من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
قصة

زينوبة

من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه

“هكي يغسلوا الدوارة.. تعالي زودي شديّ معاي وشوفي”!

كان عليّ أن احتمل تلك الرائحة الكريهة، أُمسك ببطن الخروف الرخوة الدافئة، تبدو على وجهي علامات الامتعاض، أضبط تنفسي، أحاول أن أشيح بوجهي، تباغتني ” اشبحي باهي.. حيه عليك، يجيك يوم وتحصلي فيها بروحك”. أتخلص من تشنجات وجهي  ومحاولات التحكم في تنفسي وافرج عن رئتي، وأفتح عينيّ وأراقب جيداً كيف تنظف أمي ” الدوارة”.

  • “علاش سموها دوارة يآم”؟

تفرج الأم عن أسنانها لتتلألأ سن ذهبية جانبية، وتضحك.

  • ” دوارة زي هالدنيا يا بنيتي”.

انظر إليها وأفرح.. قلما تضحك أمي المنهكة طوال اليوم.

ترفع عينيها فيّ، تعبس وتقول” اشبحي باهي”!

أقضي ذلك اليوم اتفحص وأتابع وأساعد واغسل…

عرفت أنني كبرت حين استلمت السكين من يد أمي، وبدأت في القيام بالمهمة الأولى لوحدي.. “التقريض”.. مرحلة الوعي وبعض من المسؤولية. بدأت قطع الخضروات من معدنوس وبصل أخضر وكسبر ونعناع…لكن لم تعهد لي مهمة غسيلها. كانت أمي تحرص على أن تقوم  بعملية غسل الخضروات بنفسها.. – ” ردي بالك من غسيلها ردي بالك.. راهو كان غزغزت في الفم خلاص…” تشير الى صندوق القمامة، وتتابع ” الكناسة طول… ردي بالك”.

تفك وثاق المعدنوس الأخضر، تغطسه في صحن معدني مرات عديدة.. تقص أقدامه، تضعه في المصفى وترسل به إليّ.. ” قرضيه صغير ما تكبّريش”. أما البصل الأخضر ممشوق القوام، فتنزع قشرته الخارجية اللزجة، تفرج ما بين أصابعه، تناديني ” تعالي.. افتحيه باهي واغسلي مابين وريقاته”.. افتح عينيّ واهز رأسي بقوة لأثبت لها أنني أتابع حركاتها ووصاياها.

في مرحلة عمرية اخرى، توليت قطع ” المعلاق”، بدا لي الكبد متماسكا سهل الانقياد والتقطيع. تغرق يداي في الدماء، ينساب الكبد بين يديّ، أقطعه قطعاً طولية ثم قطعاَ صغيرةَ رخوةً ورطبةً. استمتعت بقطعه على عكس الرئتين، رغم لونهما الوردي، إلا أنهما كانتا تفلتان من بين يديّ وتستعصيان على السكين، لا ينصاعان لأصابعي إلا حين ينغرس السكين بين الشعيبات الهوائية، تحدث صوتا ويسهل قطعها. أما القلب، فينتابني شعور بالرهبة وأنا أمسك به.. صغير مقارنة بالقطع الأخرى، لكنه قوي وشديد التماسك، أشقه واتفحص تركيبته واستعيد دروس العلوم وأنا أقلبه، ثم ادفع بنصل السكين واقطعه ارباً، لا يقاوم لكنه لا يستسلم كالكبد ويظل محتفظا بتماسكه.

  • ” قطعي القرجوطة وحطيها مع العصبان.. بنينة راهو”

انتقلت إلى المرحلة العمرية الثالثة حين أوكلت لي المهمة الصعبة والأساسية ألا وهي غسل ” الدوارة”، كانت الدنيا قد دارت دورات عديدة، وفي كل دورة أوجه لتفحص عملية الغسل، ثم أساعد فيه، حتى وصلت إلى هذه المرحلة المهمة من عمل “العصبان” وتوليت وحدي مهمة تنظيفها. لم أعد اعبأ بالرائحة ولا بجوفها، احكها مرارا حتى احيلها إلى بيضاء ناصعة. كأمي أتصبب عرقا، أكز على أسناني، أضغط بذراعي على أصابعي، تبلل صدري المياه، وأقف لساعات طوال حتى يستوطن الألم عمودي الفقري، واتأوه ليلا وأنا ابحث عن وضع مريح اعبر به ليلي.

لكن دوران الدنيا كان أشد وطأة على أمي.. تعبت ركبتاها بعد أن تمكن منها الروماتزم.. تقهقرت إلى المرحلة الأولى، جلست على الأرض، أمام الطاولة الخشبية، استبدلنا المواقع تولت أمي مهمة قطع الخضروات.. في حين توليت مهمة غسلها، وكانت أمي في كل مرة، حين اضعها أمامها، تبلل بها لسانها أو تقضمها قبل قطعها لتتأكد من خلوها من حبيبات التراب.. “ماشاء الله عليك.. بنت زينوبة حق”.

وهنت أمي، صغر حجمها، انحنى ظهرها، تجلس وتنهض بصعوبة وهي تردد ” ووك عليا .. وانا حية”، يشاكسها النوم وهي جالسة ويباغتها في أوقات غير متوقعة، لكن صوتها مايزال عاليا، وضحكتها ذات رنين، كما وانها ماتزال قادرة على الإمساك بالسكين والقبض عليه والضغط به على رقاب الخضروات.

قادرة أيضا ومستمتعة برش البهارات التي تعلق بفتحتي أنفها وتدفع بها إلى نفث عطسة أو عطستين… تغمرها سعادة فائقة وهي تقلب الخليط بألوانه المختلفة بيديها العاريتين وهي تردد “ماشاء الله.. ماشاء الله”.. تربت عليه وتعلن ” هيا زودوا احشوا المصارين والكرشة”.

المرحلة الأخيرة التي تجتمع عليها كل الأيادي، المتعرقة و”المبطبطة” و”المعضمة” والصغيرة والرفيعة… المهم أنها كلها لامعة ونظيفة..

تشرف أمي على عملية الحشو، تلمع سنها الذهبية، تضحك وتهلل، تثقب جدار “المصارين” المحشوة.. تقف مزهوة بيننا.. لم تعد قدماها تحملانها، “ولى عليا تعب السنين… يا ما كنت ندير.. الله غالب”..

انطفأت أمي ذات صباح، وفشلت كل محاولات إشعال قلبها من جديد.. ذاك القلب الذي خبرته لسنوات وهو يدفق حبا وحنانا بكلمات قليلة وأفعال كثيرة.

تعاقبت الأعياد، بذات الوتيرة لكن بصخب أقل.. لم يكن صوتي عاليا كأمي ولا أوامري مستجابة دون نقاش، واستبدلت الأدوار بيني وبين ابنتي، التي قررت التخلص من بعض أجزاء الدوارة على مضض مني.

في هذا العيد، انضمت الينا حفيدتي زينوبة، مددت إليها السكين، اشتعل الضوء في عينيها، ورأيت في حركتها رقصا على صوت إيقاع ينبعث من عملية “التقريض”.. جلست أراقبها، ترفع عينيها وتنظر اليّ باسمة تستحث كلمات التشجيع..

-“سلم والله زينوبة طالعة لإميمتها”.

 

30 أغسطس 2017

مقالات ذات علاقة

ليلة في حراسة الحمير

المختار الجدال

المثلث

جلال عثمان

القمة

محمد المسلاتي

اترك تعليق