النقد

سيرة سوف وتفاصيل أخرى

قراءة في رواية “مرسى ديله” لعبد الفتاح البشتي

 

منذ البداية لن أتورط في الحكم على نص “مرسى ديله” كونه نصاً أخلص بالمفهوم الدقيق والشامل لمكونات الحدث الروائي من الرؤية الواضحة التي بمثابة الصراط الأوحد الذي تتمحور حوله التفاصيل والأطر الفنية المكملة والمتشابكة مع نسيج هذه الرؤية والمغذية لها إلى بناء الشخوص وحوارها الداخلي إلى الحبكة الفنية في تقديم الأحداث وغيرها.

.. لكن ذلك لا يعني البتة أن النص فاقد لاشراقية الإبداع تماماً، وفي هذا السياق أجد من المناسب قبل نقاش المثالب والهفوات والنقاط المضيئة أيضاً التي تضمنها النص بتوصيفه أقرب لحديث الذكريات وتداعيها منه إلى فن الرواية مع الإشارة أن هذه السيرة لم تكن مقبورة لواقعية الحدث تماماً بل كانت على الدوام تتغذى على اشتراطات فن الرويّ وهذا بالضبط ما جعل كاتبه يسأل نفسه داخل المتن نفسه  “وهل تظن أنك تكتب رواية حقاً.. إنك تسرد أحداثاً عشتها وذكريات تريد أن توثقها حتى لا تنساها أنت وربما كي تكون وثيقة حية لتجربة شاب ليبي قروي… الخ”. ص 76

 

صــراع الذات:

من اليقين الذي لا يؤازره إلا اليقين أن نص “مرسى ديله” بني بتلقائية على فكرة البحث عن قيمة ووجود لذات “سوف” بطل السيرة والذي انتخبه الكاتب ليسرد من خلاله ذكرياته أحياناً، وفي أحايين أخرى يُقصيه ويستأثر الكاتب بالسرد مباشرة ليكون أقرب ما يكون لما يريده للبوح عن ذاته.. ولو تتبعنا الأقاصيص الصغيرة والهامشية والتي صاحبت طفولة “سوف” نجد أن الخيط الرفيع الذي يضمها جميعاً هو سؤال تحقيق الذات، ولو كانت هذه القيمة مدعاة للذعر، جالبة للشقاء، ناغرة للألم ولو كانت سقوطاً مدوياً أو موتاً مخنّتاً إزاء الحياة.. وخلال كل هذه الفوضى القائظة يبدو مبدأ الولوج في سؤال الكيان هو الحرارة الكامنة والحاسمة لاستمرار “سوف” نحو مرماه المطهّم..

ويمكن رصد هذا المبحث منذ الشروع في قراءة النص والذي افتتحه الكاتب بقصة شراء قنينتين من النبيذ من دكان (باولينيو) الإيطالي وذلك بعدما طلب منه “بن عيسى” غفير الميناء ورايس التنارة في القديم ذلك وهو الذي لا يزال طفلاً يانعاً، لقد قبل خوض هذا الرهان كي لا تسحب عليه مفاهيم الخوف والطفولة والاستدارة حول التقاليد المحافظة.. لقد خاضها رغم ثبور أجراء منها للتأكيد والتأريخ على أن “سوف” – ومنذ البداية- ذو تكوين متمرد وغير آبهٍ لمعاني الالتزام الديني والأخلاقي فجاء بقصة وضع “سوف” لحذاءٍ على قبر أحد الصالحين بعدما تحداه أحد أقاربه بفعل ذلك ليكون التحدي في اتجاهين.. الاتجاه الأخلاقي العام أولاً ثم الاتجاه الديني والعرفي.. وبعد ذلك يواصل الكاتب قدماً تأكيد هذا المعني في امتناع “سوف” عن مد يده لتقبل عقوبة فرضها أستاذه عليه لقاء تعثره الدراسي، هذه الهوامش الثلاث كانت بمثابة التمهيد لما هو أكبر – أي المخاص الذي سبق الولادة – ألا وهو التبشير بالذات عنوة وأغداق النعوت العظيمة على ذات “سوف” ولم يلق الفكر الذي تبناه “سوف” فيما بعدما هذا الاحتفاء بالمثل لأن المحرك هو تحقيق الذات وأن الفكر لم يتعد كونه أداة منتخبة لإتمام هذه المهمة وهذه الوتيرة لطالما انتهجها منظرو النظريات المثالية وأصحاب مشاريع الذوق وصغار المعجبين والمريدين وأول من يأتي عليها هم أصحابها المبشرون بها – لقد كان يحدث ذلك على الدوام وفي متتالية محزنة..

