المقالة

شعب الله العجيب

نحن شعب عجيب! كل ما يخطر، وما لا يخطر على بالك، نقوم به وتراه واضحًا، (عيني عينك)، ننفذ أصعب الأمور، ونعجز، أحيانًا، عن أسهلها، نقوم بأنبل الأمور وأروعها وأعظمها، وأحيانًا يقوم -بعض ما- بما يخجل الشيطان منه، حتى إنه يحجب عينيه بيديه ويتوارى عند ناصية شارع عمر المختار! نمنع تناول الخمور، ولو تشرق الشمس ليلة خميس، لرأيت سكارى أكثر مما تراهم في حانات دبي والقاهرة معًا، ثم يجتازونك، في اليوم، مندفعين كمريدي (حضرة) للحاق بصلاة الجمعة! يضربون (دربوكة) ليلة كاملة بإيقاع متكرر ممل، وهم يتغنون بأكبادهم المقطعة بسبعة أمواس، ثم يقدمون في اليوم لحنًا بديعًا، يعترف موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب بأنه اقتبسه منهم! خيّل للقذافي أنه قتل فيهم روح الثورة، وأنهم خنعوا واستكانوا، فنهضوا له نهضة فارس واحد، من دون سلاح سوى قناعة بأن وقته انتهى. والعالم رأى ذلك الشاب الذي مزق قميصه، وعرّى صدره لبنادق قناصة حصن الكتيبة، ومن منا لا يعرف الشهيد مهدي زيو؟ الذي لم يسمع من قبل صوته أحد، ثم أسمع العالم دوي بوابة (باستيل) بنغازي، التي فجرها بكبده وقلبه ورئتيه وعينيه معًا، ثم نظّم، هذا الشعب العجيب، انتخابات شككت في نزاهتها الدول الديمقراطية الكبرى، متعللة بانعدام الخبرة، فتحقق نجاحها بدرجة مذهلة، وإن كان أخطأ في انتخاب من يمثلونه!

نحن شعب عجيب، متفردين في أطباقنا، وعاداتنا ومناسباتنا المبهجة، التي لا تكتمل إلاّ، بالأهازيج، والشتاوي، والطبيلة، وأغاني (العَلمْ) البليغة، التي تميزنا عن غيرنا، والتي أبدع منظموها، فصارت أكثر فنون التراث قوة تعكس نفسيتهم وقناعاتهم. اسمعوا معي هذه (الغناوة)، التي لا أدرى إن كانت علمًا، أو شكلا آخر من أشكال الغناء، تقول:

” دير الصوب وقيما. وألاّ ديما دير خطا واعر تسقيما “

والمعني العجيب هو رفض أنصاف الحلول: إما تفعل شيئًا صائبًا، أو تقوم بخطأ يصعب إصلاحه، ونحن، هكذا بالفعل! ننجز الصعاب ونفشل في التوافه!

الليلة البارحة انفجرت فرحة، كان دويها أعنف من انفجارات الليالي السابقة، التي تواصلت طوال ثلاثة أعوام، فرحة انتصار ليبيا على غانا وأخذها بثأر هزيمة 1982م كانت عارمة، ولكنها خلفت مثلما خلفت انفجارات الليالي السابقة ضحايا، ولكن ضحايا تلك الليالي دوافعها الحقد والعداء والانتقام، والسياسة، بينما ضحايا ليلة نيلنا كأس أفريقيا سببها انفجار فرحة، لعلع فيها الرصاص، وانطلق شرر في السماء ليسقط ثانية على رؤوس الراقصين المبتهجين، ثلاثون حالة وصلت مستشفى الجلاء بـ”بنغازي”، منها المميت، ومنها الحرج، ومنها السطحي، وذكرتني الواقعة بلعبة غبية كنا نلعبها ونحن صغار، كنا مجرد مشروع شعب، نرمي الحصى في السماء ونقول: (غضيب ولدين أطيح عليه)!

نحن شعب عجيب، نتحمس لمرشحين، نساندهم، ونصفهم بالأسود، ثم نعايرهم بالخواتم، ونُصر على إسقاطهم وطردهم من (ريكسوس) غير مقدرين مغبة تفريغ البلاد من الشرعية الوحيدة التي تتعامل معنا الدنيا من خلالها! أنا لا أقول أبدًا، إنني راضٍ على أداء المؤتمر الوطني، ولكنني رافض التخلي عن الشرعية التي شاركت في تأسيسها ديمقراطيًا، ولأول مرة في حياتي، بسبابة تستحق القطع! لا تندفعوا نحو من يزين لكم طريق إسقاط الشرعية، فثمة حلول كثيرة لا تحتاج إلاّ إلى نوايا حسنة، أو مواجهة حقيقية لصناع الأزمات.

مقالات ذات علاقة

بورتريه أمين مازن

أحمد الفيتوري

أسطورة صراع الأجيال

صالح قادربوه

من سكب الأبيض في “الفراشية” الليبية؟.. “الفونغ شوي” يُجيب

أحلام المهدي

اترك تعليق