المطر
دراسات

شاعرية المطر

المطر

للمطر تأثير نفسي كبير على الناس أجمعين لا سيما الشعراء منهم، فالمطر قد يُغير مزاج الشخص من الفرح إلى الحزن وبالعكس وقد يوقظ الذكريات ويُشعل الحنين في النفوس ويستثير الخامد من المشاعر والأحاسيس بحسب استعداد ومخزون كل شخص من المشاعر والذكريات والوجوه والمواقف التي ارتبطت بالمطر بشكل أو بآخر، ولهذا السبب ركّز عليه الشعراء كثيراً في قصائدهم أو استثمروه لتأثيث أشعارهم ولونوا بِهِ صورهم الشعرية ومن خلاله عبّروا عن خلجات أنفسهم وأوصلوا معانيهم، ذلك لأن المطر كظاهرة وكمفردة في اللغة العربية تعكس الكثير من المعاني وتجمع العديد من الرموز والدلالات فالمطر كمطر يرمز إلى الخصب والخير والنماء والخضرة ويُحيل إلى الأزدهار واستمرار الحياة، وقد يعني أيضاً فيما يعني الخراب والعقاب كما أخبرنا القرآن الكريم عن أقوام خالفت شرائع السماء وناصبت رُسلها العداء واستهزأت بما جاءوا به من وحي فأخذها الطوفان أو اقتلعتها الأعاصير وأغرقها المطر. الأنهمار ونشيج المزاريب وسماع صوت المطر على الأسقُف ونقره على الأسطُح ومراقبة المطر من وراء زجاج النوافذ والاستسلام لزخاته ورائحة التراب بعد المطر الأول، كلها مظاهر حرص الشعر – لا سيما الرومانسي مِنهُ – على استثمارها ورفد القصيدة بها بأعتبارها حتى دون اشتغال وتحوير فيها، صور شعرية قائمة بذاتها وقصائد مكتملة الأركان، وعبارات مثل مطر الحنين ومطر الغياب وباغتني مطر حضورك ومعزوفة المطر  وغيرها مما لا يحضرنا في هذه العُجالة تعابير قادرة على استحضار روح الشعر وملامسة وجدان القارئ والعزف برهافة على أوتار نفسه ونايات روحه، فالمطر متى ما جاء نبّه الذكريات وأيقظ الحنين ومتى ما جاء يجئ في وقته المناسب تماماً، ولطالما تساءلتُ أنا المحب لهُ المتفائل به إذا ما فاجأ الناس في الطرقات والخلاء  لماذا يحتمون منه؟ لماذا يفرون إلى أقرب سقف؟ لماذا يفرون من المطر؟ وهو مطر ما جاء إلا ليغسلهم من أدرانهم إلا ليطهرهم من أحقادهم ويرفع عنهم أضغانهم وينشر رحمته عليهم، والمطر متى ما هطل، هطل الشعر وحضرَ ما كان غائباً، فيا أيُه الشاعر لا تتأخر وخذ خيطاً من المطر وأغزل قصيدتك فللمطر مواقيت والشعر لا ينتظر كثيراً، والكثير من الكُتاب أخبروا عن عاداتهم وطقوسهم في الكتابة على وقع المطر المنهمر في الخارج في الشتاءات الباردة وهم قرب المدفأة أو تحت الأغطية الثقيلة حيث يجد الإلهام طريقهُ إليهم أسرع من الظروف العادية.

وعند الحديث عن المطر لابد أن تتداعى إلى الذهن رائعة بدر شاكر السياب ” أنشودة المطر ” التي احتفت به أيما احتفاء وتناولت تجلياته في قالب شفيف ومُترع بالعذوبة، ذلك أن المطر في أنشودة المطر جاء كإطار لها حين أسبغ عليها من أجواءه وأحاط بتفاصيلها، وبحضوره القوي فيها، فالقصيدة تبتدئ به وتنتهي به وبينهما لا يكف عن الهطول والأنهمار والتساقط، وما تكرار الشاعر للفظة المطر ثلاث مرات بين مقاطع القصيدة إلا تأكيدا على وعيه بما يمكن أن يستثيره المطر من مشاعر وانفعالات في نفس قارئه، وقبل ذلك في نفس الشاعر الذي كأنه في غمرة تأثره أراد أن ينقل ويُصدِر مأ أحس به إل قارئه المجهول لحظة كتابة القصيدة ويجعله يعيش ما عاشه وتلك هي غاية مراد الشعر وأقصى ما يصبو إليه.