يقول الشاعر مظفر النواب:

لم يناصرك هذا اليسار الغبيُّ

وكأن اليمين أشدُّ ذكـاءً

فأشعل أجهزة الروث بيننا اليسارُ

يُقلّبُ في حيرة معجمه

إي تفو بيسار كهذا.. أينكر حتى دمه..

أجل لقد استطال هذا التبشير وسؤال الذات الملح والعسير عبر النص بأكمله ويمكن القبض على دلائل هذا مثلاً من خلال الشواهد التي أسهب الكاتب في إثباتها كقوله:

“كنت دائماً على قناعة بأني نصف إله!” ص17

“ولكنكم لازلتم تساهمون في صنع التاريخ، ألست شاعراً مرموقاً فلماذا تبتئس وتحزن”؟!! ص 21

“كنا ثملين وممتلئين فخراً بأننا مركز الكون” ص 25

ويتدخل الكاتب مباشرة متجاهلاً “سوف” حينما حاول الدكتور محمود بعقلانيته الحد من الاندفاع غير الناضج لسوف ورفاقه في حوار متسم بالهدوء والندية قائلاً: “كان كلامه حسناً ومؤثراً وأنا تلميذ الثانوي وابن السابعة عشر ولكن المشكلة أنه لا يقدم بديلاً، كان يحاول إقناعي بأن طريقنا غير صحيح وأننا على خطأ ولكنه لا يقدم البديل..

– وهكذا فإن رغبتنا العاطفية في العمل وتحقيق الذات تغلبت على كل ما يمكن أن يثار من أطروحات عقلانية مخالفة.. وكان مروان يقدم لنا كل ما نريد .. كل ما يطمح له شاب مراهق في عمرنا.. الحلم، الوعد، تحقيق الذات ومعنى أن نساهم في صنع التاريخ..” ص 29

وبعدما يقطع شوطاً من السرد يعالج فكرته الأصلية من جديد بمراجعة نفسه بالسؤال “أغلب العظماء بعثوا بعد موتهم عندما كانوا أحياء لم يهتم ولم يكترث لهم أحد.. ربما يكون مصيرك مثل هؤلاء؟!!

وهل تنتظر أن تموت حتى يهتم بك العالم والناس؟!.

أنا لن يكترث بي أحد حياً أو ميتاً

لقد خانت فرنسا نابليون مرتين وكانت جوزفين تخونه كل يوم ثلاث مرات.. وفي كل يوم وهو في ساحات المعارك والوغى.. كان يجلس ليكتب لها رسالة حب”. ص 71.

“كنت دائماً أكبر من عمري” ص 81.

“كنت صغيراً في السن بالنسبة لهم وأن يكون شاب في مثل سني وعلى هذا المستوى من الثقافة ومن الوعي الفكري والسياسي” ص 92.

“فلماذا يرهقونه بكل ذلك؟! وما هو موقعه الحقيقي في هذه الخريطة المعقدة والمتشابكة والمربكة كان كل ذلك كثيراً على ولد في مثل عمر سوف” ص 96.

ثم يفصح بصراحة بالغة:

“أنا، أنا لا أريد شيئاً، أريد فقط أن أكون، أن أحقق ذاتي، أكون إنساناً جديراً بأسمى وعصري” ص102.

“ولم أعرف ماذا ينبغي عليّ فعله، أنا الذي أخطط لتغيير العالم، أنا الذي لست راضٍ تقريباً عن كل ما يجري في كوننا هذا، انتقد الاتحاد السوفييتي والصين، عبد الناصر وحزب البعث، ناهيك عن أمريكا والغرب الرأسمالي وكل الأنظمة الرجعية بما فيها طبعاً نظامنا الملكي”. ص 109.

