المقالة

شجرة اللوز الخزاينية ويوم الزينة!!!

د. رضا محمد جبران

من أعمال التشكيلي عمر جهان
من أعمال التشكيلي عمر جهان

بعمق جذورها وأصلها الثابت في أعماق الأرض، وبسمو فروعها الممتدة إلى سماء الدنيا، توسطت أرض بيتنا في منطقة مجدنا العامر، شجرة لوز مباركة ليست كأشجار اللوز التي ألفتها أرض بلادنا، وكأنها نخلة الداخل في أرض الأندلس، تظهر شموخها ووحدتها ونفاستها لما أحاط بها من أشجار اللوز والأشجار المتنوعة المنحنية تذللا أمام حسنها وجمالها، وظلالها، لقد فتحنا أعيننا في ذلك الحي الرائع، في شارع الزريبات، وفي رحاب نفوس ملئت حبا وودا وأصالة وكرما واعتزازا بتقاليد أصيلة لينت كل ما شد من مظاهر الحياة وقسوتها، والتي تساوت مظاهرها خُلُقا وخَلْقَا، مطعما ومشربا، وزينة، ورفاهية.

نعم هكذا كانت الحياة العامة إلا ما شذ منها، اشتراكية شعبية، توحدت ملابس الأطفال والنساء والرجال فيها، لم أكن أعرف أنا وجيلي إلا محيطنا الذي كنا نعيش فيه، وقد تجلت فيه سمة العفاف والكفاف، كما لم يعرف الليبيون آنذاك إلا وطنهم الحبيب الذي عز فيه كل شيء حتى الكلام، وكانت أعينهم تدور فيه كالذي يغشى عليه من الموت، ولم تجنح إلا في الشعائر المقدسة ما بين حج وعمرة، فهي تذكر بالآخرة، وتنسيك متاع الدنيا الزائل، فلا أحد يفكر فيما جاوره من البلدان التي شيدت العقول وعمرت الحقول، وصار الجهل فيها إلى أفول.

في كل تلك المظاهر البهية المؤنسة، تتجلى صورة تلك الشجرة المباركة التي أحيت جميل الأيام والأشهر والأعوام التي قضيناها تحتها، ننعم بظلالها، ونستمتع بطعم ثمارها المميزة، ونتسلق أغصانها التي صارت مأمنا لنا أنا وشقيقي الأكبر مني، حيث جعلها متكأ نلجأ إليه في السلم والحرب، بعد أن بنى فيها كوخا لا يصل إليه إلا من تجرد شحمه ولحمه، وخف جسمه لا عقله، هذه الشجرة التي استساغتها ألستنا وكنا نسميها اللوزة الخزاينية، بما ألفناه من تسميتها دون معرفة معنى لفظ الخزايني ودلالته، ولعل أصلها يعود إلى المملكة المغربية، فمصطلح الخزايني مألوف في لوزها ورتبها.

لقد أصبحت شجر اللوز الخزايني محجا لنساء منطقتنا العامرة، يطفن حولها، وكانت تعقد صفقات الود والحب والصفاء تحتها، حيث كانت جدتي آنذاك وهي في كامل صحتها وعافيتها مع أمي وأخواتي الصغيرات يجلسن تحتها، وتدار كؤوس الشاي المألوفة ثلاثتها، وكنا نطوف عليهن ننتظر الثالثة لأنها الأحلى، وفيها نتنسم عبق تحميس الكاكاوية، أو اللوز، ونغنم ما يجوز لنا، بقدر ما يكون فرحا وسعادة ترتسم في قلوب وأفواه أبناء جاراتنا اللاتي تحلقن على عالة الشاي، وبما تحمله ((شلامة)) كل واحدة منهن.

نعم كنا نسعد بسماع أسمائهن عندما تنطقها جدتي فتقول خالتك سالمة، وفاطمة، وفجرة، وفوزية، ونعيمة، ومرت الشيب، ومرت الشاوش، وغيرهن ممن يضيق ذكرهن، كانت تستهوينا تلك المجالس الطيبة، في عشيات الصيف، نعم ما أجملها!!، فكل واحدة منهن تحمل معها الود والحب، وما نفس من ثمار وغلال، وبضائع كالعسل والسمن والشمع، واللوز، وأدوات التطريز، فكانت تلك اللوزة الخزاينية كسوق عكاظ، ويوم زينة، عندما لم يكن هناك منصات وأماكن لتجميل النساء، فتعرض فيها السلع والبضائع المحلية الخالصة التي لا علاقة للاستعمار فيها، فـ(الذي ينتج هو الذي يستهلك)، و(لا حرية لشعب يأكل من وراء حدوده)، ومستحضرات نساء منطقتنا في ذلك الفصل تحديدا، هو من براعة جدتي رحمها الله، التي كانت تصنع زيت الخجلة، وهو مرطب محلي قبل أن تكتشف النيفيا، ومرطبات البشرة الكيميائية، وكذلك لحاء اللوز الخزايني، فهو مثل المسواك له رائحة طيبة، ويظهر جمال الأسنان، ويعطي لونا أحمر للشفتين، يتسوكن به ويضعنه في أفواههن وكأنهن في مجالس القات اليمني، حتى يغادرن المكان ويودعن جدتي رحمها الله، وأمي وأخواتي حفظهن الله، وحفظ أطفالنا الذين حرموا من تلك الطفولة الصافية التي نسجت شيئا منها من أطلال ذاكرتي البالية، واكتفوا بألعاب البوبجي، وحفظ بلادنا من كيد الكائدين وعبث العابثين،

11/ 5 / 2020

مقالات ذات علاقة

مسودة أولى

عبدالقادر الفيتوري

المقتبسات

ناصر سالم المقرحي

عبقري الموسيقى الليبية يوسف العالم… وداعا

أحمد إبراهيم الفقيه

اترك تعليق