟

انتفضت لصوت شقيقتها، والتفتت إليها بعينين تطل منهما المفاجأة، فأندفع السؤال يجيب عن السؤال:

–        ماذا؟!

فقالت شقيقتها بلهجة من بدأ يفقد صبره:

-لماذا تقفين أمام المرآة هكذا؟….هيا أسرعي…يجب أن تكوني في الكلية قبل التاسعة.

–        معك حق!

طفقت ترتدي الملابس التي اختارتها للمناسبة، وطرحت الحجاب على رأسها، ولفته حول جيدها بحركة فنية نطقت برهافة الحس، وتركت معظمه ينساب على جيبها ويغطي كتفيها فنطق بورع القلب.

لملمت أوراقها،ورتبتها في ملف كبير، واحتضنتها كأم رءوم، وخرجت من الغرفة تستعجل الآخرين.

–        ألا يجب أن تتناولي الإفطار أولاً؟

بادرتها والدتها حين قرأت اللهفة على وجهها.

–        لا رغبة لي في تناول شيء.

–        هذا سيؤثر على صحتك، يجب أن تأكلي شيئاً.

–        حسناً!.

وجلست مستسلمة لإرادة الوالدة، وتساءلت وهي تمد يدها لكوب الحليب:

–        هل ستأتون معي الآن، أم ستلحقون بي؟

–        بل سنذهب معاً.

قالها الوالد، وهو يرشف الجرعة الأخيرة من فنجان الشاي، ثم نهض يستعجل الأخريات.

–        يجب أن تسرعن، يجب أن نقدر حالة شذى النفسية في مثل هذا اليوم.

انتفضت الأم والشقيقات من حول الطاولة، وقفل كل منهم إلى حجرته، بينما جلست هي تنتظر، تأكلها اللهفة، وتتقاذفها أمواج قلق غامض.

أخيراً وبعد جهد أربع سنوات، لم ترض في أيّ منها بغير مكان بين الخمسة الأوائل،سوف تجني ما حصدت، قاومت ببسالة من أجل أن تثبت ذاتها…. من أجل أن يعرف الجميع أن الفتاة هي كالذكر تماماً تستطيع أن تنجح، تقلصت عضلات قدميها من مشي المسافات البعيدة حين كانت تفوتها الحافلة، واسمرت بشرتها تحت لفح الشمس في انتظار سيارة أجرة، قاومت، ولا تزال تقاوم اعتراضات أخيها على الانخراط في الجامعة بلا حجة في البداية، هكذا تسكير رأس كما كان يقول، ثم بحجة أنه قد عرف الجامعة قبلها، ويعرف كل تفاصيل الحياة اليومية فيها، وحذرها مراراً وتكراراً من أن يراها هناك، حاولت مراراً وتكراراً تغيير الصورة التي ارتسمت في ذهنه عن الفتاة الجامعية، التي هي، في نظره،كما في نظر الكثيرين، لا تدخل الجامعة إلا لتبحث عن عريس،أو لتهرب من سجن البيت، أو لتقتل الملل، وحين سألها في فورة من الغضب والأسى، عندما لم يستطع الإفلات من حججها المقنعة:

–   ولماذا؟…ماذا ستكسبين، شهادة! وماذا ستفعلين بها؟ ستعلقينها على الجدار وتنظرين إليها كما أفعل أنا،….لقد كافحت خمس سنوات، وحصلت على البكالوريوس بتقدير ممتاز، وماذا كانت النتيجة؟ تعب على الفاضي…تخرج بلا تعيين، وتعيين مُهدد في أي لحظة بالخروج من الكادر.

وتعجبت أن يكون سبب الحرب التي ظل يشنها ضد الدراسة الجامعية، أن تكون مجرد رحمة لها من التعب، فقالت:

– إذا كنت تقصد توفير التعب عليّ، فأنا أحب التعب، أليست كل خطوة بأجر؟

– الأجر ابحثي عنه في معاونة أمك، في أعمال البر، في أي شيء آخر.

فقالت في هدوء ألجم لسانه:

– أليس طلب العلم فريضة على الذكر والأنثى؟ أنا فقط أريد أن أؤدي هذه الفريضة.

