المقالة

سالم العوكلي.. أجراس في شَعر الشِعر

أو ستون العوكلي

الشاعر سالم العوكلي


يحتفي التاريخ لهذا اليوم الموافق 2 نوفمبر بذكرى ميلاد الشاعر الكبير “سالم العوكلي” وبلوغه عامه الستين، هذا الشاعر الوثّاب الذي مَوسق اللغة على جبين القصيدة فصارت تَقطرُ ندىً يعشوشب على مساء القمر، لمحناه من طرف السُور يُعانق قطة ويُسرّ لها بحروفه البِكر، فإن أبوابه الموصدة تُسبّح بحمد المصابين والعطشى، للمرايا وقار لازورديّ لا تهنأ برقصة واحدة! كثيرون هم الشعراء لكنّهم قليلون حينما يُسرِجون صهوة الريح ويتلقفون أمطار السماء بصيغة قُبلةٍ حرّى.

(فتاتك المستحيلة
تهدر جسدها في حجرات القياس
والخمرة المغشوشة لا تكفي لغيابك
ما أن يراك الآخرون
حتي يتجرعوا قامتك.. ويترنحوا)

المستحيل حين يراود مرآة القصيدة قد يظهر غبشًا ويُفسّر على نحو عاصف يقتلع خلفه الأحلام الممكنة التي لولا شبح المستحيل في مخيال العوكلي لسارت كبطة عرجاء! كم من طحين حاول التسرّب من ثوبه المضجر؟ لم ينتبه أحدهم إلى أن الطحين كان يخوض ثورته المدماة حين أعلنوا في خبر عاجل عن تسوّسه ؟!، تُرى هل يُحسّ التاريخ بوقع الميلاد؟ هل ينجو الحنين من التورّط في قشعريرة الالتباس ما بين ميلاد الشعر ومخيال الشاعر؟ هل يُدرك حقًا؟ أم أنه يحاول استدراك الوقت ليجعل الأمر بداهة يعلكها فم صبي؟.

(عليك ما عليك
قبل أن تقابل
– وجهًا لوجه –
وجهك النحيل
جرح بحجم المرآة
 لا مكان فيه لتأدية الحب)

المرآة وجه لا يكاد يتحطم في شوارع الشاعر لِمَ تحولت المرآة لقياس حجم الألم ؟ وكناية عن وجهٍ هزيل ؟ المرآة كان يجب أن تتحطم كي ينهار الأمل الكذوب ؟ المكان جالب للأمل لدى مفردة العوكلي فبين فخذيّ المكان يستقيم للعوكلي أن يتهجأ ليلكه الفوّاح وأثير هزيعه الأخير .

 (نافذة في آخر الممر
تسقط وقع الأحذية المدبلجة
وصحراء تتورم في القلب
والخارطة)

لماذا قررت القصيدة في عنق شاعرنا أن الوطن جسد فاره ؟ ونميمة تقبل التأويل ؟ كيف مرّ علينا الحوار الحضاري وسط مسافة يتدثرها حذاء السؤال المقبل ؟ لا ندري ! ربما كل ما ندريه أو نرغب في درايته هو أن الشاعر سالم العوكلي يلضم آهاته كما يُربّت على قسوة لحيته البيضاء.

ستون عامًا جرّتها الأيام إلى عوسجة خضراء بحقائب تقطع تذاكرة العودة نحو ثِقلٍ ضاهى خفة ريشة وريشة حمتها صور الذكريات من الانفلات المدمى، وكفاه من الله سبيلا إذ بين كفيه نبيّة قادمة كفيروز.

أمازال للشعر بيت يأوي إليه !
سالم العوكلي

في لالي،
قرب حوش الحطب المهيأ للرحيل،
شاء الليل أن أستأنس العالم في هودج من البكاء
دون قابلة، ودون زغاريد
كان ممكنا أن تذبل النطفة على حاشية الغطاء
أو تخصب في أرض بعيدة
مخاض دون رطب
غربة دون بئر
بكاء أستأنس به رحيق الضوء
وهوية في الجيب
وهم أعبر به الثقوب .

حين كنت في المرحلة الإعدادية، أدار علينا المعلم سؤالا عما نرغب أن نكونه حين نكبر، وحين جاء دوري قلت له: شاعر. فقال لي بغضب: الشعر ليس مهنة، قل شيئا آخر ذا جدوى. ولم أكن قد فكرت في خيار آخر، وبتلقائية قلت له: طياراً.  رغبتان لم يكن يجمع بينهما سوى التحليق فوق السحاب . وكانت قصائدنا، أو بعضنا، أو قلة منا، تحلق فوق السحاب، في سديم لا متناهٍ من أحلام اليقظة. كنا حقا فوق السحاب، وحين لامسنا الأرض فجأة هالنا ما رأيناه ، قبور تتكاثر دون هوادة في تراب أرضنا الذي كم تغزلنا فيه، وفوهات نارية مصوبة إلى كل أحد ولا أحد، وأصوات في كل مكان تندب وطنا ضاع في اللحظة التي عثرنا فيها عليه .

