من أعمال الفنان التشكيلي علي الزويك
طيوب البراح

سيلفاتيكو

 مروة الأوجلي

أصحو على صوتْ سياراتْ الشرطة من جديد وهي تطوقُ منزل صديقي عمادْ حيثُ كُنت أختبئ , أطالع السقف لعدة دقائق قبلَ أن أطلق زفيراً قوياً أستعدُ بعده لبِدء رحلة الهروب المعتادة , لا زال رجال الشرطة يُلاحقونني منذ ست سنوات , ولا زلتُ أجيد الهرب منهم في كُل مرة حتى أصبح اسم – سيلفاتيكو – على كُل لسانْ , يشغُل معظم البرامج المرئية والمسموعة في البلدة , أجمع أوراقي في الحقيبة هاماً بالخروج فيستوقفني وجود فتاة تشاركني مضجعي , ” تباً ! ما الذي تفعله هذه هنا بحق الجحيمْ ! ” . كانت إحدى فتيات الليل اللواتي عرّفني عليهن عمادْ حين خرجنا للسهر في ” الكازينو ” الذي يملكه , لا أذكر حتى اسمها ! , كُنت ثملاً للغاية الليلة الماضية , لا أعرف لما خالجني شعور بالشفقة عليها وهي ترجوني بأن لا أرحل وأتركها , وهي تُخبرني بـأن ملف الآداب خاصتها لا يزال شاغراً ولا تُريد أن تسجن بتهمة الدعارة ثانية , كنت أحاول تجاهل ذلك الشعور والهرب بسرعة , لكن نظرة ما ألقت بها إليّ ذكّرتني بأمي – رحمها الله – نفس النظرة التي كانت ترمق بها أبي حينَ كان يهددها بالرحيل , فجأة أتذكر عمادْ ! , أتحرك كالمجنون باحثاً عن الهاتف المحمول وآمراً تلك الفتاة بأن تساعدني في البحث عنه بينما يعلو صوت رجال الشرطة عبر المكبر يأمرني بالاستسلام وتسليم نفسي قبل أن يضطروا إلى اقتحام المنزل , أخيرا أجد الهاتف , أحاول الاتصال بعماد لكنه لا يجيبْ , مرة بعد مرة حتى أجاب أخيراً !

– عماد يا رجلْ ! الشرطة تطوّق المكانَ وأنا لست وحدي ولا ويوجدْ و متى خرجت ؟ وأين و .. !

كنت في أشد حالات الهستيريا والهلع ! , وأنا أحاول معرفة مكانه آملاً بأن لا يكونَ في الجهة الأخرى من المنزل فيُمسكوا به ويُفضح أمره وتتم مصادرة كُل أسهمه وشركاته ! , وبين كُل تلك التساؤلات شعرتُ بشيء غريب في رده .

– سيلفاتيكو أنا بخيرْ ! أقصد أنا .. !

– عمادْ بالله عليك ! ألم تخبرني بأنه ما من أحد على علمٍ بهذا المكان ! أم أن أحد الخدم قد وشى بنا ! لا يعلم عن وجود هذا البيت سوانا !

– إهدأ سيلفاتيكو , كان على هذا الأمر أن ينتهي ! و ..

كان على هذا الأمر أن ينتهي ! كان على هذا الأمر أن ينتهي … أخذت هذه الجملة تعلو تدريجياً بداخلي طاغية على صوت المكبرات , أخذت تعبر بي نحو حالة من الغيابْ المخيفْ , نحو دوامة من الحزنْ تنتهي عندها سكاكين تطعن فيّ , يالا القدرْ ! , يُبرع في إذلالي بمنتهى المهارة , ويالا قسوة هذه الحياة التي نتوسل إليها لتحمينا فترمي بنا نحو الموت دون شفقة , يالا قذارة الحرية حينَ نناجيها لتشفع لنا فتركلنا نحو السجون غير آبهة بنجوانا ! , عمادْ لم يكن مجرد صديق , كان أخاً روحياً أهرع إليه كلما واجهتني مشكلة , وأستلف منه نقوداً كلما ضاق حال أسرتي , لم أشعر معه باختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها كُل منا , فقدْ كان فاحش الثراء وكنتُ لا أجد وعائلتي ما نأكل أحياناّ ! , نفس الشخص الذي كان هالة تكهرب كل من يقترب مني يُصبح اليوم هالة تطوقني وتخنقني فتقتل روحي لا تقتُل جسدي , وحدها تلك الدمعة اليتيمة التي انسابت من عيني أعادتني إلى الواقع , وحطّت بنظري فوق عيني تلك الفتاة الباكية , أبتسم من زاوية فمي سائلاً إياها بسذاجة ” أتحبينَ الحياة ؟! ” , تحملق بي طويلاً ثم تنهار باكية , أشعر برغبة في مشاركتها البكاء , في الارتماء في حضنها ظناً مني بأن أحضان الإناثْ متشابه , فأحظى بحضن يشبه حضن أمي , إلا أنّي ومن هول ما تعرضت له لم يكن بمقدوري سوى أن أقذف دمعة يتيمة ترطب ذلك الخدّ الذي خاطت محيطه الندوب , أمسك يد الفتاة , أقودها نحو قبو المنزل و أهمس لها في برودْ ” إبقي هنا ريثما أسلمهم نفسي, ما من داعٍ للهروب بعد اليوم فالموت أنسب لي , والسجن أنسب للرجال ! إبقي هنا ولا تخرجي حتى يخلى المكان تماماً من الشرطة ” .

