قراءات

شعر المنفي وقصيدة المكان

سالم أبوظهير

قصيدة ‘منفى’ للشاعر الليبي عمر الكدي هي أولى قصائد ديوانه ‘منفي ومنفيون’، وهي قصيدة طويلة جدا ذات نفس ملحمي واضح، تتضمن 820 سطرا.

من واقع ومعاناة وآلام وقسوة الغربة كتب عمر الكدي قصيدته “منفى” ليحكي فيها ما يعانيه كشاعر يعيش في قلق البعد عن وطنه ليبيا وحلمه بالعودة اليها. لذلك تشكلت هذه القصيدة، فعكست بمرارة وأسى قصة حياته خارج بلاده في المنفى واستحضرت بتفاصيل سردية ممتعة ومشوقة أيامه الجميلة داخلها.

• الشاعر :

عمر محمد الكدَيْ ولد في مدينة غريان الليبيية عام 1959، بعد أن أنهى دراسته الجامعية في مجال علوم البيئة، اشتغل بتدريس مادة العلوم في عدد من المدارس الثانوية في ليبيا.

الكاتب الليبي .. عمر الكدي
الكاتب الليبي .. عمر الكدي

في عام 1988 ترأس الملف الثقافي لصحيفة “الجماهيرية” التي كانت تتبع المؤسسة العامة للصحافة، ثم تولى رئاسة تحريرها في بداية تسعينيات القرن الماضي، بعدها أصبح مديرا لتحرير مجلة “الفصول الأربعة”، التابعة لرابطة الأدباء والكتاب الليبيين.

اشتهر بمقالاته الساخرة وتحقيقاته الصحفية القوية التي كانت تنشر في مجلة “لا” الشهيرة والتي كانت تكشف بجرأة كثير من سلبيات نظام معمر القذافي.

غادر ليبيا الى هولندا في عام 1999 وتحصل على فرصة الإقامة بها كلاجيء. ثم عمل في القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية، ومع انطلاقة ثورة فبراير الليبيية في 2011، غادر هولندا الى قطر ليواكب مسيرة قناة “ليبيا الاحرار” من بدايتها حتى اصبح رئيسا لقسم الاخبار بها.

كتب الشعر ونشرت قصائده الأولى في معضم الصحف الليبية، وله عدد من القصائد المهمة واهمها على الاطلاق قصيدته المشهورة “ليبيا بلاد تحبها وتزدريك”. كما كتب القصة القصيرة التي تلامس بشكل ساخر ومؤثر الواقع الليبي وهمومه واهم قصصه القصيرة “امانة التعبئة، الكرسي، والشطرنج الجماهيري”، كما صدرت له مؤخرا عن دار الفرجاني رواية “حوليات الخراب”.

• القصيدة :

قصيدة “منفى” للشاعر الليبي عمر الكدي هي أولى قصائد ديوانه “منفي ومنفيون”، وهي قصيدة طويلة جدا ذات نفس ملحمي واضح. تتضمن ثمانمائة وعشرين سطرا، قسمها الشاعر بشكل مرتب ودون ترقيم الى أربعين مقطعا، واجتهد ليلخص فيها بشكل سردي مدهش وجميل بعض تفاصيل حياته وحكاياته وعلاقاته بوطنه وذاته وبالمحيطين به، وقد تشكلت القصيدة من واقع ومعاناة التشرد والام وقسوة الغربة التي عاشها الشاعر مرغما بعيدا عن وطنه وأهله، لينقل من خلالها بأسى ومرارة قصة حياته خارج بلاده في المنفى فصوّر من خلال أبياتها ومقاطعها حالات متعددة لشاعر تغرب عن وطنه وعاش وحيدا، وخاف أن يموت في الغربة ولا يعرف عنه أحد فكتب القصيدة لتكون قصة جميلة مؤثرة وليكون هو وحده شاعر قصيدة منفى وبطلها بلا منازع.