لا أعرف متى بالتحديد، أو أين التقيت بهذا الكائن الغامض الذي اسمه الشعر. استطيع أن أخمن تقريبا زمنه ومكانه عبر فسحة من التوق،آنذاك، لأن يكون لأحدنا شرفة ما يتلصص منها على حلم الإنسان ووهمه في الوقت نفسه.

كان الزمن سبعينيات القرن الغابر، وكان المكان خلاءً مزدحما بفراغ مترامي الأطراف. هناك وحينذاك تعلمت أن أوشوش الكائنات القريبة من توقي، وأن ألاحق بعناء ودهشة تلك الكلمات المرتبة بعناية على الورق الأبيض، وأُغبط مهندسيها على حنكة التلاعب بالمفردات وبالمعنى. تلك الكلمات الأليفة التي تطرق أسماعنا بجلافتها في مناهج التاريخ والجغرافيا والمطالعة، كيف تتحول بكيمياء عجيبة إلى نغم نتسكع فيه مفعمين باللذة والطرب، وبعطر على حوافها ثري الإيقاع؟. أحببت هذه الشعوذة الكلامية ، وسقطت في حبائل هذه الكيمياء الساحرة التي تحيل الكلام المبتذل إلى نص يرقص في الورق، ونحفظه عن ظهر قلب.

كان الشعر رسائلي المشفرة إلى حبيبة مفترضة، وغزلي الأول في صداقات لم اكتشفها بعد، ومديحي الهامس لكل ما من شأنه أن يجعل الحياة أجمل. وكان، مع ذلك، أشواكي الحادة التي استنفرها كالقنفذ كلما أحسست بالخطر أو بالخوف.

يراودني إحساس ـ يدفعني الآن للضحك، أني بهذه الشعوذة الساذجة حسبت نفسي قادراً على أن أجعل هذه البقعة المنسية من العالم أفضل، ويمكنني بهذه الكلمات المنتقاة، والمرتبة على يمين الصفحة بعناية، أن أقصف رتل دبابات تسرب في غفلة من التاريخ إلى شوارع أحلامنا وغرف نومنا.

كنتُ، أو كنا، العديدَ من الشعراء الموقنين من جدوى الشعر، نعتقد أن ليبيا محض غزالة شردت وتاهت في أحراش لا تَخبرها، وإن ما يحدث استثنائي، وغير وارد وفق منطق الكلمات المنتخبة والمرتبة بعناية ، وإن هذا الوطن الطفل، الطيب حد الدروشة، اختُطِف حينما كان عائدا إلى بيته من حصة التاريخ في نهاية يوم مدرسي. تغزلنا في قوس قزح كاستعارة باهرة ومثيرة عن التعدد في زمن سطوة اللون الواحد، واستدعينا ذخائر الذاكرة، من الملاحم، والأساطير ورموز التمرد والخصب والقيامة، واستلهمنا حقائب التلاميذ المائلة على ظهورهم وهم يمشون مرحا صوب المستقبل .

عبر كل هذا الإصغاء الورع كنا ندرك أن حدثا كبيرا سيحدث استجابة لأدعية قصائدنا، وسيُصرح كل شاعر (كمشعوذ ناجح) بأنه تنبأ بيقظة الربيع المجنون في قصائده .. وتلك الشعوذة الشعرية تدين بنجاحها لشعوذة التاريخ نفسه الذي ينتصب كجدار معتم خلف لوحاتنا الشعرية.

فهل يغدو للشعر مكان وسط هذه الفوهات المتثائبة قرب أَسِرتنا ؟ وهل ثمة فرصة للقصيدة حين تختطف نشرات الأخبار كل صنوف الاستعارة والكناية والمجاز؟ هل ثمة حظ للشعر حين تصادر رصاصة طائشة، أو غير طائشة، الخيالَ، كل الخيال؟.

لعل اللغة المختطفة ستعود يوما لبيتها في القصيدة بعد أن تدفع الفدية، ويكتب الشعراء السعداء في وطنهم السعيد عن : ربيع حقيقي عبّر عن نفسه بفراشة هبطت بأمان على كراسة تلميذ في الحصة الأولى، أو عن غزالة ترتع العشب في ريف المدينة دون أن تجفلها رصاصة، أو عن أم تنتظر أبناءها على العشاء وهي على يقين أنهم سيأتون في الموعد، أو عن موسيقى تتهادى من بيت ريفي صغير تحيطه أشجار السرو وتنمو على عتبته أزهار المانديليا، أو عن امرأة ليبية تسير في الشارع، منتصف الليل، دون خوف، أو عن جارة تطرق بيت جارتها بصحن حساء ساخن، أو عن شاعر مات كما يشتهي وترك قصائده عن الفراشات والأمومة والموسيقى وحبيبته التي كانت تسير في الشارع إلى موعدها دون خوف.

مقالات ذات علاقة

فرادة ظاهر الاشتقاق في اللغة العربية

عمر الككلي

نشوة الدكتوراه

عادل بشير الصاري

تاء مربوط

محمد الترهوني

اترك تعليق