قراءات

سعيد المحروق.. الرجل الذي خرج وحيداً يحمل سيفه على عاتقه، ليحارب رياح القبلي

عبد السلام عمر عجال

الأبطال هم الذين يضحون بأنفسهم من أجل الحقيقة، الجبناء هم الذين يضحون بالحقيقة من أجل أنفسهم

إبراهيم الكوني

(لكن ما اسم ابني؟ أ هذه عاقبة الأمور؟ أنا الذي اخترت اسمه من طيات تاريخ هذا الوطن، أنا الذي رضيت أن يتهموني بالشعوبية من أجل هذا الاسم.

أنا الذي قصموا ظهري لأنني خرجت أشتري لابني الدواء، أنا الذي تحملت في سبيل هذا الاسم كل التهم اللصيقة باليهود، أبعد كل هذا العناء والعذاب،أنا البربري الشعوبي؟ الأكاديمية البربرية؟.

أنا الأكاديمية البربرية المتحركة قديما المقعدة حاليا، الأنكى من كل ذلك أن تكون طعنات خلفية أو هي طعنات في جوف قبري، أي عمل جبان هذا )

سعيد المحروق

نعم سيد سعيد لا تزال الطعنات تلاحقك حتى في جوف قبرك، لأنك اقترفت التفكير وارتكبت التحبير فالويل في مدينتك لمن يقترف الثقافة بل أيضا ويل لك من المثقفين !، ربّما المسخفين.

يقول الراحل سعيد المحروق:

(إن الفرق بين الالتزام وما عداه، هو الفرق بين الكتابة الكادحة وبين الاستبواق و الاستزمار و الاستطبال، أي الحشائش الضارة بفكر أبناء آدم وحواء، ثم كيف يقوى إنسان أن يغني مباهج الحياة، وهو يعاني سكرات الموت)؟.

أولاً: ردا على السيد علي الرحيبي:

ربما كانت كلمات الراحل نفسه رداً كافياً شافياً لك، فلقد قرأت مقالاتك مراراً وتكراراً فلم أجد فيها سوى الاستطبال و الاستزمار، بالإضافة إلى تمرير الأفكار المغلفة بدافع الوطنية، يكفي أيها السيد المحترم بأن أذكرك بالفرق بين الذي يستقي إيديولوجيته من الشرق أو الغرب والذي ثقافته نابعة من صميم هذا الوطن، بل ومن نقوش أحجاره منذ آلاف السنين، و أكاكوس و تادرارت و تاسيلي خير شاهد على ذلك، وليس الحجاز أو اليمن شاهدا على أن الأرض تتكلم عربي أو حتى فينيقي !، أ تعلم أنك لا تفقه البتة شيئاً عن جغرافيا هذا الوطن أو تاريخه، عندما تقول لنا أن مسجد (ئيطرميسن) بناه العرب في القرن الهجري الأول، بينما أدلة يتحدث بها الصخر تقول أن الجامع كان (كنيساً) مسيحياً.

يقول الراحل سعيد المحروق في رواية القيح:

(من يستطيع أن يدلني على وطن الغجر؟، من يقدر أن يغني لي أغنية فينيقية؟، إلى أي العائلات اللغوية تنتمي لغة الأوزكادي تا اسكاتاسونا بلاد إلباسك والحرية؟ (1).

يجب على قلبي أن يبدأ في كتابة التاريخ، عليه أن يبدأ في صياغة الأكاذيب، رغماً عن أنف عقلي، وإذا أطلقت العنان لقلبي لاستطعت أن أرى بعيني المتصلتين بقلبي ملامح جمجمة هذا الهيكل، وليس بعيدا أن أرى بقية الهيكل العظمي مكسوا بلحمه وشحمه ومتمتعا بكافة أعضائه التناسلية، ولا أظن الأمر مستعصيا ولا غريبا أن أراه يتحرك ويغادر القمة إذا شاء) (2).

نعم ليس غريبا أن يرى ذلك، لو سمح لقلبه أن يبدأ في صياغة الأكاذيب، أما أنت فقد سمحت لقلبك وعقلك فرأيت ما هو أشد هولاً من ذلك؟، فالذي بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة.

لسنا بالذي يستورد الأفكار تارةً باسم الدين وتارةً باسم الوطنية وتارةً متخفياً وراء ستار الحضارة والتقدم، انظر إلى كتاباتك باهتةً رخيصةً، وأنت تحاول بأظافرك الضعيفة المنهكة حك الصخر الجلمود الذي نقشت عليه التيفيناغ منذ آلاف السنين، أو و أنت تحاول خدش صورة سعيد المحروق (ؤفس دي ؤفس دي ؤفس، ياناري أف تالاست، ياناري سـ تيفيناغ ول نغشّ أنمّوت)، (يداً بيد، سنكتب رغم الظلام، سنكتب بأحرف التيفيناغ، لا نريد أن نموت) (3).

