طيوب البراح

سنعود بعد الموت

آية المجبري

من أعمال التشكيلية مريم هنيدي
من أعمال التشكيلية مريم هنيدي


أصيص الورود كان مفاجأة جدي في عيد ميلادي الثالث عشر، علمني كيف أغرس بذور وردة النرجس وقال لي: عندما تٔشرق الشمس ستزهر، وعندما تهطل الامطار ستنمو.

بدأت الحرب وهاجرنا بيتنا تاركين كُل شيء.

أنا “نرجس” عمري تسعة عشر سنة، أدرس في كلية الاعلام، أقيم في ألمانيا، عائلتي تقيم في مصر، يقولون أنني صحفية نشيطة وأبحث عن المعلومات، في كُل وقت اتابع اخبار الحروب بشدة، أكتب ما لا يعجبني، وانتقد السياسة، غدا لدي حوار صحفي مع رجل كان في ليبيا، مكان الحرب هناك، لِيمدني ببعض المعلومات.

عُدنا….

قال لي إذا أردتي المعلومات التي تبحثين عنها سأخبرك، ولكن ادفعي لي المال. وأنا ليس لدي المبلغ الذي يريده، ولكنه سمح لي بتصوير (فيلم قصير) مقابل هذا المال، أنا لا اريد تصوير الفيلم لأنه خطير، سأصور في أماكن الحرب، ولكنني محتاجة لهذه المعلومات جدا، كل ما اريد ان اعرفه ماذا حدث لذك الاصيص، وجدي؛ كيف يعيش؟

سأخبركم بسر صغير، جدي لم يخرج من بيتنا ولا أحد يعرف ذلك. وأنا اجمع المعلومات عمن كان السبب في الحروب العربية، أظنهم يسمونها (الربيع العربي)، أو السواد العربي، لا اريد معلومات عنهم شخصيا اريد معرفة لماذا فعلو ذلك؟

تجربتي في السجن كانت قوية جدا، تم سجني لأنني بدأت البحث ومعرفة تفاصيل سريه جدا، اعتقلوني في بيتي الساعة 5 فجرآ وأنا اكتب عن ماذا شاهدة يوم الثلاثاء الساعة 4 عصرا عند خروج الشعب للثورة، بقى ما كتبته في الكمبيوتر، ولكنني لم احفظه هل قاموا برؤيته، حقا لا اعرف واخذوا كل شيء خاص بي، وضعوني في غرفة بها 3 حوائط وباب، لم أعرف من هم؟ و لا أين أنا؟ اسمع صوت قطرات الصُنبور قطرة قطرة، جاءني رجل اجبرني على معرفة عن ماذا ابحث.

يا أخ:

أنا لا ابحث عن معلومات سريه، فقط اريد ان اعرف لما فعلو ذلك، لم تسمحوا لي بمعرفة ذلك امام الجميع، قررت البحث بسرية تامة فقط هذا كل شيء!

من أنتم، وماذا تريدون مني؟

ذهب الرجل و رجع الفراغ والصمت في تلك الغرفة اللعينة، جلستُ في حوار مع عقلي، تشاركنا الحديث اصبح يذكرني بذكريات الطفولة، وبعد أيام لا اتذكر كم عددها، وجدتُ نفسي في شقتي، وكأنهم يقولون لي ارجعي لحياتك السابقة كما كُنتِ، ولكن من منكم يعوضني عن تلك الأيام التي مرت من عمري هكذا، تلك الفترة الذي مات أبي وهو يبحث عني ومرضت امي من خوفها.

هل أجد من يُعوض هذا، هل تسمعونني أنا أخاطبكم؟

قررت…

سأذهب لمدينتي واصور فيلما قصيرا، وامر على بيتنا وأزور جدي، أنا لستُ ذاهبه للموت بل ذاهبه اصور بلادي كيف تموت.. لن انتقم ولكنني سـأوضح للعالم كُل شيء، من يقوم بهذه الأفعال وماهي افكارهم المخبأة.

أنا اتذكر هذا المكان جيدا واتذكر ذاك الشارع، يا لله على هذه الذكريات المؤلمة، لم تعد ذكريات بل رماد تلاشت كل شيء لم اعلم لما لا زلوا يحاربوا فـ الدمار غطي وجوههم، يتراقصون فوق جبال طموح البشر، كرسي جارنا العجوز ومعطف طفل الشارع ووسادة الام المُتعبة من اشغال المنزل، هم لم يدمروا المدينة بل دمروا النفس لدى البشر، زمهروا عقولهم واختفت ذكرياتهمـ.

لحظة!

صورة الحائط هذه اعرفها جيدا، وهذا الراديو المُدمر متأكدة أنني اعرفه، لم اعد أعرف هذه المنطقة وهل أنا اقف فوق منزلنا؟

نعم هو بيتنا…..

هذه غرفتي، أم المطبخ، أم غرفة المكتب!

إذآ كُل شيء رماد، وجدي أصبح رماد ايضا.

ما هذه السهولة التي نقول فيها اننا نموت بكل بساطة ننطق الموت وكأننا لم نعد نشعر بشيء تجمدت مشاعرنا وتصلبت، لم يتبقى غير وردة النرجس بقيت صامدة وكما قال لي جدي: عندما تشرق الشمس ستزهر.. وعندما تهطل الامطار ستنمو.

أشرقت الشمس يا جدي، ولكنها غربت سريعا جدا، وهلت الامطار ولكنها كانت نارا، لم ننمو، بل اصبحنا يا جدي رمادا.

مقالات ذات علاقة

العروبة العمياء

المشرف العام

زمن السفهاء

محمد علي المبروك

صباحات غربتي

المشرف العام

اترك تعليق