الشاعر_محمد الفيتوري
المقالة

شاعرٌ بهـويـاتٍ كُـثـر

لا أحد ينكر جمالية القصيدة التي كان ينسجها الشاعر الراحل محمد الفيتوري من الناحية الفنية.. فهي بلا شك ذات مضمون فكري متين.. وإن اختلفنا مع بعضه … تشكلها المفردات الموغلة في اللغة المسكوبة بعذوبة رقراقة في أعماق ووجدان المتلقي .. قصيدة حالمة وإن توشحت غالباً بالسواد … ولكنها تشرق أحياناً بثياب زاهية خاصة بكل مناسبة .. في أشكال مختلفة من الموديلات والألوان التي يتم تفصيلها حسب مقاسات الهوية … السودانية أو المصرية أو الليبية أو الزنجية الافريقية، أو ربما هويات أخرى يتطلبها الموقف، أو المصلحة للهتاف بالشعارات والخطابات الصوفية أو القومية أو اليسارية الاشتراكية أو التحررية أو غيرها.

الشاعر_محمد الفيتوري
الشاعر_محمد الفيتوري

ولكن لابد أن يكون الشعر الحقيقي موقفاً والتزاماً ينحاز إلى قيم نبيلة ثابتة وألاّ يقفز على مبادئه وفق الأهواء والمصالح والغايات. ولهذا السبب لا يموت الشعراء الصادقون إلا جسداً بينما يظل ابداعهم قيمة مضافة، لا ترحل أو تغادر معهم إلى قبورهم. وأيضاً كم من قصيدة جميلة أو بيت مميز ظل يتردد في فضاء الشعر ولا نعرف قائله، لا لشيء إلا لأنه يحمل قيمة ابداعية متميزة تستمر في اشعاعها الوجداني والفكري على مر العصور.
إن الابداع هو قيمة فنية تعبيرية، وممارسة سلوكية أخلاقية في آن واحد. ففي الدراسات النقدية والتحليلات الأدبية لا يمكن تجاهل الارتباط العضوي والعلائق المشتركة بين النص الابداعي والسيرة الذاتية لصاحبه. فالنص يعكس الكثير من فكر وسلوك وشخصية مبدعه. وعند انحراف النص الابداعي عن ذلك المؤشر أو المعيار يصنف بأنه نص مخاتل لا يحمل صدقه، والذي هو البذرة الأساس في بنيوية الأجناس الأدبية كافة، حتى وإن ظهرت زاخرة ومنمقةً بالصور البلاغية الجميلة، ومعززةً بالايقاع الموسيقى الجذاب، والزخرفة اللغوية، والخيال الواسع، والمضامين الفكرية، لأنها تكون في تلك الحالة مجرد صور باهتة، ومزيفة عارية من أهم عناصر الكتابة الابداعية وهو الصدق والصدق والصدق … أهم الخصال النبيلة.

والشاعر الراحل محمد الفيتوري ظل لعقود طويلة شاعراً فذاً، يملك موهبة ورؤية ابداعية تصبو دائماً إلى حيث سخرها ووجهها عبر مساربه المستباحة، نحو الغايات الشخصية، أو مصلحة ثوب الهوية الذي يرتديه وليس لأجل توطين الأهداف الإنسانية كركائز وقيم ابداعية ثابتة. وربما كان هذا بسبب ضعف إنساني عند الشاعر الراحل محمد الفيتوري أو عقد نفسية تلبسته، لم تتوقف أو تنتهي أسبابها عند غياب الاحساس بالانتماء الحقيقي لوطن معين، حيث نجده تارة شاعر افريقيا بأسرها، وتارة شاعر العروبة، متجاوزاً كلَّ الجنسيات القُـطرية، ثم أحياناً الشاعر السوداني أو الشاعر المصري أو الشاعر الليبي الذي وجد في عباءته القومية العربية وطناً يغريه وينسيه هاجس التفكير في بلده الحقيقي، فأبدع تحت مظلة ذاك الفضاء القومي في التغني بأوطان متعددة عاش في بيئاتها ونهل من ثقافاتها مجتمعة، ثم استحضرها في قصائده المدوية شعارات وخطابات نارية لتيارات أيديولوجية وسياسية، وفي مدح شخصيات ديكتاتورية سوقته شاعراً وصوتاً يصدح بأناشيد الحرية والتحرر والانعتاق.
لقد برع الشاعر الراحل محمد الفيتوري بمهارة فائقة في صناعة القصيدة الشعرية، وفي المقابل نال أثماناً مجزيةً ورزقاً وفيراً جراء قصائده القوية الرنانة، وحقق الكثير من المكاسب… فقد صدح بشعره في بلاط عدد من الحكام الدكتاتوريين العرب…. يمدح هذا ويقذح ذاك …. ليس من أجل الشعر ذاته أو ترسيخ المعاني المجردة للقصيد، بل من أجل نزوات ومجون ونزعات كانت تفرزها عذابات روحه المسكونة بالقلق والتوتر والتمزق والكثير من المفارقات الحياتية، استغلها في خطب ود الحكام، والارتماء في أحضانهم حتى آواخر حياته، وإن خفف الرقص على الهوية بعد نيله مبتغاه من تلك الرقصات.

ولا شك فإن قرار تعيين الشاعر محمد الفيتوري دبلوماسياً ليبياً في سبعينيات القرن الماضي … ثم تمديد عمله بالسلك الدبلوماسي، بشكل استثنائي حتى بعد بلوغه سن التقاعد… ضارباً عرض الحائط بقوانين الخدمة المدنية وقانون التقاعد في ليبيا …. مع الإصرار على تعيينه بوظيفة دبلوماسية مقرها دائماً خارج ليبيا .. بحجة أن (المبدعين لا يتقاعدون) هو أحد الأثمان التي قبضها نظير شعره. بينما الشاعر القيمة … الشاعر الإنسان والوطني الحقيقي .. الشاعر النبيل الوفي لشعره ومعانيه السامية هو أول من يحترم قوانين بلاده، لأنها رمز التحضر والارتقاء، والسمو بالأخلاق ورفعة الوطن…حتى يكون قدوة ونموذجاً للآخرين في ذلك … لا أن يتحايل عليها، ويقفز فوقها بحجج واهية، من أجل مآرب وغايات دونية …. والتاريخ لن يغفل بلا شك تلك الصفحات المشينة… بل بالتأكيد سيتوقف عندها مثلما توقف عند مدح شاعر العرب أبي الطيب المتنبي لكافور الأخشيدي … وغيرها من الوقفات المماثلة … سيدون التاريخ أن محمد الفيتوري قد باع قصائده بثمن بخس.. واشترى بها مناصب دبلوماسية … تاجر بروح الشعر واحتسى بها كؤوس النبيذ الفاخر الذي يعشق … وأخيراً .. ها هو يترك الهوياتِ والاوطانَ كلَّها .. ويغادر وحيداً وعارياً كغيره من البشر .. ولعله في هذا يكون عبرة لمبدعين آخرين .. فهو الآن هناك .. بين يدي الله .. في رحاب عفوه وظلال رحمته .. وبالتأكيد فإن هناك لن يكون… تمييز أو فرق… فعدل الله يعم الجميع … وإن طغى على الأرض أو تفاوت في الحياة الدنيا .. البشرُ الافذاذُ .. والبشرُ.

______________________________
نشر: صحيفة ليبيا الإخبارية – 21 مايو 2019 – العدد: 554.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (8)

المشرف العام

سعادة سفير الثقافة… وداعا

المشرف العام

تاريخُهن لم يُكتب!

فاطمة غندور

اترك تعليق