فيروز - يا طير يا طاير
قصة

زهـــرة

فيروز - يا طير يا طاير
فيروز – يا طير يا طاير (الصورة عن الشبكة)


يوم صيفي قائظ. أُفيق من قيلولتي على صوت فيروز. أشعر ببرودة المكيف المنتشرة في أرجاء الغرفة. نوفل أمامي بوجهه البريء وعينيه اللامعتين يراقبني ويبتسم. عند أول خطوة لي خارج الغرفة أشعر بهواء المكيف القوي أكثر برودة وانتعاشاً.
صوت الأغاني وهي تصدح من “روتانا” في تلفزيون الصالة. قاسم يلعب بسياراته الكثيرة المبعثرة التي يعشقها. كراساته وألوانه مبعثرة أيضاً.
حيان في عجلة من أمره للذهاب مع أصحابه إلى بقعة من الأرض قاحلة يسمونها “الملعب”. نوفل يلحقني إلى المطبخ، وأنا أجهِّز قهوتي، ليبدأ حديثه المعتاد عن أحلامه. سيكون رئيس ليبيا. سينظّف ليبيا ويزرعها بالورد. سيتزوج ويكون عنده بنية اسمها زهرة:
ـ زهرة شعرها طويل هلبة مش زي شعرك، ماما. شعرها ناعم وطويل. لما تفتحه يغطيها بالكامل. ولما تمشي في الشارع، الورد يتخبّل في شعرها. الورد في كل مكان، في كل مكان، ماما.
ـ شوف خوك قاسم، مرات يخربش الحيط بالألوان.
يجري فرحان ويرجع يبتسم:
ـ لا، لا. يرسم في كراسته. ما تخافيش ماما، يرسم في كراسته مش عالحيط.
ويستمر:
ـ ليبيا حتكون نظيفة وكلها ورد، ورد، ورد. الورد في كل مكان، في كل مكان.

أستمع لنوفل من غير ما أردّ. وبعد أن أجهّز القهوة، آخد فنجان قهوتي وأمشي إلى الصالة. وأنا جالسة على الكرسي يُسرع نوفل في سَحْب طاولة من الطاولات الصغيرة. يضعها أمامي وهو فرحان. بيديه الصغيرتين وأنامله الرقيقة يحاول إخلاء الطاولة من الأشياء الموضوعة عليها. بوجهه البشوش يقول:
ـ تفضلي، ماما، حطي فنجانك عالطاولة. تفضلي.
ضجيج الأغاني المنبعثة من التلفزيون بلا انقطاع، صوت فيروز المنخفض المنبعث من غرفتي، أحاديث نوفل التي لا تنتهي، مع فوضى الأشياء من حولي… ورائحة القهوة تضفي على أجواء بيتي نكهة أحبها.
ينصرف حيان بعد ما يكون قد بذل مجهوداً لجمعِ جزء من ثمن قنينة ماء كبيرة يشارك بها أصحابه. يتنقل قاسم بين اللعب بسياراته والرسم في كراساته، وأحياناً على الجدار إذا لم أنتبه.
نوفل إلى جانبي، بكامل الهدوء والثقة يحكي عن أحلامه. يحكي عن ليبيا الجميلة، النظيفة، المليانة ورود.
أنا أرتشف قهوتي وأُصغي بصمت. يستمر نوفل يحكي ويحكي ويحلّق بأحلامه وهو يعزف على الأورغ أخر قطعة تعلمها في درس البيانو.
شتاء قارص، برد شديد. منذ شهور لم أر الشمس. أفيق من نوم تملؤه الكوابيس. شيء جاثم على صدري. يخفف من حدته غناء نوفل المصاحب لموسيقى وغناء فيروز المنبعث من غرفته.

أخرج من غرفتي والشال يغطي كتِفَيّ. صوت نوفل يطغى على صوت وموسيقى فيروز. أنزل المطبخ لأجهز قهوتي. يمر حيان من المطبخ الذي يفضي إلى الباب الرئيسي وهو في عجلة من أمره. بمرارة وأسى يقول:
ـ سمعتي ماما؟ سمعتي شن صار في ليبيا اليوم!؟ خسارة، يا ليبيا، خسارة يا بلادنا.
ينصرف حيان وهو يردد: خسارة، خسارة… دون أن ينتبه لدموعي.
يتقدم قاسم قبل أن ينصرف:
ـ معليشي، ماما، معليشي. ما تبكيش، أرجوك معادش تبكي.

أتجه للصالة بفنجان قهوتي. يقابلني نوفل بوجهه البشوش المضيء وهو بكامل أناقته. إنه يوم استثنائي لي قبل أن يكون لنوفل. يوم عرض مشروعه الانتخابي من ضمن المترشحين لانتخابات الجامعة.
ـ صباح الخير ماما. كيف حالك اليوم؟
أثناء جلوسي على الكرسي يُسرع نوفل ويسحب الطاولة ليضعها بفرح أمامي:
ـ تفضلي، ماما، تفضلي حطي فنجانك عليها.
ـ سمعت نوفل شن صار في ليبا؟
قبل أن أُكمل، وكأني دُست على لُغم، يصرخ:
ـ مليون مرة قتلك معادش تقولي اسمها قدامي. اسمها يوتّرني، يعكّر مزاجي. مصمِّمة، مُصرّة؟ مُصّرة تفكّريني، تفكريني بسجن بوي، بطفولتي البائسة، بالناس الحقيرة، باللصوص؟! ان شالله تنحرق! ان شالله تنحرق! ان شالله تنحرق!
أضغط بيديّ على أذنَّي قائلة:
ـ اسكت! أرجوك أسكت، خلاااااص! أرجوك اسكت!
يستمر نوفل، ولا يتوقف.
ينصرف نوفل.
صوت فيروز الخافت ينبعث من غرفته.

مقالات ذات علاقة

فَزَّاعِيَّاتٌ ( 1 ) – قصصٌ قصيرةٌ جدًّا

جمعة الفاخري

للإبداع وجه آخر !!

محمد الزنتاني

القفزة

عمر الككلي

اترك تعليق