القاص أحمد يوسف عقيلة.
النقد

سِفرُ العَلَم لأحمد يوسف عقيلة

1- ابق حيث الغناء، فالأشرار لا يغنون!
مثل غجري

قصيدة البيت الواحد “غناوة العلم” لم تنل ما تستحق من اهتمام بالجمع والبحث والدرس كما في سفر أحمد يوسف عقيلة، ما يعد كما موسوعة لهذه القصيدة في أجزاء أربعة، طبع جزؤها الأول في طبعة أولى عام 2008م ونشر دار الإبل للنشر والتوزيع ببنغازي.

وقد كتب الصادق النيهوم مرة أن حلمه أن يجوب الواحات والقرى والنجوع على بغل مسجلا ما يسمع من عجائزها، وقد حقق هذا الحلم القاص والباحث أحمد يوسف عقيلة، وقبله قام الشاعر الغنائي والباحث الأنثروبولوجي عبد السلام قادربوه بدراسة في “غناوة العلم” التي قام بجمعها وتدوينها في كتاب صدر مطلع سبعينيات القرن الماضي.

توطئة السفر أشارت لإشارة لامحة لـ “غناوة العلم” كتبها الناقد المبرز خليفة التليسي في مختاراته “من روائع الشعر العربي”: (في أدبنا الشعبي مثال هامَ ورائع على قصيدة البيت الواحد… هو أغنية العلم التي تعتمد على بيت واحد يعبر عن اللحظة الشعرية بكل أبعادها، وهو قصيدة الشاعر ومقصده دون زيادة أو نقصان، وهو يقدم بهذا التكثيف والتركيز دليلا على تحكم هذا المفهوم الفطري للشعر الذي لم يفسده التكلف والتصنع، وإنما يجري سمحا هينا لينا موافقا لطبع الشاعر ولحظته النفسية).

بذا يبان أن الشعر بيت مفرد لا جمع له لأنه كل زيادة خروج عن الشعر، ولذا فإن “غناوة العلم” هي الشعر والشعر هو “غناوة العلم”، ما تكتب بالعربية في لهجتها السارية في جغرافيا ليبيا بشرقها ثم وسطها أي في قلب البلاد، لكن هذه القصيدة تسافر تلهج بها النفوس في كل ربوع ليبيا فتكون كما أيقونة الشعرية الليبية.

القاص أحمد يوسف عقيلة.
القاص أحمد يوسف عقيلة.

2- وإذا كان الشعر الياباني قد تميز بقصيدة الهايكو فإن الشعر الليبي قد تميز بقصيدة العلم.
وإذا كان الشعر العربي ديوان العرب فإن العلم ديوان الليبيين.
أحمد يوسف عقيلة، لم يقم بالبحث بالجمع والتدوين والدراسة فحسب فقد أضاف جهدا في تنسيب القصيدة لقائلها، كما استخلص نظرة في الدلالة الشعرية لقصيدة “غناوة العلم” ملمحا لوشائج بينها وبين قصيدة النثر، وانشغل في ذلك بتحليل القصيدة البيت الواحد بعد أن حاول استبيان الغرض الشعري كما جاء في النقد الشعري العربي الكلاسيكي.

ولم يقل أحمد يوسف عقيلة أنه يبحث في الهوية الشعرية الليبية، لكنه فعل ذلك ليس حين يتطرق إلى جماليات الدلالة وحسب بل وهو يمس برقة الناقد الشغوف دلالة جماليات “غناوة العلم”، ما لاحظ أنها دون الشعرية العامية الليبية قد تطورت، وحظيت بالانتشار وباتت هي القصيدة الليبية متجاوزة الزمان وساكنة المكان، كما تعويذة شعرية تنسج وتحفظ وتتداول بين الليبيين في كل الأعمار وبين الجنسين، مرسلة كما جملة شعرية نثرية تحوي ما لا يحتوي وتحيط بما في المكنون.
لم يوكد موكدا حين جعل نهجه النقدي الشعري النظرة الثاقبة لمفهوم قصيدة البيت الواحد ما جاء به خليفة التليسي وانتحله المنتحل أدونيس، بل أنه ذهب بعيدا بهذه النظرية الشعرية حين طبقها وجاس بها في مكمنها “غناوة العلم” متجاوزا مسألة ليست بذات أهمية ما هي اللغة التي لبست لبوسها “غناوة العلم” لهجة من لهجات العربية، وبذا أمسك بلب الألباب: حين النظر في الشعرية المبحث في الشعرية وبهذا أغنى مسألة اللغة دون الطرق عليها مباشرة، بطريقته هذه كشف عن غنى الشعرية العربية وخصوبتها في طرائقها ولهاجاتها المتعددة.

3-غناوة العلم أكثر الفنون ذاتية وفردية، هذا الفن الذي يعده أحمد يوسف عقيلة شعرا، وأوافقه الرأي تماما، غناوة العلم نتاج مخيلة جماعية ساهمت في إنتاج شعر فريد، صياغة شعرية مختزلة إلى أبعد حد مختلفة.
الشاعر سالم العوكلي/ من مقدمة السفر

غناوة العلم تنسج وتحوك الشاعر سالم العوكلي والقاص أحمد يوسف عقيلة فهي مشكاة نفسيهما، حيث أنها شكلت وجدانهما منذ النشأة فكانت البئر الأولى، ومنه أن مقدمة السفر التي كتبها الشاعر سالم العوكلي تلهج بشعرية قصيدة البيت الواحد فالمقدمة ما قل ودل في هذه الشعرية، وندر أن تكون مقدمة قطر الندي لكتاب وجغرافيا وتضاريس روح “غناوة العلم”:

4- مساحة الشجن اليومي التي ترنو إليها حياة الكفاف القاسية في مكان كل ما فيه يدور، فراشة الضوء المثابرة تدور، قرص الرحى الحجري يدور موحيا بقسوة الزمن الذي عليك أن تسابقه كي لا تجوع، الخيول فوق جرن السنابل، المغزل في يد المرأة، والمبرم على ساقها ليتحول الصوف إلى خيوط لا تنفك تدور لتنسج البيت والفرش والأغطية، الأرغفة مدورة تدور داخل التنور، النساء يدرن حول البيت لشد الحبال أو إرخائها نزولا عند شهوة الطقس، الأب يدور بقطيعه، النجع يدور في المكان بحثا عن الماء والكلأ، وكانت الغناوة تعكس كل هذا الدوران الذي ينبني عليه قانون الحياة …

الشاعر سالم العوكلي/ من مقدمة السفر

كأن غناوة العلم تغريده كتبها ليبيون على الهواء الطلق قبل أن تكتب تغريدات تويتر:
– تباوعتها ريبت، العقل فيه رفة امظلمة
– عطينا أصحاب القدر أقدارهم، نريدو قدرنا
– خايف عقاب العمر، نقضيه في أوهامه وما يجي
– لا عزيز لا طاريه، معاي يا جضر خوذ غايتك
– يا ليل تفتش في الخاطر، تفتيشة سراق وشاطر
– عليك ما خذيت شهود، نحسابك يا عزيز بكلمتك
– لمن في العرب يا ياس، خاويتني ونا ما نعرفك
– تتعب وانت غير اتحاحي، واعر يا البعيد اطياحي.

______________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

الهيبي‭ ‬والعقيد

أحمد الفيتوري

تبقى الحياة والمعرفة

عمر الككلي

قصائد حواء القمودي تحملنا للأعلى!

المشرف العام

اترك تعليق