وللأحداث التي يؤطرها المطر وقعاً خاصاً في النفس بخلاف الأجواء الأُخرى، ولأختبار بعض الذي مر به السياب عند كتابته لقصيدته أعرفُ صديقا يروق له أن يتلو في خشوع قصيدة أنشودة المطر عند هطول المطر لتنهض ملء جوارحه هو الآخر رعشة الحزن وتأخذه نشوة الحنين وليصل إلى حيثُ لا يصل بغير أبيات هذه القصيدة، يقول السياب بلغة حزينة وبنبرة متأسية وهو يرى ما آل إليه عراقه المتعب والمكدود متحدثا إلى امرأته المفترضة أو بلاده الحزينة متغزلا بها في البدء لاجئاً أبداَ إلى الصورة الشعرية الشفيفة والوصف الدقيق والمناسب للبناء حين يُشبِه عينا معشوقته الداكنتين – ربما – بغابات النخيل ليس في أي وقت بل عند ساعة السحر تحديداً حين يلف السكون الكون وتكون الكائنات غافية،  أو حين يشترط لأزدهار الكروم أن تبتسم حبيبته وتتراقص الأضواء، وهنا يتمسك الشاعر بكاف التشبيه ليكمل حكاية عشقه المموسقة فيشبه عينا حبيبته بما تراءى له من مظاهر الطبيعة الجميلة ثم لينتابه الحنين والشوق  ولتستفيق ملء روحه الهشة رعشة البكاء، البكاء الذي بلا دموع ينهش روحه من الداخل والنحيب العالي دون أن يسمعه القريبين من الشاعر هو البكاء بصمت والنحيب بهدوء:-

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،

أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر.

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

وترقص الأضواء… كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ…

وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء،

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف،

والموت، والميلاد، والظلام، والضياء ؛

فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء

ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء

كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر

كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر…

وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم،

ودغدغت صمت العصافير على الشجر

أنشودةُ المطر…

مطر…

مطر…

مطر…

تثاءب المساء، والغيومُ ما تزالْ

تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ.

كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام:

بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ

فلم يجدها، ثمَّ حين لجّ في السؤال

قالوا له: “بعد غدٍ تعودْ.. “

لا بدَّ أن تعود

وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ

في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ

تسفّ من ترابها وتشرب المطر ؛

كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباك

ويلعن المياه والقَدَر

وينثر الغناء حيث يأفل القمر

. مطرْ.

مطر..

مطر..

وهنا لا يذخر الشاعر وصفاً من أوصافه الجميلة ليخلعها على المطر فالغيوم لا زالت تذرف دموعها الثقال وكأن أقواس السحاب تشرب الغيوم ثم تذوب لتتحول إلى مطر تغرق في شفافيته الأشياء وتذوب في هارمونيته كل اللحون، أتعلمين !! يقول للغائبة الحاضرة التي يبثها أشواقه وأسراره ولواعجه، يقول مُبررا شعوره بالضياع متمثلا حاله عند هطول المطر حين تستفيق ملء روحه رعشة البكاء وينهض فيه  الحنين بكل جبروته وتنهشه أنياب الوِحدة ويتعتعهُ الحزن، حين لا حضن يحتويه ولا ذراعين تضمانه بقوة إلى صدر يكن لهُ المحبة الخالصة، وهنا المزاريب تنشج لنشيجه وتبكي لبكائه وتتعاطف معه في محنته – لما لا والمطر يشبه الدم المراق يشبه الجياع يشبه الحب والأطفال والموتى بحسب تعبير الشاعر نفسه:-

أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر؟

وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع؟

بلا انتهاء – كالدَّم المراق، كالجياع،

كالحبّ، كالأطفال، كالموتى – هو المطر !

ومقلتاك بي تطيفان مع المطر

وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ

سواحلَ العراق بالنجوم والمحار،

كأنها تهمّ بالشروق

فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ.

أَصيح بالخليج: “يا خليجْ

يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!”

فيرجعُ الصّدى

كأنّه النشيجْ:

“يا خليج

يا واهب المحار والردى..”

أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السّهول والجبالْ،

حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ

لم تترك الرياح من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ.

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع،

عواصف الخليج، والرعود، منشدين:

“مطر…

مطر…

مطر…

وفي العراق جوعْ

وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشّوان والحجر

رحىً تدور في الحقول… حولها بشرْ

مطر…

مطر…

مطر…

وكم ذرفنا ليلة الرحيل، من دموعْ

ثم اعتللنا – خوف أن نلامَ – بالمطر…

مطر…

مطر…

ومنذ أنْ كنَّا صغاراً، كانت السماء

تغيمُ في الشتاء

ويهطل المطر،

وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ

ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ.

