طيوب البراح

شتات العمر المبعثر

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي

كالعادة مع بداية الخيوط الفضية الأولى التي تنير السماء، أقف في سياج المنزل أفتح صدري لنسيمات الصباح الأولى، أملأ منها رئتي، ولكني أشعر بقلق على غير العادة ومائة سؤال وسؤال؛ ثم ماذا؟

وهكذا كلما انتهي من كتابة مقالة أو قصة أو شيء مما أكتب، فأنت يا صديقي مكبل بقيود العادات، فهي تكسو كل تصرفاتك مع الآخرين وربما حتى مع أبنائك وزوجتك، كيف تحفظ توازنك وسط هذه اللجج؟ كيف تكون أنت ولا تنشطر أو تنفصم؟ كيف توائم بين هذه التناقضات؟ كيف تحافظ على رأسك على كتفيك؟ كيف تحافظ على هذه الشبكة العنكبوتية فوق كتفيك؟

كيف تقف على هذه الأرض دون أن تقع؟ وإذا وقعت؛ كيف تنهض وتسير من جديد؟ كيف وأنت تبصر مساحة وطاحونة الظلم في العالم تتسع باتساع الكرة الأرضية، في ما يخفت صوت الحق وسط قيم الظلم؟ فكما قال الشاعر قديما”

محن الزمان كثيرة لا تنقضي
وسروره يأتيك كالأعياد

ملك الأكابر فاسترق رقابهم
وتراه رق في يد الأوغاد

وصلت إلي بغيتي، وقعت عيني علي أعلى مبنى جنوب مرزق، وهو لا يزال يتحدى عوادي الزمن ويخرج لسانه لكل جديد في مرزق، فلن يكون بجماله وعظمته (أنا قلعة مرزق كان لي شأن عظيم في سالف الأزمان).. ليتني أستطيع أن ألملم شتات العمر المبعثر فوق أرصفة الضياع وفي زحمة الأيام والليالي، ليتني أستطيع أن أعيد الثواني والدقائق الضائعة علي ابني هذا الذي يجلجل بالانهيار، هل الموت هو تحرير شهادة بالوفاة أم توقف عن العطاء؟

أحيانا كثيرة أرى أموات يمشون! يعيشون معنا نجالسهم و نخاطبهم نأكل ونشرب معهم، أحيانا أحس المدينة عبارة عن أناس تغط في موت عميق وقبور تمش فكل رأس مقبرة، غريب هذا الذي يتصرم كرمال من بين الأصابع ويمضي قطار العمر سريعا متجاوزا كل المحطات (لا زلنا نعاني سغب الصحراء والموتى والآم سيزيف، لازلنا حزانى في ضيق المكان نتحسر كيف يأخذ الموت الرجال)، لازالت أحلامنا العنقاوية تموت وتبعث من رمادها كل يوم.

ومن المذياع يرتفع الأذان والصلاة مفتاح الجنة كما تعلمون، كانت الجنة مأوانا جميعا.. وهنا أضع القلم وأقطع حبل الأفكار كونوا بخير ..

مقالات ذات علاقة

C.V

المشرف العام

مات قبل أن يرى موته

المشرف العام

كأنكَ .. الآنَ

المشرف العام

اترك تعليق