د.أحمد إبراهيم الفقيه في قورينا.
المقالة

زيارة الى حدائق أبوللو في قورينا الليبية

د.أحمد إبراهيم الفقيه في قورينا.

عندما زرت منذ اشهر قليلة مضت مدينة شحات الاثرية، او قورينا كما هو اسمها التاريخي لدى الاغريق القدماء، كانت ما تزال تدرف الدموع السخينة على رحيل ابنها الجميل ومدير متحفها وآثرها لعدة عقود المؤرخ الليبي الجليل الدكتور فضل على محمد الحاسي الذي يعرفه العالم باسم فضل القوريني ، والذي كان على مدى عدة عقود مراقبا لاثار مدينة شحات يعمل باخلاص وداب وبحس وطني وولاء لبلاده وتاريخها وحضارتها، طوال حياته العملية، باذلا جهده لصون هذه الاثار من العبث والتلف وعمليات السطو واللصوصية ، ونجح في استعادة قطع من الاثار تم تهريبها الى خارج الحدود، ونال اعتراف الاوساط العالمية المعنية بعلوم الاثار بمهاراته وامكانياته ونال وساما من اليونان البلد الذي تلقى فيه العلم واتقن لغاتها القديمة التي كان يستخدمها في فهم وشرح الوثائق التي تتحدث عن الاثار الموجودة في ليبيا، وكان لي لقاء قديم في شحات مع هذا العالم الجليل لم يتجدد بعد ذلك للاسف الشديد رغم عديد المحاولات من طرفي، فقد سافرت مرتين لزيارة شحات قبل رحيله وكنت احاول ان القاه ولكن الحظ لم يسعفني بلقائه، وفي ذلك اللقاء القديم الذي مرت عليه عشرة اعوام، اسعدني ان اجد رجلا من ابناء الوطن، يمتليء غيرة على اثار بلاده ويغضبه ان هذه الاثار لا تلقى من السلطات اي اهتمام ولا تبدي اي حرص على صيانتها ، وكان صريحا في الحديث عن ذلك، وحدث وبحضور عدد من الزوار، ان ورد ذكر الاثار التي لا تزال مطمورة تحت التراب، وتساءل بعضنا عما اذا كان هناك فكرة لحفر هذه المناطق والكشف عن الكنوز الاثرية المدفونة تحت الارض، لان الدكتور فضل نفسه قال ان هناك تحت الارض اضعاف ما هو فوقها من الاثار، فقال وبمنتهى الصدق والصراحة انه لا يتمنى ان يتم الحفر الان، وانه شخصيا لن يبذل مساعيه في مثل هذا المجال، بل بالعكس من ذلك، سيسعى لان تبقى هذه الاثار مطمورة تحت الارض، لان اخراجها الان هو سبيل لاضاعتها، ولهذا فالافضل ان تبقى هذه الاثار في مكانها العميق في باطن الارض حتى ياتي عهد اخر يعرف قيمتها ويحرص على صيانتها ويدرك اهمية استثمارها واظهار التاريخ المجيد لبلادنا وتقديمه لاهلها وزوارها.

ومما سمعته منه في تلك الزيارة البعيدة ، انه كان موجودا في الجبل الاخضر، آخر ايام العهد الملكي، وانه التقى في شحات برجل المال والاعمال اليوناني الشهير المرحوم اوناسيس ، وانه كان يحضر في طائرة عمودية كل اسبوع ليتفقد المواقع في الجبل الاخضر القريبة من البحر لاقامة منتجعات سياحية كان قد قدم بها عرضا الى الحكومة الليبية ووافقت له على اقامة هذه المنتجعات التي ستجعل من ليبيا قبلة للسواح، وبداية ازدهار صناعة السياحة لتكون موردا اضافيا من موارد البلاد، الا انه قبل ان يباشر بناء هذه المنتجعات قام الانقلاب ، وقفل ملف هذه المشاريع السياحية ، وتوقف اوناسيس عن المجيء الى الجبل الاخضر.