نشلها من الصراع النفسي صرير باب يُفتح، عرفت فيه باب غرفة أخيها، ألتفتت في غير ما إرادة، فرأته يخرج من غرفته كمارد تحرر من قمقمه، أشعث الرأس واللحية، عيناه الحمراوان تشيان بأنه لم ينم الليلة الماضية.

رفع عينيه إليها، فلمحت فيهما نمراً يتهيأ للانقضاض على فريسة….ارتجف قلبها يدق بعنف، وتلاحقت أنفاسها في توتر، وركض الدم في عروقها، واحتقن خوفاً وغضباً على صفحة وجهها.

لاشك أنه مُعترض طريقها، سيخلق مشكلة ككل مرة، ويمنعها من الخروج، وسينتصر بأي وسيلة كما يفعل في أغلب الأحيان، بعد أن يستثير خوف وشفقة والديه، فيركنان إلى صفه أو إلى الصمت…سيكسر الأشياء بالغضب، ويرفع صوته بالوعيد، يهدد بالضرب، أو بالانحراف، واللجوء إلى المخدرات، ويتظاهر بهجر العائلة والبيت، سيلمح بالسفر والانخراط في عصابات الصناعة الأمريكية.

لكنها مع كل ذلك لن تتراجع، اليوم بالذات، لن تسمح لأحد بالوقوف في وجهها، وهدم الحلم الذي ظلت لسنوات تعمل على تحقيقه….سهرت الليالي، وقاومت التعب والإرهاق، وبذلت الجهد والوقت، أسرفت في الأحلام والآمال، دون أن تتوقف معركتها ضد الإحباط والنكوص لحظة واحدة….بل لقد وظفت البيت كله من أجل حلمها، فالوالد قد حفظت محال القرطاسية وجهه، ولم يبخل يوماً بمال من أجل أن تحقق حلمها، والوالدة كانت تعفيها من أعمال البيت، لتتفرغ لحلمها، والشقيقات لم يدخرن وسعاً في سبيل دعمها ومساندتها، فقط هو…..الولد الوحيد مع ثلاث شقيقات،والأكبر بينهن، الذي سيحمل اسم العائلة على العكس منهن،والمدلل الذي لا يرفض له طلب، حتى ولو كان على حساب شقيقاته.

لا…لن تسمح لأحد بهدم هذا الصرح الذي شارك الجميع في بناءه، فهو في النهاية لم يعد إنجازها وحدها.

اقترب بخطوات ثابتة، أزداد معها ارتعاش قلبها، وسرى خدر في عروقها….أحست كمن يقف على الهاوية، ربما هبة صغيرة سترمي به إلى الظلام.

واجهها تماماً، ووضع عينيه في عينيها، رأى التحدي المستفز يتوشح ملامح وجهها، والغضب والتحفز للمواجهة يرتسمان في عينيها.

تلقف يدها بين كفيه، وهمس وابتسامة على وجهه:

–        ألن توجهي لي دعوة لحضور مناقشة بحث تخرجك؟أيعقل أن تحرمي أخاك الوحيد من متعة نجاحك؟

تاه تفكيرها في بحار من الحيرة، لا…لم تنساه أبداً، ولكنها كانت تخشى أن يستغل مكانته في نفس والديه، ومركزه كأخ أكبر، ويصدر قراره الجائر، يُفسد فرحتها.

ربت على كفها باعثاً في حنايا نفسها المزيد من السكينة والسلام:

–        وفقك الله!

قالها بصوت ناعم، نزل برداً وسلاماً على قلبها الملتهب، ومسح صدقه فورة الغضب في نفسها.

أذهلتها المفاجأة، فجحظت عيناها، واغرورقت بالدموع، وفغر فاها، وتيبست عضلاتها، خالت أن عجلة الزمن قد توقفت، وتوقف معها قلبها عن الخفقان، نظرت في عينيه، واكتشفت أنها لم تراهما يوماً بهذا التألق والصفاء والطهر، وأن نظرة عينيه لم تكن تفيض بهذا العطف والحب.

سقطت أوراقها، وتبعثرت على الأرض، ورمت بنفسها في حضن أخيها وهي تشهق بالبكاء.

مقالات ذات علاقة

الرمــاد لا يـلد شـــيـئاً

غازي القبلاوي

مواجهة

علي الجعكي

نياندرتال !!

الصديق بودوارة

اترك تعليق