سيد الرحيبي ستكسر أظافرك الضعيفة المنهكة، بذلك تكون قد أضررت بنفسك لأنك لن تجدها لتعض عليها في أوقات ندمك وحسرتك عندما سمحت لنفسك ورأيت ما رأيت بما في ذلك الهيكل العظمي بشحمه ولحمه، بل ومتمتعا بكافة أعضائه التناسلية، ورأيته يتحرك من مكانه ويغادر القمة (4).

ثانيا: رداً على أحمد إبراهيم الفقيه:

إلى الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه، لقد كانت له أقواله؛ لأنه كان شاهدا في لقاءي مع عزرائيل

سعيد المحروق

لكن ما لا تدريه أنه أصبح شاهد زور، أو من يدري قد لا يكون شاهدا في لقاءك مع عزرائيل وحسب بل ذلك الذي ظننت بأنه سيلقي بتوصية ضدك عند عزرائيل حينما سيأتي لقبض روحك (5).

يقول شاهدنا أحمد إبراهيم الفقيه في مقالته المنشورة هنا في ليبيا اليوم بعنوان (سعيد المحروق الذي لا أعرفه):

(أكتب هذه الخاطرة من الذاكرة، واكتبها من موقع الشهادة المستقاة من التجربة الشخصية، و أنا في موقع عملي خارج ليبيا، بعيداً عن مصادري، ولن يكون صعبا العودة الى هذه المصادر والاستشهاد بكتابات المرحوم سعيد المحروق إذا اقتضى الأمر.

 لقد فاجأتني الصورة التي أظهرها فريق صغير من أبناء جبل نفوسه المتعصبين لهويتهم الأمازيغية باعتباره cult figure و لا اعتقد أن لهذه الصورة المعكوسة في كتابات هذه الفئة الصغيرة علاقة بالصورة التي اعرفها للصديق الراحل، انه سعيد آخر لا اعرفه ولا أرى له انتسابا قويا لسعيد المحروق الذي عرفته منذ بداياته الأولى ككاتب في ستينيات القرن الماضي).

السيد احمد الفقيه وبما انه كما قلت لن يكون صعبا العودة والاستشهاد بكتابات المحروق إذا اقتضى الأمر.

والله، ليسرني أن ألبي رغبتك ليكون الرد عليك من الأكاديمية البربرية المتحركة سابقا، المقعدة ردحاً من الزمن، المطعونة في جوف قبرها حالياً يقول الأديب الراحل في خاطرة بعنوان الشيء المكتوب:

(اللغة هي الإناء الذي يعطي لون وشكل الثقافة التي تعبر عنها)

(أنا الكاتب الصغير أصبني على الورق كأساً كنبيذ في حساء الفلاح، كلماتي التي هي لغتي لازالت تحتفظ بنفس المعنى، ولكن شكلها يتبدّل، لونها أيضا، اتجاهها يتغير حسب مزاج قلمي، الكلمات التي هي لغتي لم تكن إطلاقا في شكلها الأصلي ففي كل عصر تغير لون الكأس أحمر هو أحيانا أو أزرق، بل ممكن أن يكون اسوداً، و لن منذ وفاة جدّتنا لونه في الغالب اخضر، وشكله كثير التعرج، الكلمات التي هي لغتنا، لم تحصل إطلاقا على التصريح لتصب حتى في رمل صحرائنا، بالرغم من اتساع رغبتنا، و كأس واحدة لم تكن سببا في موت احد، خاصة عندما تشرب في ضوء النهار و الشمس الساطعة ستقوم بتبخير كل السوائل اللزجة اللاصقة، حتى الدودة رفيقة الطفولة التي استعملها بكل الطرق لكي يصطاد العصافير أو لكي يؤخر طيرانها، أنت يا هذا العصفور لا تقع في فخ الرفيق المدرسي، لا تأكل دودته ستؤكل عندما تحترق أجنحتك في هذا الرماد، و بدونك ربيعنا لن يقدر على غناء تلك الشمس،،وذلك البحر الرمل والورود.

الرماد سيوالي سفره إلى الشمال، مدفوعا بالريح الجنوبية مصحوباً بالصقر الباحث عن طريدة حية وطائرة بالذات.

