من أعمال الفنان التشكيلي عادل جربوع
سيرة

سيرة نفيسة

تشغلني فأبحثُ عنها، لكنها تنشغلُ عني إذ تنسج يومها مُفردة وهي سيدة نفسها، عمتي نفيسة الزروق التي قاربت عقدها التاسع، تبدأُ رحلتها اليومية بمشوارها من بيتها بحي التركيات، الى واحة براك القديمة تسترجعُ ألفة وحميمية علاقتها بأطلال المكان وما تبقى من معمار لأزقة وبيوت تقليدية بنيت بالطين وجذوع النخيل، بيتها ببن سريوة المجاور لزنقة بو خوخة.. وجنت خويدم.. هناك حيث الغابة وما يعمرها من نخلات، وجداول لخضار زرعتها منذ سنوات وتمنحها ثمارها: طماطم، وقرع، ولوبيا، وفلفل، وخيار…، أما زريبة شياهها فقد منحتها بعد أن باعت آخر خرافها فلا طاقة لها لرعيها وملاحقتها بعد أن تخلى راعيها المُؤجر عن خدمتها.. بعد النفط تعالى عن مهنته وصار مسجلا بوظيفة لا يذهب إليها بمرتب حكومي مضمون!!

عند عين براك تجيء بعض صويحباتها اللاتي يصغرنها بعقد أو عقدين من الزمن غزالة، وحليمة كحماني، ومدينة حسن، يجلسن بمحاذاة العين يغسلن ثيابهن، ويغذين شياههن، عندها تتداعى ذاكرتهن بسيرة المكان بما حواه أحداثا وشخوصا، وغالبا ما يختلفن حول تعين حادثة تلح عمتي على وثوقها منها زمانا ومكانا، وقد تغادرهن مُنفعلة حين يشتد السجال بينهن وتتعالى أصواتهن بأغلظ الأيمان في مواجهتها فتتمشى مُلتقطة لحبات التمر اليابس (النفيض) المُتساقط أرضاً، تملئهُ وسط ردائها وتعاود لهن من جديد وتضعه حذو ما أعددن من مكونات الفطور: براد الشاي الأخضر، وكسرات من خبز التنور الأسمر، وما قطفن من خضار، ويأخذهن الحديث والانشغال بما حولهن، ذات مرة كنت رفقتهن ولم أنبس بأية كلمة فأمامي فرجة مدهشة: واحة غناء وصباياها الحسان!، في ذات المكان قصة فتيات خرجن لجمع تمارهن فتقدم تجاهن عسكري فرنسي بملابس مدنية متحرشا وقاصدا الإساءة لهن، فما كان من عمتي الا أن رفعت منجلها في وجهه وقاربت ان تصيبه لولا هروبه مٌسرعا نافذا بجلده وقد تحمست مرافقاتها للثأر منه مسرعات خلفه الى أن غاب عن ناظرهن، اليوم في جلستهن الصباحية يفاخرن بها، أنفوسه الفارسة هكذا ينادينها، فترفع عمتي صوتها بدعواتها لماضي الله لا تعيده ولا ترده، وتحثهن على الانتباه الى (الضحوية) شمس الظهيرة وقبل أن تشتد حرارتها، لينظفن المكان لموعد الغد، ويجهزن لأوبتهن الى براك المدينة.

عمتي تعرج في يومها أيضا على بعض أقاربها، ورفيقات سنها: حوا سعد، وغزالة عاشور، ومهاره، تسأل عن أحوالهن الصحية، وقد تُشاركهن وجبة الغذاء، وحكايا القيلولة، فكثيرا ما تحضر صبايا العائلة وبنات الجيران شغوفات بما تؤملهن به وهي الراعية لمشاريع خطوبة وزواج تتوسط بين العائلات وتعرض على نسائهن الأمهات ما قد تراه مناسبا لتأسيس عائلة، أولم شمل متفارقين، فيسترشدن برأيها، ويطلبن عونها لتستطلع حظهن، ونصيبهن في مقبل الأيام، فتمد عمتي ذراعها وتقيسها أشبارا بيدها مُرددة: يا تاقزة النبي اصدقي وما تكذبي… ساولتك بالنبي… تجيبي ما فيك عن فلانه بنت فلان…

لكنها أيضا تختم مسامرتهن بحكمتها التي لا تفتأ تُعيدها على مسامعهن: إن صبرتوا أجرتوا فأمر الله نافذ… وإن كفرتوا جهلتوا وأمر الله نافذ، فلسفتها في الحياة التي لم أسمعها من غيرها طوال فترة جمعي لمادة الخراف الشعبي ببراك.

