المقالة

ستعلمنا الحرب ..

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

 
لا شيء يجري عبثا في هذا الكون.. ثمة قوى مهيمنة تفرض قوانينها على الاحداث وتنظمها في سلسلة واحدة.. نحن المؤمنون نعرف أنه الله.. وآخرون يختلفون في التسمية فيقولون انه “اللوغوس”.
 
البراكين.. الفيضانات.. الزلازل المدمرة.. كلها كوارث غالبا ما تخلف مآس وأحزان تطال حياة الناس.. لكنها ضرورية لإعادة ضبط إيقاع الطبيعة.. هكذا يقول العلماء الراسخون في العلم ممن لا تشغلهم الاضرار القريبة العابرة بقدر انشغالهم بالغاية النهائية لكل ما يحدث..
 
على هذا القياس يمكننا أيضا مقاربة حدث مأساوي متكرر في تاريخ البشرية الدامي.. ونعيشه اليوم في بلادنا بكل تفاصيله البائسة التي تنحت في العقل والوجدان الجمعي الليبي أخاديد خبرة جديدة لا شك أنها ستغير بعد حين في وجه الحياة وفي منظومة القيم نفسها. إنها الحرب.. الحرب دون إضافة، أو حفر “أركيولوجي” لتبريرها وأسننتها، أو محاولة إسباغ القداسة أو حتى إدانتها.. الحرب بصفتها المجردة، بفاعليتها الحياتية التي تنعكس على مصير ضحيتها.. قتل وإعاقة وتشريد وضياع أرزاق وفقر وعوز وانهيار علاقات.. هذه قصة الحرب كما يعيشها الناس في الواقع وهذه قصة الحرب كما لن تكتبها أقلام المشعوذين من إعلاميين ومؤرخين..
 
في تجربتنا التي نكابد ..ستنتهي الحرب يوما بغض النظر عن نتيجتها ..يموت من يموت ويغادر من يغادر ..لكن الذين لم تنقض آجالهم ويصمدون في اماكنهم سيكابدون آثار ما بعد الحرب التي تشبه كثيرا آثار ما بعد السكر ..سيعيد الليبيون الذين نجوا من المذبحة التي بدأت منذ سنوات والله وحده يعلم متى ستنتهي ، تقييم منظومتهم الأخلاقية ، وسيتعرفون – بلا اوهام أو شوفينية مريضة – على رصيدهم الحقيقي من الرحمة والتسامح والانسانية ..سيتذكر الناجون الذين نزحوا من قصر بن غشير ومن مشروع الهضبة ومن طريق المطار ومن وادي الربيع ومن عين زارة ..كيف عاملهم اخوانهم اصحاب البيوت البعيدة عن القصف وكيف انهم لم يستغلوا ظرفهم وحاجتهم ويفرضوا عليهم أسعار مبالغ فيها مقابل الايجار مع شرط دفع 6 أشهر مقدما. وستتذكر المرأة النازحة كيف ان موظف الإغاثة الحكومي او المتطوع كان من النبل بحيث لم يفكر بابتزازها ومساومتها من اجل الحصول على حفاضات أو اكل لأطفالها. سيتذكر الطفل أنه لم يحرم من تلقي العلم والمعرفة يوما رغم كل الظروف ولم يشاهد باب مدرسته يغلق بأكوام من التراب والحجارة لأن معلمه لم ينتهز لحظة ضعف الدولة ولم يختلط عليه الامر في التمييز بين الحق والواجب..
 
 
كل هذه الذكريات ستعلم من بقي منا التواضع.. ولن تسمح لنا من جديد بالاستسلام لوهم أننا أفضل من جيراننا العرب والافارقة.. سنعرف بلا لبس، ان كون الواحد منا “ليبي” فهذا تعبير عن حالة قانونية مرتبطة بالجغرافية السياسية وقانون الجنسية وليس امتيازا جينيا وهبته لنا الطبيعة لتضعنا تاجا على رؤوس بقية الشعوب.. فنحن لسنا شعب الله المختار ولسنا الشعب الذي أبهر العالم.. نحن مجرد بشر يعيشون تجربتهم القاسية ويأملون ان يخرجوا منها بدرس مستفاد..

مقالات ذات علاقة

الرزنـــامجـتـــــان

خالد درويش

تأملات كتابية

عبدالقادر الفيتوري

قدسية اللغة

المشرف العام

اترك تعليق