لم يكن غريباً أن تحوى مدينة قورينا الأثرية، التى تتربع فوق هضاب الجبل الأخضر بالجزء الشرقى من ليبيا أكبر معبد فى العالم لأبوللو، المؤله الاغريقي الذي عهد اليه اليونانيون القدماء رعاية فنون الموسيقى والشعر والنبوءات عندهم ليس فقط لأنه أحد أهم الآله الوثنية فى الأساطير اليونانية، ومعبده فى دلفى كان أهم معابد اليونان وأكثرها تقديساً فى العبادات القديمة، وإنما أيضاً لأن هذه الربوع الخضراء التى تمتد من بنغازى إلى ما بعد مدينة درنة شرقاً،
أخذت اسمها من أسمه ونسبتها كتب الشعر والتراث إليه، فسميت حدائق أبوللو المقدسة، وكانت آلهة الإغريق الوثنية وعر افات معابدها، تنصح الناس بالذهاب إليها ((خذ حبيبتك إلى حدائق أبوللو المقدسة، حيث تستقبلك الربة ليبيا فى قصرها الذهبى )) كما يقول أحد النصوص القديمة، وما زال بهو الأعمدة الرخامية لهذا المعبد، صامداً يتحدى الزمن، ويشير إلى ثراء وشموخ التراث الإنسانى الحضارى الخالد الذى تضمه ليبيا ٠

وبين حدائق أبوللو المقدسة، قضيت أسبوعاً مبهجاً، زرت فيه عدداً من المدن الأثرية، ومواطن الجمال والطبيعة الفاتنة، ورأيت وجهاً مشرقاً وجميلاً ، حافلاً بألوان االنباتات البرية والاشجار الحوشية البعلية وعطرها وعبيرها، وجها لم أره منذ ليس متاحا الا في مثل هذه البيئة الجبلية الغنية بغطائها النباتي النادر في اشجاره واعشابه ونباتاته وزهوره، والذي اشتهر في عصر الامبراطورية الاغريقية ثم الرومانية بعشبة السيلفيوم التي كانت تطبع على العملة لانها عشبة يقبل العالم على شرائها ويشكل تصديرها وبيعها في اسواق العالم موردا من موارد الدخل القومي لقيمتها الطبية والغذائية، وهي عشبة انقرضت منذ عدة قرون مضت.

حظى الجبل الأخضر بوصف جميل من أعظم مآثره أدبية فى التاريخ البشرى، وهى الإلياذة، عندما نصحت عرافة دلفى، مغامراً يونانياً اسمه “أرسطو” بأن يذهب إلى الجبل الأخضر، حيث جمال الطبيعة وغزارة الأمطار وخصوبة الحقول ووفرة المراعى التى يرتع فيها الماعز الوحشى، هكذا أوصت العرافة الشهيرة ذلك الرجل، الذى جاءها حائرا يطلب مشورتها، كما ينقل لنا الشاعر هوميروس فى إلياذته الخالدة، وهكذا جاء هذا القائد اليونانى برفقة عدد من رجاله، وأنشأ علاقة طيبة مع السكان الأصليين عن طريق المصاهرة، وتمكن بمساعدتهم من إقامة حكم استمر
عدة قرون، واتخذ لنفسه اسماً ليبياً هو “باتوس” أى الملك، توارثه الملوك الذين جاءوا من بعده، قبل أن تصبح قورينا جمهورية تابعة للإسكندر المقدونى، ثم بطليموس الأول، ثم تقع تحت حكم قياصرة روما، وخلال المر حلة الإغريقية نشأت حضارة كانت صنواً للحضارة الأم فى أثينا، واشتهرت المنطقة بالمدن الخمس “بينتابوليس” التى لا تزال آثارها موجودة فى مدينتي طليمته وطوكرة ، وايضا مدينة بنغازى التي كانت تسمى هوسبيريديس” ومدينة المرج وكانت تسمى “برقة” وشحات اي قورينا وكانت هي عاصمة الإقليم، ولا تزال إلى هذا اليوم أحد أكبر المدن الأثرية فى
العالم، بمسارحها الأربعة ومعابدها الكثيرة وأسواقها وحماماتها ومقابرها، ورغم الطابع الغالب للحضارة الإغريقية فى هذه المنطقة، فإن هناك آثاراً تركها الليبيون القدماء، من بينها كهوف “وادى الكوف ” الشهيرة، ذات القيمة الأثرية الكبيرة، حيث يرجع بعضها إلى تسعين ألف عام، وكانت موضع بحوث ودراسات لعلماء وباحثين أضاءوا من خلالها مراحل مجهولة من التاريخ الإنسانى، وهناك آثار فرعونية وأخرى رومانية، وبجوار معبد أبوللو هناك معبد لآمون وآخر لجوبيتر، وتماثيل لأرباب وملوك من الحضارات القديمة المختلفة، قبل أن نأتى إلى الأديان الحديثة، لنجد أن إحدى المآثر المسيحية الخالدة موجودة بهذا الجبل وهى كنيسة القديس، مرقص، صاحب الإنجيل الثانى، وأول أسقف للإسكندرية ومؤسس الكرازة المرقسية فى مصر، وهى أحد أول الكنائس فى العالم، لأنها بنيت عشية صلب السيد المسيح عليه السلام، دون حاجة للحديث عن قيمة المواقع العربية الإسلامية ومعارك الجهاد، مثل ضريح الصحابى رويفع الأنصارى، ومعارك شيخ الشهداء “عمر المختار”٠