• القراءة :

أعلن عمر الكدي عن طبيعة قصيدته من عنوانها، وبيّن للقارئ وبشكل مباشر نوع القراءة التي تتطلبها قراءة قصيدته الطويلة التي عنونها بكلمة واحدة منمقة وجميلة وواضحة ولفظة مشحونة بدلالات لن تخفي عن القاري “منفى”. هكذا بدون مقدمات فلا تمويه ولا فخاخ توهم ذهن الذات القارئة وتربكها وتضعها في حالات التأويل المختلفة لتوحي بشكل ما، أن فعل القراءة لقصيدته ليس سهلا كما يفعل الكثيرون بل العكس تماما حرص عمر الكدي على كسب ود المتلقي من العتبة الأولى بذكاء مكنه من أن يجعل القاري يمسك برأس الخيط بسهولة ويسر، ويبدأ في جذبه عبر نصه الطويل جدا حتى يصل به إلى آخر كلمة، وليكون عنوان قصيدته كهدية أو كمفتاح واحد ويمكن للقاري بواسطتها من الدخول مباشرة الى بهو القصيدة وغرفها الكثيرة وشبابيكها الملوّنة المتباينة فكلها تتحدث عن المنفى الموضوع الرئيسي لها.

وعند قراءة القصيدة يمكن وبسهولة الوصول لما يريد قوله الشاعر، حيث وطّد علاقته بالمكان بشكل متماسك من مقطع لآخر في القصيدة كلها، فاستهل قصيدته الطويلة بجملة “ها أنت ذا” التي تثير التأمّل والتنبيه، لتكون مدخلا مهما احيانا يكررها أكثر من عشر مرات في القصيدة كلها مخاطبا نفسه دائما، فينتقل بالقارئ من محطة للأخرى لينبهه لمرحلة جديدة وصلها الشاعر، أو يصيف له حدثا مهما أثر في حياته فيقول مثلا “ها أنتَ ذا تخرج إلى المنفى” وبعدها بسطور “ها أنتَ ذا تعمل في مطعم كبير” وأيضا: “ها أنت ذا في شقة صغيرة بمدينة دلفت” ومرة أخرى “ها أنت ذا تتعلم لغة مليئة بالخاءات “وأخيرا “ها أنتَ ذا في إذاعة هولندا”.

وبذلك تمكن الشاعر بسهولة ويسر من أن يحقق قيمة إيقاعية مهمة من خلال تكرار ووضوح جملة “ها أنت ذا” التي ساعدته كثيرا في أن يبقى متشبتا بأسلوب السرد القصصي الجميل الذي يتقنه بشكل جيد، ويترك اثره في المتلقي الذي كوّن فكرة واضحة عن مكان وجود الشاعر، والأمكنة التي ابتعد عنها ويتوق حنينا للعودة اليها.

وقد حفلت القصيدة الملحمية الطويله للكدي بأماكن كثيرة لها علاقة نفسية ووجدانية به، نقل من خلالها سعادته وألمه، فرحه وحزنه، ضحكه وبكائه، أحساسه بالامن وأحساسه بالخوف، وذلك بحسب المكان والمشاعر التي يكنها الشاعر لهذه الأماكن التي منها ما يسميها باسمها ومنها ما تستعيده ذاكرته أيام طفولته، ومنها ما تحدث عنها بحميمية اكثر من غيرها سواء تلك التي في وطنه ليبيا او تلك التي في هولندا.

ومن أبرز هذه الأماكن مكانه في المنفى حيث عاش فيشير اليه بقوله “تنام في عنابر مع لاجئين عابرين”، أو ينقلنا الى “… شقة صغيرة بمدينة دلفت”، ويصف عاصمة المملكة التي منحتة اللجوء “أمستردام عشرها مبغى… وربعها متاحف”.

