من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
قصة

شتاء وجوع ونشيد

عبدالعزيز الرواف

من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه

 

تفاجئني ذاكرتي الضعيفة بصحوة غير متوقعة بين الحين والآخر، أصحو معها على تفاصيل مغرقة في النسيان، أطارد صورها كمخمور عبَّ من خمر رديئة الصنع بدون حساب يصارع نشوته النزقة بعقل واهنة قواة، ألاحق احداها وهي تتجسد أمامي بصعوبة ، صورة لحجرة من صفيح ، يربض في أحدى زواياها مصباح يعمل (بالقاز) في خلفية المشهد صوت رخات المطر يرقص بتناغم على صفيح سطح الحجرة، شعاع برق يلمع من ثقوب جدار الكوخ الصفيحي ، وهزيم رعد لا تزال زمجرته بعيدة تُردد صداها الأودية المحيطة بقرية الصفيح.

يرافق هذا التناغم المختلط صوت ( طشة ) البصل مع الزيت في ركن ( البراكة)* وتلفح أنفي رائحة ( التقلية ) المنبعثة من هناك حيث تجلس أمي في مكانها الأثير تقشر حبات بطاطا فقيرة النمو.أشاكس أخي الأصغر أو يشاكسني كانت عادتنا الدائمة ، في موروث تلك الأيام هو من آتى بعدي لهذه الدنيا أي ( على رأسي ) ويجب عليَّ أن أتحمل كل نتائج نزقه لأنني سبقته لهذه الحياة، وكأن وجودي قبله ميزة له وليست لي.

يعلو صوت خلافنا حول أينا أحق بأن ينبطح بعيدا عن ذراع ( الفنار ) الذي يشكل ظلا على صفحة كتاب الدرس فغدا (تسميع) النشيد، وبكل تأكيد المعلم يشحذ عصاه الليلة ، وينتظر أن يتأته أحد التلاميذ في كلمة واحدة، ليصيح به قف عند السبورة.

الأم تترك مرصدها الدائم خلف موقد يعمل بالقاز ( استوفا ) تحمل ( الفنار ) تضعه وسط الغرفة، تأمر كلينا بأن ننبطحا كل عند جزء من زجاج الفنار ( المرش) كي نبتعد عن ذراعي الفنار.

صوت المطر يتلاشي، زمجرة الرعد تبتعد، وتفوح رائحة طبيخ أمي، نكهة طعامها لم تزل تعبث بثقوب ذاكرتي الصدئة رغم مرور سنوات على رحيلها، ألملم وأخي الأصغر كراساتنا وأقلامنا، لنفسح المجال لصفرة بسيطة تحوي صحن طبيخ طُهَيَ ببهارات طيبة قلب أمي، تحفه كسر من خبز ( التنور) يهزمان جوعي الشتائي القارص.

التجئ بعدها لركن الحجرة ، أحب أن اضع ظهري ناحية الجدار، أتكور في فراشي، أنسى مشاكساتنا أنا وأخي ويقترب جسدانا فيتسرب لهما الدفء ، ذاكرتي تسترجع بترنيمة طفولية عبارات النشيد ببهجة ممزوجة برهبة إنتظار الغد، وتبدأ عيناي تستلمان لسلطان النعاس .

__________________________________

كتب على ضوء الذاكرة .. طبرق .. 10-08-2018

*البراكة : في لهجتنا تعني الكوخ الصفيحي ، بالمناسبة هي أيضا فصيحة فقد وردت في قاموس المعاني الجامع ( بَرّاكة: (اسم) يَسْكُنُ في بَرَّاكَةٍ : بَيْتٌ مَصْنوعٌ مِنَ اللَّوْحِ أَوِ القَصْديرِ وَنَحْوِهِما )

مقالات ذات علاقة

الحمام ليس للبيع

غالية الذرعاني

كائنات علي الوكواك الحديديّة

محمد المسلاتي

قصص قصيرة جداً

جمعة الفاخري

اترك تعليق