وعندما قام بمغامرة عبثية بالإيجار في جو هائج وعاصف بقاربه الصغير وبرفقة بن عيسى يعلق عليها بقوله:

“أنا الذي كنت أبحث عن معنى لوجودي عبر وخلال هذه المغامرة وهذا التحدي”.

ثم وبعدما ينجح و”بن عيسى” في النجاة يقول: “لقد تحديت البحر وانتصرت على الموت وفي ذلك وجدت معنى لوجودي.. وجوداً غامضاً مبهماً ولكنه معنى على أية حال” ص 128.

ومن خلال هذا العرض يتبين أن الكاتب قد بالغ في تقديم البطل إلى الحد الذي يدفع إلى اعتماد رؤية مفادها أن مصيره البائس كان طبيعياً لا لكونه يتميز بعمق فكري وحراك سياسي بل نتيجة لأن هذا البطل ظل يقرأ نفسه بجانب من المغالطة وتكريس للعاطفي على حساب العقلاني، فلو كان بذات العمق كما جاء في النص لما خوله ذلك مران في تحسين مواقفه ومصيره، حيث كان انزلاقه وفي كل مرة أمراً استباقياً وتقليداً.

 

عنهما وشؤون صغيرة أخرى:

اختار الكاتب لبطل سيرته اسماً  يحمل دلالة الحلم والطموح والإرادة وهو “سوف” ليكون لسان حاله وخلق له براحه النفسي ورديفه في النزق والملل وهو “بن عيسى” ومنح الأخير سمة التفوق في هذا المنحى وألح الكاتب في تفنيد هذا من خلال استعادته على الدوام.

آلية شرب النبيذ فبينما ينفرد “بن عيسى” في شرب النبيذ من فوهة القنينة مباشرة يكتفي “سوف” في الشراب من الكأس فقط..

مما يؤدي بـ “بن عيسى” للاضطلاع بدور قيادي في هذه العملية والتي تبدو عند الكاتب مسألة بالغة الحساسية وبهذا الدور فقط صار “بن عيسى” يقاسم دور البطولة مع “سوف” وهذا ما أكده الكاتب بالنص (ص 76) ولم ينته تعامل الكاتب مع “بن عيسى” إلى هذا الحد بل خلع عليه –كما فعل مع سوف- صفات التعظيم حتى جعله ينوء بحمل ظل أكبر منه في كل مرة.. أجل، لقد جاء دورا “بن عيسى” و”سوف” كبيران عليهما وهذه من المثالب الصريحة التي وقع فيها الكاتب وفي ذلك “بن عيسى” بـ:

“لا يشبه أحد إلا إياي” ص 19.

“لماذا لم يكن بن عيسى أبي” ص 19.

“كإله خرافي” ص 101.

“ملك البحار وسيد الكائنات قاطبة وبجانبه قنينتين من النبيذ” ص 82.

“كقائد أوكسترا محترف” ص 127 وغير ذلك.

ولو تأملنا في شخص “بن عيسى” لوجدناه ليس سوى غفير مرسى.. أمي.. ذو عطن خرافي.. كأنه خابية نبيذ تمشي على قدمين، وفوق هذا لم يمنحه الكاتب مرتبة الحكمة الفطرية، والتي أغدقها دفعة واحدة على بطله “سوف” وأصدق تعامل مع “بن عيسى” كان في بداية التعريف به.

“ولأنه لم يكن يستطيع أن يرجع إلى اليابسة، فلقد رضى بأن يعمل غفيراً على المرسى العتيق؛ مرسى ديله.” ص 19.

ومن الملاحظ أيضاً أن الكاتب لم يخلق لـ “بن عيسى” قرية مجازية كما فعل مع “سوف” حينما أوجد له قرية تدعى “كمون” بل ظل ينسبه إلى قرية حقيقية من قرى مدينة الزاوية ألا وهي قرية “قمودة” حيث نجده مثلاً يثبت:

 “ملك البحار القمودي بن عيسى” ص 8.

“المهم من أحضر العصيدة، صبية شقراء، شعر أصفر، وعينان زرقاوان كما هي بنات قبيلة القمامدة التي تسكن بحذاء البحر والتي ينتمي إليها بن عيسى..

 – هذه زينب بنتي..