عمتي التي تتذكرها والدتي إذا ما حكت لنا عنها في زمانها: بأنها الجميلة بجسدها الفاره، عرفت الحياة ودخلت الدنيا مرات ست كانوا أبناء عمومة غير واحد، وبطولها وامتلاء جسدها عاركت هذه الحياة، حراكا ودبيبا، وبشخصيتها النافذة القوية حين كان على إخوتها الاغتراب للدراسة والعمل في طرابلس وبنغازي، فرعت شؤون أسرتها نخلا وشياها، عدا عملها داخل البيت برعاية والدتها، وولديها عبد الرحمن، ويحي الذي فقدته إذ أصيب بشلل الأطفال، وأعيتها الحيلة لعلاجه حين هجرها الزوج، ووالدتي أيضا التي كانت آنذاك زوجة الشقيق المُرتحل وذات ألاثني عشر عاما، وأنها أيام شبابها أيضا كانت الطباخة الماهرة تتفنن في صنع الدويدة عجينة، وتجفيفا بتشميسها وتحميسها (ما يشبه المكرونة حاليا) وإعداد إيدامها، ما جعل نساء حيها يطلبنها خصيصا في مناسبتهن، ليحظين بوجبة لذيذة مُشتهاة من معازيمهن، يومها كانت صحون الطعام تتبادل بين الجيران بما يتسنى منحه ودون حرج، بل كثيرا ما يكون عطاءً في محله، إذ ظروف الحياة البسيطة لم تكن لتوفر وجبة الطعام اليومية.

في طفولتنا سبعينيات القرن الماضي شكلت جزء من ذاكرتنا الحميمة، حين كنا نزورها في عطلتنا الصيفية في بيت العائلة القديم (براك القصر) الذي لم تدخله الإضاءة حينها، ولا مواسير المياه، كانت تفرح بنا وتدللنا، تأخذنا معها في مشاويرها، والتي كلها سعي، وتعاود بنا الى البيت تجهز سعفها الذي يجهدها اختياره، وتجفيفه، وتشليخه، وصباغته ألوانا جميلة أحمر، وأخضر، وأزرق، كما تنتقي خيوط الصوف المصبوغة الجيده تزين بها ما تصنعه من أطباق مختلفة الأحجام، والتي تزين مطبخنا اليوم، وأخر النهار وعلى ضوء الفنار تجلس الى رحاها لنسمع شجوها وأنينها الموازي لحشرجة الرحى، وقتها كنا نخال عمتي تبكي تعب يومها، ونسأل سؤال الطفولة فلا نرى دموعها، ولا دموع رفيقتها التي تُعينها وتردد معها وأحيانا تردُ على أغنيتها.

عمتي راوية للشعر وحافظة، وإن خانتها ذاكرتها أحيانا في إكمال نص ما تترنم به، حين أعلمتها بمشروعي لتسجيل خراف براك من نساءها، قطعت شوارع براك بأحيائها الأربع ودخلت بيوتا ربما لم تعرف أهلها مُسبقا تسألهن مساعدتي، واستحضار تاريخ براك، وسير رجالها، وحكاياتها، وهي من رتبت مواعيدي، وأخجلتني أحيانا حتى أؤنب نفسي حين تصل قبلي وهي من تسير راجلة الى مكان الجمع الذي أصله بالسيارة، وإذا ما تقاعست وتأخرت المجيء من طرابلس لانشغالي الوظيفي تتولى باتصالاتها تذكيري بمسؤليتي وواجبي، وأن هناك من ينتظرنني ولديهن مخزون مما أرغب، وحين أصل تستقبلني ببيت خالتي بجدول مواعيد لبيوت سأزورأغلبها مساءً، وعقب المسلسلات المكسيكية المدبلجة التي شغلت البيوت آنذاك، وتعلق بأن ذلك في صالحي لأن الخراف وقته المساء.

سأدين لها ولنساء براك بتلك الثقة وبراح الاطمئنان، وانا ألج وسط بيوتهن لأول مرة، ورحابة صدورهن وكرمهن الفياض، والأوقات اللاتي استمتعت فيها بأصواتهن الراوية والمؤدية بحرفية وكأني بهن ممثلات في مسرح القص الشعبي، غمرنني بدفئهن، وطيبة قلوبهن في جلسات التسجيل وأجواءها التي منحتني مادة بحثي التي غامرت بتبني موضوعها وخطتها قبل أن أملك نصا واحدا، ولعلي كنت تلميذتهن وأنا أشهد خلقهن المتسامح، وإيثارهن ووفائهن ودأبهن في السؤال عن أحوال بعضهن بعض، وعني فإلى اليوم وسلامهن يصلني، ويطلبن عودتي فمازلن يحملن أشعارَ وسيرَ وأغاني واحتهن.

وأسأل عن عمتي التي تشغلني إذا ما هاتفتها، فتخبرني أن ساقيها أعجزتاها عن الوصول الى واحتها التي تحب، لكنها ستساعدني إذا ما قررت الذهاب إليهن، فأعدها خيرا، وأني بانتظار مجيئها المعتاد الي طرابلس أوائل فصل الصيف لمراجعة شؤونها الصحية، والجلوس الى أحفادها، وزوجات وأبناء أشقاءها.

وسأعذُرها إذا ما جاءت إلينا لتعُد أيامها وأسابيعها، ويعاودها الحنين وتلح في الأًوبة الى ديارها براك وأهلها، ونتشاكل لإرغامها على البقاء ومُؤانستنا فتذكرنا بوصية والدي – رحمه الله – نفيسة شقيقتنا الكبرى سيدة نفسها، لا تضغطوا عليها، واتركوها لما تختار، صنعت حياتنا بحكمتها وشجاعتها وأنفتها لنكون كما نريد، فدعوها لما تريد وتحب.

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (24)

حواء القمودي

صخرة الماء.. ذاكرة مكان

محي الدين محجوب

مؤلفات المصراتي

المشرف العام

اترك تعليق