تجارب

شاعر الحرية: اني أعرفه قبلكم وبعدكم

سعد الشلماني

الشاعر محمد فرحات الشلطامي شاعر غني عن التعريف، شاعر ليبي وطنى متمرد ناضل من أجل الحرية فتنقل من سجن لسجن عبر العهود وتعرض لانواع من التعذيب الجسدى والمعنوي ولكن ذلك لم يثنه عن التمسك بمبادئه.

فى عام 1976 قرر دكتاتور ليبيا تصفية الحساب مع معارضيه أو –أعداء الشعب- كما كان يسميهم فألقى خطاباً في مدينة سلوق يوم الثلاثاء 5 ابريل وأعلن أن يوم 7 ابريل هو يوم تصفية الحساب وبدأت أجهزته الأمنية في اعتقال القيادات الطلابية ودخل زبانيته حرم جامعة بنغازى باسلحتهم دون مراعاة لقدسية المكان وعاثوا فساداً وقمعا واشاعوا جواً من الارهاب والخوف بين طلاب الجامعة واساتذتها والعاملين بها.

الطلاب اللذين تم اعتقالهم في بنغازى من قبل جهاز أمن الدولة -وفقاً للقائمة القادمة من طرابلس- تم تسليمهم إلى معسكر الحرس الجمهورى بالبركة وأيداعهم بالسجن الموجود داخل المعسكر بالقرب من المسجد الموجود بذلك المعسكر (عرف فيما بعد بكتيبة الفضيل بوعمر)وكان آمر المعسكر في تلك الفترة هو العقيد سليمان محمود وأن كان الحاكمان الفعليان والمسئولان عن ادارة السجن والتحقيقات والتعذيب هما النقيب عبدالله السنوسي والمقدم حسن اشكال.

كان محمد الشلطامي أحد اللذين ضمتهم جنبات ذلك المعتقل السجن الذى كان يحتوى على ستة عشر زنزانة (ثمانية في كل جانب ودورات مياه في نهاية السجن مع ثلاث مكاتب في المدخل وسور يحيط بالمبنى في اعلاه اسلاك شائكة.

كان من سؤ حظى أن أكون أحد اللذين قرر النظام أعتقالهم (بعد ذلك اكتشفت أنه كان تشريفاً لى أن أكون كذلك) رغم أنني لم أكن قد دخلت الجامعة بعد ولم أبلغ من العمر مثل بقية المعتقلين فقد كنت اصغرهم حيث كنت طالباً بالشهادة الثانوية وكان معضمهم في المراحل النهائية من الكليات الجامعية وبعضهم منتسبين الى الجامعة وهم مدرسين أو يعملون بوظائف أخرى مثل شاعرنا محمد الشلطامي أو المدرسان (اللذان اعدمهما الطاغية بعد عام تماما من ذلك التاريخ وتحديداً يوم 7 ابريل 1977) عمر على دبوب ومحمد الطيب بن سعود.

قام والدى رحمه الله بأخذى من مدرستي (مدرسة صلاح الدين) ونقلى الى مديرية الأمن بشارع جمال عبدالناصر مساء يوم الخميس 7 ابريل (كان فصلنا يتلقي دروس اضافية في مادة الرياضيات) حيث قام رجال أمن الدولة بعد مقابلتنا لقيادات أمنية من بينهم شخص يدعى فرحات بنقلى وتسليمي إلى آمر معسكر الحرس الجمهورى حيث تم ايداعى أول زنزانة على الشمال في ذلك السجن الذى يحتوى على ست عشرة زنزانة –بعد لقاء سريع مع سليمان محمود ثم عبدالله السنوسي- الذى حاولت إقناعه بأنني لست طالباً بجامعة بنغازى كما ورد خطأ بقائمة المطلوب القبض عليهم الواردة من طرابلس الا انه اكد أنني المطلوب وطلب من أحد الجنود –وكان أسمر اللون يحمل سوطاً سودانياً- نقلي مشياً على الأقدام من مبنى ادارة المعسكر إلى السجن، حيث أخذت منى في مدخل السجن ساعتي وبطاقتي وحزام جلدى وخيوط الحذاء وتم ايداعي أول زنزانة على الشمال وبقيت فيها وحيداً مصدوماً لبرهة من الوقت الى أن فتح الباب الحديدى للزنزانة وتم الدفع بقوة لاحد الاشخاص بداخلها وما أن وقف واسترد انفاسه حتى بادرني بالحديث قائلاً (ما اتخممش، نص الميه خمسين) كان ذلك القادم هو مصطفي الكوافي (المعروف بمصطفى الفار). مضت الساعات كيفما مضت وفي الساعات الأولى من الصباح خرجت قاصداً دورات المياه لاشاهد في ساحة السجن أحد الجالسين القرفصاء مع عدد من الاشخاص وكان الوحيد الذى عرفته من بينهم وكان هو نورى الماقني حيث سبق أن التقينا في 8/1975 بطرابلس في اجتماع بقصر الشعب لروابط اتحاد الطلبة وكنت أميناً عاماً لرابطة بنغازى لاتحاد طلبة الثانويات وكان نورى مقرراً لرابطة جامعة طرابلس لاتحاد الطلبه في ذلك العام الدراسي 1974-1975. (في نوفمبر 1975 تم اسقاط عضويتي من الرابطة ومنعى من المشاركة في اى اتحاد طلابي قادم حسب مذكرة سلمت لي من اللجنة التحضيرية لتشكيل اتحاد طلاب 1975 -1976).

