شخصيات

شاعرية الوجه الليبي

شاب أبيض البشرة، لا يدخن، نظارات سميكة تحتل معظم وجهه. رجلاه ممتدتان إلى الأمام على طريقة الأمريكان. إنه صديقنا خالد مطاوع، شاعر ليبي يعيش في أمريكا. هكذا عرفني به الناقد أحمد الفيتوري ذات ضحى شتوي، بمقهى المنتدى الإذاعي في نغازي.

الشاعر_خالد مطاوع

لم نكن نجهل خالد. كنا قد قرأنا له عدة قصائد في النت، وكذلك قصيدة “تاريخ وجهي” التي نشرتها  مجلة عراجين، القصيدة ذات الشكل الشعري والنفس الروائي من خلال تلخيص تاريخ ليبيا في وجه إنسان. تجمعت أجزاؤه على طريقة فرانكشتاين، لكن بشكل حي ليجعل هويتنا الوطنية التي نعتز بها في محل شك، فكل جزء في وجهنا جاء من مكان، أي أن وجهنا في النهاية هو حالة كوزمبولية تشكلت من كل الأعراق التي عاشت في أفريقيا وأوروبا وآسيا. تقول القصيدة التي صدرت ضمن ديوان خسوف الإسماعيلية  دار شرقيات 2005 :

“شفـتاي جاءتا مع قافلة للعبيد.. كان يملـكها السنوسي الأكبر في الجغبـوب.. أعـتـقهم وانـتـشروا.. مازالوا يقطنون الربع الفقير ببنغازي قرب المستشفى حيث ولدت. أولئك الإغريق الذين أهدوني حاجبيّ / ما كان ببالهم البقاء بتوكره / لكنهم شمّوا ذات يوم  رائحة المريمية البريّة وأعلنوا بلادي مسقط رأسهم.. فرسان القديس يوحنـّـا غزوا طرابلس، فطلب سكان المدينة النجدة من اسطنبول، في عام 1551 جاء الأتراك بأنفي. يعود شَــعري إلى إحدى جواري سبتموس سيفيروس. كانت تهيئ له فـطوره و أنجبت له أربعة أبناء. فتح عقبة مدينتي باسم الله. نجلسُ الآن على حافة قبره / وأغني لك: يا ذا الأهداب الحلوة – حادة كالسِّهام – أهذا وجهي الذي أراه منعكساً في عينيك؟”.

سألت خالد عن جائزة العباقرة من  مؤسسة ماك آرثر التي ظفر بها الشهر الماضي، فضحك وقال: “العباقرة: ليس اسماً رسمياً للجائزة، وطبعا أنا آخر من يدعي العبقرية. استقبلت الجائزة كمفاجأة لأنني لم أتوقعها وبما أنها بالترشيح، ليس هناك سبيل للحصول عليها حتى لو سعيت لذلك. والحقيقة أنني لازلت منذهلاً بها، لأنها تكريم كبير، وسبق أن حصل عليها أدباء وشعراء كبار أعطوني الكثير.

و يواصل مطاوع كلامه متحدثا على نجاحه في لغة شكسبير أكثر من نجاحه في لغة سيبويه: “علاقتي باللغة العربية تزداد توطدا في السنوات الأخيرة، وبدأت اكتب بعض المقالات، كما ترجمت إليها بعض الشعر الإنجليزي، ولكن لغة الكتابة بالنسبة لي لازالت الإنجليزية”.

ويتواصل حوارنا ويتشعب أكثر ليصل إلى محطة الدين، فيحدثني خالد قائلا: “عندما كنت صبياً، كانت مقاصد الدين هي أن يكون الفرد صاحب ضمير مهتم بالضعيف والفقير وأن التقوى أمر شخصي مبنى على أساس “لا ضرر لا ضِرار”، أما الآن فأصبحت التقوى الظاهرة هي مشغل كل الناس ومن يختلف يعاقب وينبذ ويكفر. أصبحت نظرتنا وحتى تطبيقنا للدين يفتقد للرحمة والتسامح ويشوبه إصرار على النمطية وكراهية كل اوجه التنوع”.

في قصيدته “تاريخ وجهي”، اختزل ليبيا في قصيدة شعرية من خلال قراءة تضاريس الوجه.. فماذا عن تضاريس القلب؟، يقول خالد: “نحن في هذا الحوار نتحدث عن ليبيا وهى همنا وهمي الخاص سوى من البعد، أو من القرب بالتواجد هناك. كثير من الليبيين يقرون الآن أنهم باتوا يعرفون بلادهم ومواطنيهم أكثر بعد الثورة وأنا أحدهم، فمن الناحية الإيجابية تعرفت في الآونة الأخيرة على ليبيين كثيرين وتعرفت على أفكارهم وأحلامهم التي أتشارك معهم فيها.كذلك تعرفت على التيارات العنيفة والممزقة التي كانت تجري تحت أرض المجتمع. وأظن أننا كليبيين اكتشفنا أن قدرتنا كشعب على العنف، أسوأ مما اعتقدنا عندما فكرنا أن نظام القذافي هو أبشع شيء خلقته ليبيا. الآن وجدنا أن هناك كمّاً من الكراهية والجشع والعنف أذهلنا، وحتى وإن كان هذا المنتوج الكريه هو من ترسبات نظام القذافي، فهذا صنيعنا نحن ولا نستطيع أن نستمر في تعليق كل شرنا في رقبة القذافي. إذاً فلنقل إنني تعرفت في ليبيا على قلبيها، القلب الإنساني النبيل العميق والقلب القاتل المتوحش”.

مقالات ذات علاقة

حدث في مثل هذا اليوم: رحيل عبد القادر العلام

محمد عقيلة العمامي

وآن لهذا الفارس ان يترجل

أحمد إبراهيم الفقيه

أحمد الحريري.. «صائد الرياح مات»

أسماء بن سعيد

اترك تعليق