شعراء كثيرون جاءوا لزيارة قورينا قبل الميلاد، لتخليد مآثر تلك العهود وتمجيد الطبيعة وجمالها، كان أشهر هؤلاء الشعراء الشاعر بندار، الذى خص منطقة الجبل الأخضر بعدد من أجمل قصائده التى وصف فيها سباقات الخيل
والعربات، وتغنى فيها بجمال الطبيعة وقدم تسابيحه ومدائحه لربات الخصب والجمال والغلال والحب والربيع التى باركت هذا الجبل وحبته بكل هذه النعم.
كما كان الشاعر والكاتب كاليماخوس، مسرفاً فى تمجيده لهذه الأرض، لأنه بها ولد وتربى وعاش القسط الأكبر من عمره، راعيا من رعاة النهضة الثقافية فى فورينا، إلى أن انتقل فى مرحلة لاحقة إلى الإسكندرية، ليكون أميناً لمكتبتها التى كانت أعظم مكتبة فى العالم، كما زار هيرودوت – أبو التاريخ – منطقة الجبل الأخضر، واستوحى من هذه الرحلة، كتابة الرابع المسمى “كتاب ليبيا” وقد باشر الفيلسوف الكبير عبد الرحمن بدوى إصدار سلسلة كتب عن كتاب وفلاسفة قورينا، أصدر منها ثلاثة كتب وما زال الباقى ينتظر باحثين شباباً لإكماله ٠

وعلى مدى هذه العصور لم تفقد الطبيعة فى هذه المنطقة جمالها وفتنتها وقد زارها منذ ما يربو على مائة عام كاتب فرنسى هو الرحالة جان ريمون باشو، وقال فى كتابه “رحلة إلى مرمرة وقورينا ٠ واصفا الجبل الأخضر بأنه لولا أشجار النخيل ا لتى ترشق رؤوسها فى الأفق لظن نفسه موجوداً فى شواطىء الكوت لازور، حيث أجمل مناطق الجنوب الفرنسى ٠

الفرق بين هذه الشواطيء، وشواطئ الريفييرا الفرنسية، هو أن هذه المواطن الحافلة بالجمال فى الشاطئ الليبى، ما زالت عذراء، باقية على حالها كما راها شعراء ما قبل الميلا د، لم تصلها حمى الاستثمار السياحى التى انشغل بها العالم فى العقود الأربعة الأخيرة وإن وصلت إلى سهولها وغاباتها يد التقنية الحديثة، فاستصلحت الأرض وأحالتها إلى مزارع حديثة وحقول لزراعة القمح والشعير، وجعلت منها سلة لتغذية ليبيا بهذه الغلال والمحاصيل ذات الطابع الاستراتيجى٠

يملك الجبل الأخضر إمكانات سياحية هائلة، تنتظر الخطط لاستغلالها، ولقد كنت حائراً بين وجدانى الأدبى الذى يريد لهذه الشطوط أن تحافظ على بكارتها ولهذه الطبيعة الحوشية أن تبقى على نقائها وفطرتها وعنفوان صخورها وأحراشها وهمجية زهورها وأشجارها، بعيداً عن فنادق النجوم الخمسة، ودكاكين الوجبات السريعة وبوتيكات الدمى والألعاب المصنوعة فى هونج كونج، وبين واجبى كمواطن يعرف أن هذه الربوع يمكن أن تقدم دخلاً للخزينة الليبية يوازى دخل النفط ويتفوق عليه، دون أن يكون ذلك بالضرورة على حساب بيئة الجبل الأخضر النظيفة وطبيعته الساحرة إذا ما أحسن التخطيط والتجهيز لهذا الاستثمار السياحى القادم ٠
الاستفادة من هذه الثروات الطبيعية ووضع الخطط لاستثمارها على أفضل الوجوه.

مقالات ذات علاقة

كلمات الحق.. لا تموت

محمد عقيلة العمامي

تأثير عميق، كتابة قليلة

عمر الككلي

إذاعة طرابلس وفيروز

فاطمة غندور

اترك تعليق