لا أعلم لما تمنيت لحظتها أن تمسك يدي فألمح الخوف عليّ في عينيها , أن ألمح نظرات إهتمام من إحداهن , أن ألمح نظرات حسناء , الفتاة الوحيدة التي أحببتها فأتقنت تعذيبي وحطمت قلبي وتخلتْ عنّي بحجة أنني مطلوب من قبل رجال الأمن و أنها لن تحتمل العيش مع مجرم ! , حطّمتني تماماً كما فعلت الحياة وفعلت الحُرية حين ألقيت بنفسي أليها متوسلاً طالباُ أن تساعدني في التغيير من نفسي فقالت بأنها لا تساعد الفاشلين , آآه ما حاجتني لتذكرها الآن , وأي غباء ذلك الذي يدفعني للولوج في قصة حب عابرة على أبواب قبو مشبع برائحة الموت والوحدة والظلمة ! .

أكثر من خمسين سيارة كانت تطوق المنزلْ , وأكثر من سبعين رجلاً كان واقفاً بمحاذاة الباب مُشرعاً السلاح في وجهي , لا أسمع شيئاً , أرى فقط شفاهاً يُمزقها الصراخ , ووجوها يعكرها الغضب و عيونا مشبعة بالانتقام , أشعر بثقل كبير في حركتي , وبرغبة في مناجاة الموتُ والتغزل به , في اللحاق بطيف أمي وأخي , غدت لي الدنيا لحظتها أشبه بكوب عصير ! هه ! نعم كوب عصير تحركنا بداخله ملعقة القدرْ فتنثر بعضناً خارج الكأس وتُغرق بعضنا الآخر داخله مستمتعة بتمزيق أرواحنا وبلفظ آخر أنفاسنا , إنه ذاتُ القدر الذي يسوقني الآن نحو سيارة الشرطة مسْلوب الروح والثقة .

رائحة الرطوبة تملأ هذا المكانْ الذي صحوت لأجدني فيه , والنور المنبعث من الإضاءة التي تعلو رأسي تجعل وجهي يغلي من شدّة الحر, أرفع رأسي لأرى شخصاً طويلاً أسمر البشرة أمامي , آآه إنه المحقق فوزي ! , ها أنا ذا وبعد مضي ست سنواتٍ أجثو أمامه متعباً بعد أن ملّ من ملاحقتي ! , ينظر اليّ وبكلِ وحشية يسحبني من شعري و يأمرني بالاعتدال في الجلوسْ والنظر إليه .

– هه ! كنت أعلم بأنك ستكون أمامي كالقط الجائع يوماً ما ! سيلفاتيكو سيلفاتيكو ! إنها نهايتك ! .

أحملق فيه لعدة دقائق , لا نية لي في الحديث , فقد نكستُ أعلام المقاومة والهرب وأشرعت أعلامي البيضاء معلناً مطلق استسلامي !

– “وسيم عبد الهادي أحمد ! هذا هو اسمك الحقيقي إذاً ” , وهو يقلب بعض الاوراقْ أمامه , ” ! هه ! هل ستبدأ في الاعتراف أم أضطرك لذلك ! “

حملقت فيه لعدة دقائق إضافية وقلتْ ” بما سأعترفْ ؟ ” ولم أرى غير شبح يده وهي تصفعني بقوة موقعة بي على الأرض , فيسحبني من شعري مرة أخرى ويعيدُ سؤاله ! ” أتعترف أم أجبرك على الاعتراف بجرائمْ القتلْ والتزويرْ والدعارة و السرقة و .. ! ما شاء الله ملفك حافلٌ بالجرائمْ ! ” .

– هل .. هل لي بسيجارة ! سيجارة واحدة فقط وبعدها سأعترف !