ولاشك ان حرص الشاعر على ذكر هذه الأماكن وغيرها ونسج المشهد الدرامي حولها في متون قصيدته يعكس بوضوح أهمية البعد المكاني ومدى تاثيره على مشاعر الشاعر المتبدلة والمتباينة بحسب كل مكان وعلاقته بالمحيط الذي حوله. فيمكن أن نلمس مثلا شوقه لمدينة غريان التي ولد فيها وعاش فيها جزءا مهما من حياته من خلال “تفتقد رحلة البحث عن الكمأ .. وتين أجدادك الأخضر والأسود” تم يتحدث بشكل مباشر عن ما يفتقده وهو في هولندا فيقول “تفتقد الجبال والغيوم الشحيحة”، وأيضا قوله “لا تين ولا زيتون في هولندا”، وقوله “لا جبال في هولندا.. تفجر فيك الحنين بلاد مسطحة تشقها القنوات”.

والمميز في قصيدة منفى إلى جانب طول عدد أبياتها ومقاطعها هو أنه رغم السائد في أن الفعل الماضي يتناسب مع عملية السرد أكثر، إلا ان الشاعر استخدم المضارع بشكل أكثر ليتحدث عن بعض هذه الأماكن حتى وهو يسترجع ماضيا بعيدا او قريبا بذكرياته القديمة الحزينة والمفرحة، فلبست القصيدة بذلك ثوبا مختلفا جعلها تقترب، وهي مزهوة، من السرد القصصي الجميل ومن أفعال المضارع أو الصيغ المركبة الدالة على الفعل المضارع التي جاءت في القصيدة “تخرج إلى المنفى”، “تصرخ في المطارات”، “تغلف الورود والنباتات”، “تدخل إلى بيوتهم صاخباً.. وتخرج صاخباً”، “تزاحم البط والأوز والبجع وتلتقط في الهواء ما يرميه العابرون”، “تمضي في الشوارع المزدحمة”.

وبشكل مختصر ومفيد فقد حضر المكان في هذه القصيدة الطويلة لعمر الكدي حين حظي بمقدمة اهتمامه في الأربعين مقطعا تقريبا، ليظهر شوقه في وجـدان القصيده “منفى” كلها خاصة تلك المقاطع التي تتناول شوقه لاصدقائه وأماكن صباه في طرابلس وغريان وليبيا كلها.

وفي القصيدة عدد من المواقف والعواطف والانفعالات، وغيرها من العلاقات التي تظهر تدريجياً، وتعكس علاقة الشاعر بالأمكنة التي رغم انها لم ترد مرتبة ترتيباً منطقياً زمنياً تصاعدياً ولكنها جاءت شبيهة بالأمواج المتتالية، ومع ذلك وفق الشاعر في أن يجعل لكل منها خصوصية ضمن المكان.

وهكذا نجد ارتباط الكدي بالمكان ليس بوصفه مكاناً فحسب، وإنما من خلال ظاهرة جديدة مواكبة للأحداث التي تدور في وطنه وفي العالم من حوله، قدمه لنا الشاعر كنصوص ًشعرية محاكية للمكان بروح شفافة وعاطفة قوية وصادقة كما عودنا الشاعر دائما في كل أعماله الإبداعية المتميزة.

________________________

نشر بموقع ميديل إيست أولاين

مقالات ذات علاقة

ثلاث روايات من القائمة القصيرة للبوكر العربية

مفتاح العماري

هويتي والهويات القاتلة

ليلى المغربي

قراءة في كتاب «ما بعد الاستعمار والقومية في المغرب العربي»

محمد الأصفر

تعليق واحد

مفتاح العمّاري 14 أبريل, 2015 at 12:12

قصيدة منفى للشاعر الصديق عمر الكدي ، باعتبارها مطولة شعرية سردية ، تنشغل بتوثيق الغربة كجزء مؤثر من سيرة الشاعر . وتعد تجربة فريدة ومميزة في قصيدة النثر الليبية بصورة خاصة ، وفي مدونة الشعر الليبي بشكل عام . فضلا عن خصائصها الأسلوبية من حيث معمارية بناء النص ونموه الداخلي دراميا . فشكر للكاتب على هذه الاضاءة .

رد

اترك تعليق