المقالة

سيدة الموائد الرمضانية الليبية!

منذ حوالى عقدين من الزمن انتشر “رجيم الحساء الروسي” أو بمعنى أدق حساء الكرنب.. بونواره. أحد الأصدقاء تعامل معه وكأنه تركيبة للتخلص من شحوم بطنه المكتنزة جدًا، فكان يتناول الحساء، ثم يلتهم قصعة مكرونة بنصف كيلو لحم ضأن، وثلاثة قرون فلفل حار!

عن موقع المطبخ الليبي
عن موقع المطبخ الليبي

الحساء طبق عالمي متنوع المكونات والإعداد والتقديم، ومعظم الشعوب، بمختلف ثقافتها لها طبق حساء مفضل! فالفرنسيون يتميزون بحساء البصل بصلصة الطماطم الخاثرة المغطاة بالجبن المبشور، والطليان بحساء (المنستروني) المكون من الخضار المشكلة والقليل من المكرونة الرفيعة، وحساء الإنجليز بذيل العجل، والهندي المكون من مرقة التوابل بنكهة الكاري أو (التندوري)، واليابانيون يدفعون مبلغًا كبيرًا من أجل طبق حساء زعانف القرش، لما له من فوائد خارقة- كما يقولون- للذكورة! والآسيويون يتفقون جميعًا على فوائد حساء أعشاب البحر، والكائنات البحرية كافة. ولا أعتقد أن هناك أنواعًا من الحساء تضاهي الأطباق التي يبتدعها المطبخ الصيني، حتى أن أرجل الدجاج، تلك الصفراء التي يتخلص منها جزارو العالم كلهم مع الريش، يعد الصينيون منها حساءً تذوب فيه تلك الأرجل! ولا يستغرب رواد المطاعم الفخمة من زبون “يمصمص” كراع دجاجه مستوية جدًا! فليس هناك شيء لا يعد منه حساء!

قال لي طباخ صيني إنهم يعدون أنواعًا من الحساء، من كل ما ينبت أو يمشى على الأرض، باستثناء مصنوعات الحديد! وكل ما يطير سوى الطائرات، وكل ما يسبح سوى البواخر!
والصينيون يبدعون في أسماء أطباقهم، فهذا “حساء أقمار الذهب العائمة في بحر الفضة”، وذاك “حساء زهور الربيع الملونة”، وتاريخ العالم يقول إن أقدم كتاب للطبخ ابتدعه الصينيون، ويعود تاريخه إلى حوالى خمسة آلاف سنة، ويحتوى على وصفات عديدة لأطباق متنوعة للحساء تعد من اللحوم والطيور والأسماك والأعشاب والخضار والبيض. وكل ما يخطر ببال المرء! وبلغ عشقهم للحساء حتى أنهم قالوا عنه: “ملذات الحياة كلها لا تساوى لذة حساء فاخر!” ويقول طباخ فرنسي مشهور اسمه (لوي دو غوي): “الحساء نعم الصديق في المطبخ، فمن بخاره تصعد الطمأنينة، وحول أطباقه تتعزز الألفة. وأن خيوطه العبقة الملتفة تدخل الأنوف، فتفتح الشهية وتطرد الهموم التي تراكمت طوال النهار في المكتب، والشارع وصفحات الجرائد. إنه حقًا بسمة المائدة، التي لا تعادلها إلّا ابتسامة ربة بيت مضيافة!”.

“الشربة الليبية” سيدة موائد الليبيين الرمضانية! ولا أعتقد، إلّا ما ندر أن يخلو إفطار رمضاني منها، بل كثيرون يكتفون بها عن سائر الأطباق. والحقيقة أنني لم ألتق بأحد ممن تذوّقها من غير الليبيين لم يعجب بها، وقد علمت من شخصية ليبية كانت مقربةً من الرئيس الراحل محمد أنور السادات أنه أُخذ بها وصارت من أطباقه المفضلة. وكان يردد ساخرًا أنها والشاي الأخضر الليبي (المنعنع) أفضل ابتكارات الليبيين!

حتى منتصف ستينات القرن الماضي وتحديدًا قبيل بداية تصدير النفط الليبي، عندما بدأت ملامح طفرة رخاء، يظهر خيرها على الناس، إذ تضاعفت المرتبات، وكثرت فرص العمل، وتنوعت البواخر التجارية التي أغرقت الأسواق بما ينتجه العالم من سلع مهمة، وأخرى مضحكة، حتى أنني رأيت بعيني، بل اشتريت علبة كرشة عجل في مرقة ماء وملح، أضفت إليها صلصة طماطم وفلفلاً، وكراوية وثومًا وكانت وجبة عشاء فخمة مع رفاق ذلك الزمن الجميل!

حتى ذلك الوقت كانت أنواع أطباق الحساء محصورة في الشربة الليبية، وهي لمن يعرف، صلصة طماطم مبهّرة مسلوق فيها قطع صغيرة من اللحم الضاني، وغالبًا بنكهة البقدونس، أما كثافتها ودسمها فتختلف من بيت لآخر. كان هناك أيضًا الحساء وغالبًا يكون باللحم المقدد، و(الحرويسة) وهي حساء قوامه اللفت!

كثرت الآن أطباق الحساء في المطبخ الليبي، لعل حساء العدس وحساء الياقطين أو (البكيوا) وحساء الخضار المهروسة من أبرز أنواع أطباق (الشربة)، ولكن الشربة الليبية تظل هي سيدة المائدة الرمضانية الليبية. فلنبتهل ألّا تغيب على مائدة أحد منا، وأن يكون هذا الشهر المبارك نهاية لأحزان الليبيين وبداية وفاقهم. وكل عام وأنتم بخير وصحة شربتكم!

مقالات ذات علاقة

يوسف الشريف: لكن أين الصحف الخاصة!؟.

أحمد الفيتوري

الحـــوار

سالم العوكلي

مواكب جبران خليل جبران و مواكب الربيع العربي: الغضب – و الغابة – و الحُلُم

جمال عبدالقادر أمهلهل

اترك تعليق