المقالة

سعادة افتراضية

في مسرحية للكاتب الليبي منصور بوشناف، اسمها “السعداء”، تغرق شخصيات المسرحية في المصاعب وأوحال المستنقعات وتتنفس العفونة وتظل، مع ذلك، تصرح صارخة بأنها سعيدة! وفي قصة قصيرة جدا لكاتب مجري، اسمه اشتفان أوركيني، يصرح بطل القصة بأنه لم يعد يحلم بشيء. لأنه لو حلم بشيء فمعنى هذا أنه يعيش في عالم ناقص، وليس في عالم أمثل. وبما أنه يعيش في عالم أمثل فلم يعد يحلم بشيء.
هذا ما تسعى الأنظمة الاستبدادية إلى أن تجعل عليه شعوبها. وبما أن هذه الأنظمة تدرك أنها لا توفر أدنى مقومات العيش الكريم لشعوبها، وأنها لا تستطيع حمل هذه الشعوب على الإحساس بـ”السعادة الافتراضية” فتكتفي بحملهم على التصريح بسعادتهم علنا. خوف الشعوب من بطش حكامها المستبدين هو منبع تغذية أنظمة الاستبداد. فـ”لا يهمني إن كان الشعب يحبني، المهم أنه يخافني” مثلما كان الإمبراطور الروماني المستبد كاليغولا يقول.

والأنظمة الاستبدادية تعتمد، في استدوام سلطتها وتبرير مصادرتها للحريات العامة، العملَ على خلق الأعداء أو الإيهام بوجودهم، داخليا، وخلق وإثارة عداوات خارجية. ويتم الربط بين الداخل والخارج باعتبار المعارضة، أو المعارضات، الداخلية مُحرَكة من عدو خارجي، أو في أفضل الأحوال، متواطئة معه. فلا يمكن أن يعارض أحدٌ “أنظمة مثلى” مثل هذه إلا إذا كان مريضا نفسيا أو “مخلب قط” في يد عدو خارجي (وما أكثر أعداء الأنظمة الاستبدادية الخارجيين!).

أما سليمو العقل والوطنيون الخلص فلا يمكن أن يكونوا ضد أنفسهم، بالدرجة الأولى، وضد شعوبهم ورفاهها، فهي شعوب سادرة في الرفاه والسعادة! منَّ الله عليها، من دون العالمين، بقادة وزعماء أفذاذ يصبون جهودهم وقدراتهم العقلية الجبارة على تحقيق أمجاد هذه الشعوب وجعلها مثالا يحتذى (كان القذافي يقول بأن دول العالم ستقلدنا، وليس نحن من يقلدها، وأننا المثال الذي ستحتذيه).

بوجود الأعداء الداخليين المرضى نفسيا الذين يحسدون شعوبهم على نعيمها السابغ (طبعا يمكن القول بأن انتماء هؤلاء الأشخاص إلى العرق النقي، أو الأعراق النقية، لهذا الشعب مشكوك فيها) ووجود العدو الخارجي المتربص الذي يحرك صنائعه الداخلية يصبح من السفه العقلي أو تلبيس الباطل بالحق المطالبة بحرية الرأي وحق تأسيس النقابات والاتحادات المستقلة والأحزاب وحق الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات السلمية لأن هذا يفتت الجبهة الداخلية في مواجهة الأطماع والمؤامرات الخارجية. فـ “لا صوت يعلو على صوت المعركة” مثلما أعلن جمال عبد الناصر. وبوجود “قطار الموت الصهيوني” الزاحف تُصادر الحريات ويتم تكثيف الجهود لـ”إنتاج القدر الأكبر من السلاح واستهلاك الحد الأدنى من الغذاء”، مثلما كان معمر القذافي يشدد.

لكننا خسرنا أصواتنا ولم نكسب المعركة، بل خسرناها بسبب كتم أصواتنا، وجعنا دون أن ننتج شيئا، والسلاح الذي راكمناه طيلة عقود (ولم ننتجه) صرنا نقتل به بعضنا، ولا ندافع به عن أنفسنا، وندمر به مقومات الحياة في بلداننا، لا أن ندافع به عن مقومات الحياة فيها.

_________________

نشر بصفحة بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

نقطة اتزان بين المنطق والوجدان

علي بوخريص

جغرافية القيمة الليبية

نورالدين خليفة النمر

ثوار في ذمة النسيان

جمال الزائدي

اترك تعليق