تشكيل

سعاد اللبة: حكايا الومضات الهاربة

ا
الفنانة التشكيلية سعاد اللبة (الصورة: عبدالسلام الفقهي)


تبني الفنانة سعاد اللبة، حوارها مع الصورة وفق علاقة متماهية مع معطيات المكان وما يمثله في الواقع المتعين والاخر البعيد ، وكيف يمكن التعامل معه كفكرة، تؤسس في النهاية لنص ضوئي بأبعاده الفنية .

لذا  فالواقعية في الصورة هي غاية الفنانة التي تحاول من خلالها استنطاق الاحاسيس المتولدة من المكان،  في تفاصيله البسيطة بالألوان وبدونها، ويصبح للحظة آنذاك وقعها النافذ على المخيلة والعدسة  ليتكون في النهاية المشهد.

ما يكون الصورة فنيا هو الاحساس بحسب رأي الفنانة، وما يترجم الاحساس الى رسم لوني هو التكوين العام في فكرة تبحث عن من يجسدها الى عمل فني، وربما ذلك يتطابق مع تجربتها في التشكيل، الا أن تثبيت اللحظة يفصل بين الاثنين، ويصبح الزمن والعدسة هما سيدا الموقف.

ولأن اللوحة الفوتوغرافية هي ومضة مجمدة من حكاية لها أثر سردي متعدد، يمضي النص الضوئي عند سعاد على وقع تلك الاحتمالات، فللصورة أكثر من تفسير ظاهر و خفي، وهو ما يمكن تسميته ببساطة أسلوب السهل الممتنع.

النص المفتوح في اللوحة الضوئية، لا يعني كذلك سحب المعنى الى حدوده القصوى، واذا ما اختمر في مخيلتنا ملمح اولي عن المشهد فهو لن يكون بعيدا عن دلالته الواقعية .

ان الاستنارة بالفلسفة الواقعية للصورة نلمح فيها اعارة تبدو مجانية من المحيط، لكنها تكتنز في عمقها ضريبة الجودة المشهدية والتي يقف معيارها معاينا فنيا لكل الابعاد الرئيسة المكملة لفضاء اللمسة الضوئية،  فرؤيتنا للشيخ مثلا وهو يفتح أو يقفل الباب  ، يجسد بتلك الحركة البسيطة في وجه من وجوه التأويل الخروج  او الدخول من عالم الى عالم، ومن صدى ذكرياته البعيدة، الى حيث صخب الحياة المتجدد.

كذلك المعنى الذي ترمي اليه لوحة الخياط أو “التارزي “ليست منفصلة في ايحاءاتها العامة عن لوحة الشيخ، مثلما هي ليست بعيدة عن معطيات المكان أو محله المكتظ بالأقمشة المتناثرة من حوله، ان نظرة شاردة في الفراغ، تحاكي تجاذبات الزمن، والراسية عند تقلبات الحياة وهمومها، هي ذات اللحظة التي نعيشها كل يوم .

تتصل هذه الملامح بحكايا زمنية قد تتباعد مسافاتها لكنها تنحت  في جوهر المادة التوثيقية للحياة، والتي تبدأ من صورة الطفلة المبتسمة وتنتهي عند الجدارية الضوئية لبائعة الخبز، وتمضي مع سلسلة عديدة من الوجوه والاماكن والازياء بتنوعها المحلي والعربي، كسائح ضوئي يترجم بمخزونه  النفسي الهائل انعكاسات روح الاحساس الساحر بين الفنان والعدسة.

في أعمال سعاد اللبة، ربما تتوقف الكاميرا عند بعض الانفرادات الاستعراضية في أخد الزوايا، وهي وان كانت تترجم امكانات العدسة وقدرتها التقنية، فهي تعكس لنا روح المكان، خصوصا اذا ما كانت الوجهة شوارع المدينة القديمة بطرابلس .

وقد ساعد تناوب الضوء والظل بفضل الاقواس على رسم امتداد جميل للشارع، ومكن الضوء المتاح العدسة من الوصول الى أقصى نقطة ممكنة.

ان اللحظة المتفلتة التي تحاول  اللبة رصدها،  تظل في النهاية هدفا تطارده المخيلة باستمرار، وتستدعي ذائقتها الفنية لتثبيت ومضتها الهاربة من لمسة الزر، وتشاغل في مفازاتها فتنة الضوء اللعوب .

مقالات ذات علاقة

عاشق الألوان

ناصر سالم المقرحي

فسيفساء الفرح . . فن يصادر القبح

ناصر سالم المقرحي

تعرف على النحات الليبي عبدالله سعيد

نهلة العربي

اترك تعليق