هل تعلم بأني في هذه اللحظة انظر إلى السماء المعتمة، بعيوني المتعبة، بحثا عن كلماتي الأصلية لكتب بيتا يحوي (تغاوسا (6)) في أرضنا لكي يكون، ومن اجل هذا يجب أن يكون مرئيا مسبقا، أعني بهذا يجب أن يكون مكتوبا أولا.

أن اكتب في لغتي الأم هو حلم الصقر الكامن في ذاتي، المترحل في رأسي، بدون هذا الحلم لكان الإعلان بموتي الجدي قد اخذ شكله الحقيقي منذ زمن طويل، ولكن من اجل فرح الذين استقبلوني في الكتابة، أعلم ها أنذا آكل دودة رفيقي مصحوبة بحساء الفلاح الذي صبوا فيه كأسا من النبيذ.

عصفوري هل تعلم بان الكتابة في لغتي الأم لا تعطني حتى الفرصة في أن أكون مقربا من قبل أهلي ولكن هذه المرة أود أن أحقق حلم الصقر، مدفوعا بقلة العصافير، للبحث عن ربيع يعلم باني في هذه اللحظة انظر إلى السماء المعتمة بعيوني المتعبة و بحثا عن كلماتي الأصلية لكي أكتب بيتا في محتواه (تغاوسا) من ارضي لكي نقراه يوما قبل هذا يجب أن نراه يوما من اجل كل هذا يجب أن نكتبه).

يقول شاهدنا أحمد الفقيه:

(و لم اعرف منه أو من غيره ان سعيد المحروق تعرض في اية مرحلة من مراحل حياته الادبية للحظر والمنع من الكتابة كما تقول الاساطير الكثيرة التي يصنعها حوله افراد المجموعة التي احالته الى زعيمها الروحي بعد وفاته)

أحمد إبراهيم الفقيه هل صرت الآن تعرف بنفسك وأنت تقرأ الشيء المكتوب أن سعيد سيفاو المحروق منع من النشر بلغته الأم، وليست كما تقول الأساطير؟، لن أنتظر جوابك، لأني اعلم بأن عيونك المتعبة تنظر إلى الأرض خجلا لأنك (شاهد ما شافش حاجه).

فحقاً كما سميت مقالتك (سعيد المحروق الذي لا أعرفه)، ولن تعرفه ولعلمك، (ليس لأني أكبر العلم فيك، فحقا لا يهمني إن علمت و إن لم تعلم)، أن لا أحد أحال سعيد المحروق إلى زعيم روحي أو كما وصفه علي الرحيبي بنبي الأمازيغية، فلسنا بالذين يقدس الأشخاص، إنما نحن قوم ينزل الناس منازلهم فكان من الواجب علينا أن نكرم الابن البار للأمازيغية (الأستاذ سعيد سيفاو المحروق).

أخيراً نحن الأمازيغ في ليبيا لسنا متعصبين لهويتنا كما وصفت و لسنا أصحاب طرح شوفيني عرقي، أو انفصاليين كما يصف ذلك علي الرحيبي فإننا أبعد ما يكون عن هذه التهم الباطلة، إنما كان ردي من كتابات سعيد المحروق شافياً و كافياً لأوهامك فأعد قراءتها مرارا وتكرار ليتم شفاءك بإذن الله من كل وسواس و خناس.

كما ليعلم الجميع بأننا غيورين على تراب هذا الوطن ولا نرضى انقسامه أو العبث به، ترابه الذي ارتوى بدماء أجدادنا، مثلنا مثل كل ليبي غيور على وطنه لا فرق بيننا.

_______________

هوامش:

1 – أما أنا أستطيع أن أدلكم على وطن اللغة الأمازيغية، و أتغنى بأغنية أمازيغية.

2 – من رواية القيح لسعيد المحروق.

3 – قصيدة ساليت تافسوت للمرحوم سعيد المحروق.

4 – رداً على ادعائه بأن الأمازيغ انفصاليين.

5 – من مذكرات الراحل يقول فيها (بأنه من شدة معاناته بات يظن بأنه سيلقى بتوصية ضده حتى عند عزرائيل عندما يأتي ليقبض روحه).

6 – تغاوسا كلمة أمازيغية معناها شيء، وأنبهك أننا نملك الكثير من كتابات المرحوم سعيد المحروق التي لا علم لك بها كما حال ما قرأته.

ليبيا اليوم – الاحد 03 ديسمبر 2006

مقالات ذات علاقة

ديوان نساء: قصائد كالمرايا

المشرف العام

كتاب (محمود أحمد المنتصر ودوره السياسي في ليبيا) إثراءٌ للمكتبة السياسية والتاريخية

يونس شعبان الفنادي

للشِّعْرِ أمسٌ وقمرٌ وأشذاء

جمعة الفاخري

اترك تعليق