نظر إلي المحقق فوزي بغضب شديد وأمر بأن يجلبوا لي علبة سجائر , رحت أدخن بشراهة ومع كل شكلٍ يصنعه الدخان أعود بذاكرتي الي الماضي , إلى ستِ سنينَ مضت دونَ أنْ أشعرْ , حلمتُ فيها كُل يومٍ بأمي وهي تُنادينا لنجتمعَ حول قصعة الغذاءْ , أتذكرُ فيها كيفّ كانَ أخي الصغيرُ فراسْ يتذمرْ من رداءة الطعامْ , وكيفَ كانَ يلتهم اللحمة الوحيدة التي تطبخها أمي كل يومِ جُمعة , ثم ينظر إليّ مبتسماً لانتصاره عليّ , وكيفَ أنّي أكتفي بشرب كأسٍ من العصيرْ قبل أن يُشبعني أبي بشتى ألفاظ الإهانة ونظراتْ الازدراء , لا يمرٌ يومٌ إلا وقدْ ردد على سمعي بأنني إنسان فاشلْ و وأنّي طفل شوارع لا أصلحُ لشيءْ , ثم ننهي اليومَ بالصراخْ وأخرج من المنزل لعدة أيامْ قبل أن تزورني أمي في بيتِ عماد تتوسلُ لي كي اعودْ . أبي كانَ شخْصاً سيئاً للغاية , طويل القمة وقاسي الملامح , متجهمٌ طوال الوقتْ , كان يقضي معظم نهاره أمام التلفاز بينما كانتْ أمي تعمل كخادمة في أحد البيوتْ لتوفر لنا نقوداً للطعام والدراسة , ثم تعودُ في وقتٍ متأخر من الليلْ لتنزع عنها روحها وتعمل كبهيمة تُقدم له حقوقه الزوجية شاءت أم أبت , أذكر أنها كانت تبكي طوال الليل متأثرة بالحروقْ التي يصنعها بجسدها مستخدماً لهيب السجائر كلما رفضت مضاجعته , حالنا ذاك جعلني أفكر اكثر من مرة في الانتحار حتى انيّ طلبتُ مُسدساً من عماد بحجة أننا قد نتعرض للخطر يوما فأحمي به عائلتي , إلا أن خوفي على أمي وفراسْ كان يدفعني لتأجيل الفكرة مرة تلو الأخرى .

كان أبي ناقماً علينا وبشدة , معتبراً أننا السبب في فشله المهني , فقد كان بصدد الفوز بصفقة مربحة وضع فيها كل أمواله إلا أنه وقع على إحدى الأوراق والتي بمقتضاها يكون قد تخلى عن كافة أمواله للطرف الآخر , كان قدْ وقعها وهو بصحبة فتاة أخرى لجأ إليها بعد أن نشب عراك حاد بينه وبين أمي اضطره إلى مغادرة المنزل , ومن يومها وهو يصب جام غضبه عليّ وعلى أمي وأخي فراسْ , أذكر أنه في يوم من الأيام وبينما كان فراس يلعب بالكرة , حطم زجاجة الشمبانيا الخاصة بأبي , والتي صرف كُل النقود التي جمعتها أمي لمصاريف المدرسة علىها , يومها تعرض أخي فراس للضرب المبرح فكُسر أحد أضلعه ويده اليمنى , وبينما كُنت أهرع إلى فراس محاولاً إنقاذه من ذلك الوحش البشعْ وإذا بثلاث طلقات تعبر صدر أبي .. واحدة .. إثنتان .. ثلاث ! .. ثلاث طلقات أوقعت به جثة هامدة ! , والقاتلْ أمي ! , ظللنا لأكثر من ساعة غير واعيين بالموقفْ , فراس فاقد الوعي هناكْ , أمي منهارة تبكي ممسكة بالسلاح الذي إستعرته من عماد في يدها , أبي ! مقتول وغارق في دمه ! .. الشرطة تُشرف على الوصول بعد أن بلّغ الجيران عن الحادثة ! .. دون تفكير أخذت السلاح من يدي أمي محاولاً إزالة بصماتها من فوقه وممسكاّ إياه لتعلوه بصماتي و أٌسجن في حالة أمسكوا بي عوضاً عنها , ركضت سريعاً خارج المنزل وهاتفت عمادْ طالباً منه أن يعتني بأمي وأخي مدة غيابي ! الإ انهما كانا قد فارقا الحياة بوصول عمادْ , فراس متأثرا بالكسور والنزيفْ , وأمي بسكتة دماغية ! ..

ضربة المحقق فوزي للطاولة بقوة مسببة في تناثر الغبار حولي أعادتني للزمنْ الحاضر.. بالكاد أستطيع تمييزه وبصري مشوه بالدموع !.. إبتسم قائلاً .. ” انا المذنب ! أرجوك إعدمني ” !

مقالات ذات علاقة

أعـدنـي

المشرف العام

السجناء الليبيين

المشرف العام

آلام أجا وسلمى

المشرف العام

اترك تعليق