مطر…

مطر…

مطر…

في كل قطرة من المطر

حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ.

وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة

وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد

أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة!

مطر…

مطر…

مطر…

سيُعشبُ العراق بالمطر… “

أصيح بالخليج: ” يا خليج..

يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!”

فيرجع الصدى

كأنَّه النشيج:

“يا خليج

يا واهب المحار والردى.”

وينثر الخليج من هِباته الكثارْ،

على الرمال،: رغوه الأُجاجَ، والمحار

وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق

من المهاجرين ظلّ يشرب الردى

من لجَّة الخليج والقرار،

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ

من زهرة يرويُها الفرات بالنَّدى.

وأسمع الصدى

يرنّ في الخليج

“مطر..

مطر..

مطر..

في كلّ قطرة من المطرْ

حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ.

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد

أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة.”

ويهطل المطرْ..

كل هذا والحبيبة تنصت لشكوى حبيبها صامتة بينما عيناها تغرورقان بالدموع لحاله وحال العراق الذي يرثيه الشاعر في قصيدته حاشدا كل قواه الشعرية لتوصيف محنته ورسم مأساته المتفاقمة ففي العراق جوع وموت.

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
من زهرة يرويها الفرات بالندى.

غير أن القصيدة التي بدأت بالشكوى والأنين ورسم المعاناة بكل أبعادها الإنسانية وتشريح مكابدة الفقراء والمحرومين، تعود لتنتهي بالأمل وتتنبأ بالمستقبل الأفضل للمحرومين من العيش الكريم ومع نهايتها يتواصل هطول المطر ليدثرها بعطائه اللامحدود ويلونها بالنماء ومعه تحتدم المشاعر وتضطرم القلوب وتشتعل بالأمل لأنها محكومة به، فمادام ثمة مطر فذلك يعني أنهُ ثمة أمل ذلك لأنهما قرينان لا يفترقان حيثما وجِد الأول وُجِد الآخر.

وها هو ذا الشاعر العراقي – ويبدو أن للشعر العراقي قديمه وحديثه قصة طويلة مع الحزن ومع الشجن – ها هو عبد الوهاب البياتي يختصر حكاية الغربة والمنافي ويختزل الدفء والطمأنينة في امرأة يلتقيها تحت عمود النور فوق جسر واترلو بلندن تحت المطر، يختصر قصة الضياع التي نوه إليها السياب قبل ذلك، قصة التشتت متى ما اقتلع المرء من أرضه ومن وطنه من جذوره وأُلقيَ بهِ في مدارات التيه والأغتراب، ها هو الشاعر في خضم غربته ويأسه يلتقي امرأة ” امرأة الصدفة ” فيتخذ منها وطناً وسكنا للحظات ويستمد منها معنىً لحياته المسفوحة وعمره المنتهك  لبرهة ،هو الذي حكمَ عليه القدر بالعيش غريباً مرتين حتى عن نفسه كونهُ مغترباً في المكان وكونهُ شاعراً لديه إحساس مُضاعف بمحنته وغربته ها هو ذا يجد بعض العزاء  – أو هكذا خُيل إليه  وهيأَ لهُ الحلم واليأس – في امرأة غريبة مثلهُ تماماً والغريب للغريب قريب وحبيب كما يُقال، ولربما ما رآه لم يكن امرأة من لحم ودم بل طيف مر أمامه للحظات كانت كفيلة بجعله يخرج عن أطواره ويكتب هذه القصيدة، قصيدة  “حب تحت المطر “، التي يقول في مفتتحها:-

“واترلو” كان البدء، وكل جسور العالم كانت تمتد لواترلو، لترى مُغتَربين التقيا تحت عمود النور، ابتسما، وقفا وأشارا لوميض البرق وقصف السُحب الرعدية. عادا ينتظران، ابتسما، قالت عيناها: “من أنت؟” أجاب: “أنا! لا أدري” وبكى، اقتربت منه، وضعت يدها في يده، سارا تحت المطر المتساقط، حتى الفجر، وكانت كالطفل تغني، تقفز من فوق البرك المائية، تعدو هاربة وتعود، شوارع لندن كانت تتنهد في عمق والفجر على الأرصفة المبتلة في عينيها، يتخفى في أوراق الأشجار. أجاب: “أنا لا أدري” وبكى. قالت: “سأراك غداً”، عانقها، قبّل عينيها تحت المطر المتساقط. كانت كجليد الليل تذوب حناناً تحت القبلات .