زينب بنتك.. يلعن دين بوك يا قمودي بن عيسى” ص 20.

وانصراف الكاتب عن التحدي المباشر للواقع بكامله أو الاستسلام للخيال الساهب كان بغية أن يذكر القارئ عندما يشطح به خيال السرد الجامح بالواقع المحلي الذي راح ينشده من خلال النص، وأن يبعده عن النقاط ذات الخصوصية الساخنة والدلالة الحية بالخيال والفسح الرومانسية..

ويمكن قراءة ذلك بطريقة أخرى وهي أن “بن عيسى” شخصية حيوية إنسانية لجأ إليها “سوف” كلما أطرته الظروف لذلك وكبراح نفسي من عبء شخصيات (كمون) والتي كانت في الغالب ثقلاً على “سوف”.

أليس كذلك؟!!.. اعتقد ذلك على أقل تقدير!!..

الرواية في المجمل:

تمور الرواية بدفق من ذكريات ووجدانات ذات نبض إنساني وانفعالي لتخبر عن فتى قروي يقطن قرية من قرى مدينة الزاوية الخمسين اسمها مجازاً (كمون) يعانق الفكر الاشتراكي هو ورفاقه من ذات القرية منطلقين صوب العمل بتكوين جماعة يسارية ثم يهوي بهم اندفاعهم وظروف أخرى بين قضبان الحديد ليصل النص إلى غموضية صارمة ويبقى استنباط الأحداث رهين الاستنتاج والحدس، وبعد الخروج من المعتقل لا يجد دوراً ينشده ليحقق من خلاله ذاته فيكون أشبه بقطع صغيرة من الورق لا يتجاوز أكبرها السنتمتر الواحد والتي أتى عليها العث والسوس كما يصف الكاتب في نهاية تسطيره لنصه ليكون الابتسار على أشده والقارئ الذي لا يعرف ظروف الكاتب والبلاد حتماً سيكون في حالة مستحكمة الغياب ويبدو كأن العمل جزءٌ من مذكرات تحمل إشارات وإسقاطات، لكنها على أية حال ظلت مخلصة لنشيد الإنسان بوصفه كائناً من دم وعاطفة

.. وقد تضمن النص ما يقرب الأربعين شخصية وباستثناء “سوف” و”بن عيسى” يكون الدور الذي اضطلعت به هذه الشخصيات بارقاً ومرتبطاً بحدث مفرد ولطالما كان هذا الحدث هامشياً ولطالما أيضاً كان هذا الحدث من خلال ملحمة تذكر حزينة،.. شخصيات ضعيفة وغير مؤهلة لأداء أدوار روائية .. ربما للسيرة كانت أنفع – كما أسلفت- كان يمكن للكاتب أن يطوّر من فاعلية بعضها كـ”الأستاذ مروان” الذي كان مصدراً للحديث عن السياسة والعمل واليسار وهو الذي أنتج مجموعة يسارية من المراهقين الطموحين لذروع أزقة خانقة..

و”سالمة” تلك البدوية التي أدت دوراً جنسياً مع “سوف” ليبلغ من خلالها مرحلة الكيان الرجولي وكذلك كان له تطوير دور الشيخ “علي الفيتوري” للتنكيل بالشعوذة والخراب العقائدي.

و”يوسف الإمام” ذلك الإخواني الصغير والذي يشرف على صحيفة حائطية مضادة لصحيفة الشروق التي يصدرها “سوف”.

كان يمكن له أن يجعل الشخصيات مشحونة بالحوار والفاعلية.. يتركها تتفاعل ولو جزئياً فيما بينها بمعزل عن “سوف”.. لم يكن ثمة حوار بين الجماعة اليسارية نفسها لاسيما أن برنامجها الأساسي هو التثقيف النظري.

أما بالنسبة للمكان فقد ضمّن الكاتب عشرين مكاناً والتي كانت مسرحاً لأحداث النص التي عاشها سوف أو جاءت في معرض حديثٍ وهي “مرسى ديله – براكة بن عيسى – دكان باولينيو – زاوية كمون والخلوة والجيهة – مدرسة الزاوية الثانوية- مرسى الميدة – حوش الفلاح – طريق الشروع – قرية الحرشة – العاصمة طرابلس – الحارة – مقهى أورورا – مقهى البريد الحديث – بار لوتشي – صيدلية ماريا – شعبية الرزاقة والقرضابية وضي الهلال..الخ…”.