زاد عدد المعتقلين مع كل يوم يمر ووصل عددنا في الزنزانة التي كنت فيها وحيداً في البداية الى ستة أو سبعة اشخاص يتغيرون باستمرار حيث تعرفت على سميح الأطرش وشقيقه سعيد الأطرش وصالح اجعودة ومحمد عمر بن سعود والبناني وآخرين.

لعدة اسباب -قد يكون من بينها معرفة والدى القديمة–حيث كان في العهد الملكى أحد ضباط قوة دفاع برقة- ببعض ضباط أمن الدولة اللذين كانوا زملائه، وربما تقديراً لاستجابته لطلبهم باحضارى وتسليمي بدلاً من مطاردتي للقبض على، وربما لصغر سني حيث كنت أصغر من في السجن سناً لم- أتعرض للتعذيب، وان كنت اجبر مثل بقية السجناء على مشاهدة حفلات التعذيب لأخذ الدروس المعتبرة.

في احدى حفلات التعذيب تلك تم اخراجنا من الزنازين الستة عشر واجبارنا على الاصطفاف امامها، وبدأ حسن اشكال ومن معه -في استعراض طابور الشرف- بسؤال كل منا عن اسمه مع بعض التعليقات التهكمية الجارحة والمستفزة اذكر منها ما وجهه لأحد السجناء ويدعى محمد البناني اذا لم تخني الذاكرة الى ان وصل الى الشاعر السجين محمد الشلطامي وبدأ بضربه بسلك كهربائي غليظ ومغلف (كافو) وكان الشلطامى طريح الأرض يتألم من جراء التعذيب ويقرأ سورة قرآنية بينما الدماء تسيل من رأسه، فصرخ فيه حسن اشكال قائلاً هل عرفت الله الآن (عرفته الله توا) فأجابه الشلطامي بعبارة لازلت أذكرها الى اليوم ولم تغب عن ذهنى أبداً قائلاً (اني أعرفه قبلكم وبعدكم) وساد الصمت والحزن ساحة السجن.

كانت تلك التجربة السجنية القصيرة مع بعض مناضلي ليبيا وقادة انتفاضة يناير 76 وأول ضحايا ما اصبح يعرف بعد ذلك بالسابع من ابريل، تجربة لا تنسى لشاب في مقتبل عمره، وكانت شجاعة أولئك المناضلين الحقيقيين في مواجهة القمع والتعذيب  (كان من بين السجناء على ما أذكر ماهر ابوشريدة وصلاح المغيربي وخالد الترجمان والمهدى ابوقرين وبشير جربوع وغيرهم) الهاماً له ونبراساً لأيام ستأتي حتى اندلاع انتفاضة 17 فبراير 2011 التي كانت استمراراً واستكمالاً لانتفاضات الشعب الليبي في يناير 76 وفبراير 2006 وغيرها من الانتفاضات التي تحدت النظام الفاشي الذى كان يختبر ايمان الشعب الليبي بقضيته والتي أكدت ما قاله شاعر الحرية محمد فرحات الشلطامي يوماً من ايام ابريل 76 (اني أعرفه قبلكم وبعدكم)

مقالات ذات علاقة

تجربتي في إذاعة “طرابلس العرب”

يونس شعبان الفنادي

درس السنوسي الاول

منصور أبوشناف

جلال

المشرف العام

تعليق واحد

مثقف 3 يناير, 2012 at 15:16

شاعر لم يلاق التقدير في وطنه

رحمه الله

رد

اترك تعليق