وحتى وإن جاءَ رسم الكلمات على غير عادة كتابة القصائد أو قصيدة النثر وصٌفَ في أسطُر كما لو أنهُ نثر   إلا أن هذا الكلام كان شعراً خالصاً بامتياز.

وللشاعر التونسي محمد الجزيري قول بليغ في المطر، فهو الذي يقول ذات تجلي  ربما تسببت في حضوره غيمة عابرة أفرغت ما في جوفها حيثما كان الشاعر يقيم أو يتمشى وكأن المطر فاجأهُ بزيارته اللا متوقعة وحضوره المباغت:-

مطرً إذن !!
فلأستحمّ بهِ وأكتب
ثمةّ امرأة تُبارك رقصتي في صحن منزلها
وتنزع من حبال غسيلها أشلاء صيف
سأموت حتماً ذات صيف
لَكِن عليّ الآن أن أنسى الحريق
وأن أعبّ الغيث كالمزراب
أبتلّي تماما يا ثيابي
لا عليك ولا عليّ
فثمة امرأة تبارك رقصتي في صحن منزلها.

ولعل الشاعر طاب لهُ الرقص تحت المطر غافلاً عن كل المحاذير كأن تبتل ملابسه كأن يصاب بنزلة برد كأن يُقال عنهُ مجنون، وأراد فقط ألا يُفوت فرصة الرقص تحت المطر خاصة وأنهُ ثمة امرأة تبارك في ذات الوقت رقصته الوحيدة بجسده الوحيد تحت المطر.

ولعل في قول الشاعر الليبي محمد الصغير انزياح عن توصيف المطر في الشعر فالمطر الذي عرفناه كظاهرة طبيعية محايدة أو مأمورة من خالقها، نراه هنا مؤنسنا وذو إرادة يمتلك حق الهطول والانحباس حق الإغاثة والإعراض عمّن يستدعيه بدعواته ممن لا يستحقون زيارته، فها هو يُقلب احتمالاته ثم يقرر الا يهطل على من لا يستحقونه .

والمطر يُقلِب احتمالاته.
تحت سماء البلاد المنهكة
أُخوة يقتتلون
ومُدُناً تُهجّر
عوائلَ تنزح
وظُلماً لا يستثني أحداً
صِراع على ما هو زائل
واستثمار في اللا شيء
مطرٌ يُقلب احتمالاته
ثُمَ لا يهطل.

أو يقول الشاعر في ومضة خاطفة  كما لو أنهُ لا ينتظر الشِتاء إلا لأمرٍ في نفسه:-

محفوفاً بالماء
يحدثُ أن..
أقتنص ربيعين
بغيمة واحِدة.
أو يتمادى في تأثره بالمطر فيخترع حكاية صغيرة ليقولها شعراً.
البارِحة.. البارِحة
في التاسِعة من غيابكِ
فاجأني المطر
وأنا في طريقي إلى هذه القصيدة
فتذكرتُكِ بغزارة
وتحت ضوء عمود الإنارة الوحيد
وعلى مرأى من الأسفلت اللامع
والماء المندفع من المزاريب
والأشجار المنتشية بالبلل
خلعتُ ما تبقى من وقار
ورقصتُ حافيا تحت المطر.

ولنا في قصائد الشاعر نصر الدين القاضي أُسوةٌ حسنة إذا ما قررنا الأستدلال بالمطر في الشعر الليبي أيضاً فهو الذي يُنشئ قائلا ً ذات بوح شاهق في قصيدة قصيرة وردت بديوانه “من سيرة الصباح والمساء”:-

وأشهدُ
أني لممتلئ بكِ
مطراً يتشكل
في بيادر الجسد
أنهار عشق، شعر
وشهواتٍ عفية
وها أني أحملكِ
على شِغاف القلب
وهذي نداءاتك
تتساقط عسلاً.

ويحضر المطر بأشكال وصور شعرية متعددة في قصائد الشاعر المذكور كونه مفتوناً بِهِ متورِطاً في عشقه حتى آخر حدود العشق ويبدو أن قصة حب سرية اكتملت فصولها ما بين الشاعر والمطر، والشاعر في ديوانه المُشار إليهِ سابقاً وفي قصائده اللاحقة المنشورة بصفحته على الفيس بوك لم يُحيط إلا ببعض تفاصيلها إذ هذا ما تخبرنا به القصائد الزاخرة بالمطر المبللة برذاذه.

______________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 58 (كِرْناف)

عبدالرحمن جماعة

شعراء السبعينات

المشرف العام

اتجاهات في الأدب الليبي الحديث

المشرف العام

اترك تعليق