وينطبق ما ذهبنا إليه في فاعلية الشخصيات الروائية على الأمكنة حيث جاء كل مكان مرتبطاً بحدث بعينه ولمرة واحدة باستثناء لـ “مرسى ديله – وبراكة بن عيسى ومدرسة الزاوية الثانوية طبعاً.

والرواية بأسرها تعتمد أساساً على خمسة أحداث جادت بها ذاكرة الكاتب وهي:

1.                  زيارة الأستاذ مروان لمريده. من جماعة سوف.

2.                  قصة مقتل الشيخ المشعوذ “علي الفيتوري”.

3.                  الغزو على قرية كمون عام 1952 وحماية بوليس الانتداب لهذه القرية.

4.                  قصة انتخاب كمون لمحمد الطيب للبرلمان.

5.                  لقاء في مقهى أورورا بالعاصمة.

وبالنظر في هذه الأحداث نجد أن الأول والخامس ذو علاقة حاسمة ومباشرة مع حياة “سوف” وتكوينه السياسي أما بالنسبة للأحداث الثلاث الأخرى لا تعدو كونها ثبتاً تاريخياً..

وقد اعتمد الكاتب في سرده على لسان (سوف) ولكنه لا يلبث أن يتدخل بجمل اعتراضية مربكة للقارئ في أول وهلة وقبل أن يتهيأ أو يتعود لمثل هذا.. وهذه الجمل الاعتراضية مصدّرة من الواقع الآني والمعيشي اللحظي للكاتب إلى الحدث التاريخي الذي مازال يعيشه “سوف” وتحمل في طياتها معاني الأسى والحسرة.. ومثال ذلك: حينما تعرض لقصة شراء “سوف” للنبيذ من دكان باولينيو تدخل معترضاً بقوله “وها أنت الآن تحتسي هذه الخمرة المحلية الرخيصة” ص 7.

أو في معرض تقديمه لـ “بن عيسى” “ولكنه مات منذ زمن” ص 8

ويمكن رصد ومتابعة ذلك (أنظر الصفحات 13-15-70-76 وغيرها)

 

نهاية المطاف:

إن رواية “مرسى ديله” ودون أن أتشابك مع متاهات المصطلح وغير ذلك تظل عملاً إنسانياً يدعوك لتجاوز هناتها إلى ما هو أعمق ألا وهو الإحساس الإنساني والوجودي وبلغتها الصادقة حتى القسوة في أحيانٍ وهو ما دفعني للكتابة عنها وهي في ذات الوقت بمثابة مغامرة أوليّة لسبر أغوار وجدان جيل جلس على سنم الاجتهاد في الإيديولوجي منتجاً تقاطعاً بين السياسي والثقافي

.. هذه الرواية ترتاد هذا التقاطع المجدول بطموح متجدد للكاتب عبد الفتاح البشتي وما “مرسى ديله” في نهاية المطاف سوى رمز للبحر بدلالاته العميقة.. وكملاذٍ للحرية والحلم والطموح والاندفاع وكشاهد على تعاقب الأحداث وثبور الأشياء أين كانت.. وما قرية (كمون) أكثر من نموذج للإرهاق المعنوي الذي أنتجته سحنة اجتماعية غابرة من التقاليد والحزن.

وأختم بهذا المقطع الأروع الذي أثبته الكاتب بضمير جماعي:

“فالثورة تحتاج إلى مداميك، وقد كنا مداميكها، وهي تحتاج إلى ضحايا وكنا قد أعددنا أنفسنا لأن نكون القرابين على مذبح الثورة الاشتراكية المنتصرة الظافرة” ص 118                         

29/2/2004

مقالات ذات علاقة

مكابدات تخلّق النص الشعري في ديوان “خطوط داخلية في لوحة الطلوع” للشاعر محمد الفقيه صالح

أمينة هدريز

قراءة لنص (إغتيال شمعة) الشاعرة: سهام الدغاري

المشرف العام

السيرةُ وجدليةُ الذاتِ والمرجعية

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق