رواية شارع السردين المعلب
النقد

شارع السردين المعلب


الحديث عن رواية شارع السردين المعلب للكاتب اﻷمريكي جون شتاينبك حديث ذو اتجاهات عديدة ومتشابكة.. هذه الرواية المركبة، التي تحتوي على بناء مختلف لا يحتوي على حبكة بالمعنى المألوف، حيث تجد نفسك مشتتا في بعض الفصول التي تشك انه لا يوجد رابط بينها وبين سابقاتها…

ولكن -بمهارة- ينتشلك الكاتب ليعود بك إلى مجريات الأحداث، في هذا الشارع العجيب المحيط باﻷكواخ، البراميل الصدئة، المطاعم، بيوت البغاء، المختبرات والحانات الرخيصة…
يتجول معك الكاتب ليقول لك أن “الكلمة رمز وبهجة.. إنها تمتص الناس والمشاهد”، وكما أنه يؤكد في سياق حديثه أن الكلمة امتصت شارع السردين المعلب وتمثلته ثم قاءته.. والفعل “قاء” يعني أخرج من فمه ما فيه، أي أنه يؤكد على هذه الكلمة التي هي (رمز) وهي أيضا من القاع، راصدا حياة المهمشين لكنه جامعا وصفها بـ (رمز مع بهجة).. وكأنه يقول أن السعادة ليست حكرا على أحد وأن في هذا الشارع الموسوم بالبؤس يمكننا أن نخلق البهجة.

الفصول متداخلة ومربكة وكأن الكاتب يكتب بعشوائية رمزية ليصف لنا طبيعة انفعالاتنا وتشابك علاقاتنا.. إنه يصف الحياة وكأنه يقول إنها تشابك، فنحن من نصنع الحلم ولكننا حينها لن نستطيع أن نعيش بدونه.. فالرسام هنري الذي كلما يصل إلى مرحلة بناء القارب الذي يحلم به يفككه، وهنا أتذكر نص للشاعر سالم العوكلي يقول فيه: ”ثمة موت يكمن في الوصول، الحياة هي أن نظل على قيد الإنجاز“، وكأن الرسام يخاف دوما من الوصول إلى النهاية ولكن ليس الجميع قادرون على الحلم فحبيباته يتركنه واحدة تلو اﻷخرى بسبب سوء المعيشة.

في هذا الشارع يجتمع (ماك) وأصدقائه الغلمان ويقررون رغم الضنك أن يحتفوا بـ (دوك).. هذا الرجل المعطاء.. ليرسم لنا شتاينبك صورة أخرى عن السعادة. في حياة كلها تربص.. حيث نلمح ذلك في قوله “ثم إن الفاتك الزاحف -اﻷخطبوط- يقبل في تؤدة واحتراس متحركا مثل غنام رمادية.. متظاهرا حينا بأنه عشب، وحينا بأنه صخر، وحينا بأنه لحم عفن، فيما تراقب عيناه الشريرتان الشبيهتان بأعين المعزى كل شيء مراقبة باردة، وما هي إلا لحظة حتى ينسل نحو سرطان شغله الطعام.

مقالات ذات علاقة

جماليات السرد في القصة القصيرة.. قصة الذاكرة لإسماعيل القائدي أنموذجا

عبدالحكيم المالكي

من ذاكرة الذات إلى ذاكرة الكتابة

المشرف العام

شعرية الوعي وتفاعل الهويات الثقافية

المشرف العام

اترك تعليق