قصة

زمن الهواجس

(1)

الذكرى هي النسخة الباهتة لحدث ما… لا تنمو في الوجدان إلا بعد انقضاء الحدث وانتهاء صداه… هي الماضي عندما نجره من جديد بسحبه من أغواره وإلقاءه في أحضان الحاضر، نلوكه بأحاسيسنا أثناء عملية الاجترار العقلي ليظهر كحقيقة عبر تخيله… عكس الثقافة التي هي إعادة إنتاج للقيمة الفكرية وليست تكرارا لذلك الفعل المشخص بذاته.

كان أحمد رمضان، في هذه الساعة المتأخرة من الليل، قد فرغ لتوه من إنهاء قراءة صفحات رواية (سيرة عربي)… ضغط على حفني عينيه، الآن وقد تعد الستين من عمره فيما يقلب في أوراقه القديمة في حجرته المطلة نافذتها على الطريق العام المحاذي لشاطئ البحر بحي المدينة القديم… مسجلا ومراجعا بعض من هذه الذكريات التي تضغط عليه في هذه الساعة المتأخرة من الليل، يتفحص الكلمات… الكلمات التي أمسك بها الوجع… الكلمات المنثورة على الورق المسلوبة الإرادة… الكلمات المعتدى عليها والمقيدة لخدمة أهداف غير نبيلة… الكلمات عندما تجمع من شظايا الحروف وتقدم في جمل مزينة بألوان النفاق لسيد متكبر يخدم بها مصالحه أو يعلقها على أقواس النصر أو الهزيمة… الكلمات وهي تسخر.. تحب وتكره.. تقترب وتبتعد… تجادل بعضها من خلال جامعيها من العلماء والفلاسفة والفقهاء… هذه الكلمات تستلقي بين الأوراق في انتظار صباح يوم آخر ترتقب… تخاف أن ترد السلام وهي تردد أن هذا الصبح لم يأت بعد.

سالت دمعة حارة من عينيه الغائرتين، هذه العيون التي التمعت كثيرا وهي تحدق في القمر… الآن قد وهنت من الحزن على هذه الكلمات الملقاة على حوافي أوراقه المتناثرة وقد استسلمت لهذا الأمر بعد أن تعبت وداستها أرجل التاريخ الطويل وبقى أغلبها مختفيا تحت التراب.

هذه السكنية الدامعة تعطي نوعا من الصدق مع النفس عندما تتكاثر المعاني وتنقشع العتمة ويزداد الضوء… الآن مشتاق أن يجمع هذه الكلمات المخبأة أحداثها في الذاكرة ليصوغ منها الحقيقة والتاريخ… كتب: إنه رفض للذين ينطقون بـ(نعم) بإيماءة من رؤوسهم ويقبلون بما هو واقع ومفروض، وتسمية الأشياء بأسمائها من خلال نص جيد هي بمثابة حديث هادي وممتع مع أحد الناس الشرفاء.

استحضر صور الرفاق الذين تسربوا مثل مياه الأمطار عبر شقوق الأرض العطشى منهم من نام هناك في المقابر البعيدة وآخرون قد تدثروا بعباءة الدين هروبا من انكسارات الواقع وفريق ثالث وضع يده على فمه تجنبا للهواء البارد أن يصيب أسنانه الناصعة البياض.

في هذه الليلة المشحونة بأفكار القمع والتسامح، تذكر صديقه محمود المهدي الذي نشأ في قرية تبعد عن المدينة عشرين كيلو متر حيث عاش في بيت به عدة أعمام من حفظت القرآن وهو ما جعله أثناء التحاقه بالمدرسة الثانوية بالمدينة، مبتعدا عن الحركات السياسية المنخرط فيها أغلب طلاب المدرسة، معلقا على تلك الأفكار:

لا بد أن يكون هناك عصر جميل يتغلب على هذه النزعة العدميه بالإيمان والتسامح تجعل الإنسان يلتقي بأخيه الإنسان في حياة لا زيف فيها… القمع والتسامح خصمان لا يجتمعان إلا صرع أحدهما الآخر… مع الأسف تحققت هذه المقولة في بلاد الشرق !

تذكر هذا الحوار بينما كان واقفا مع صديقه محمود المهدي أمام رصيف مقهى العصافير، وهو ينظر إلى أحدهم يترجل من سيارته الجديدة:

– أنا أعرف أن المال لا يمكن أن ينمو بهذه السرعة، بلا غش التفت محمود إلى صاحب السيارة وفهم الإشارة، عقب على ذلك:

– لا زلت أراهن على الصيت.

– لكن الزمن دائم التقلب.

– أحيانا يأتيك الخير طائعا حتى في الأزقة المهجورة !

– لكن لا أمل في الإنسان إذا ضاع صيته.

أشعل أحمد رمضان لفافته العاشرة على صوت آذان الفجر… وقف في مواجهة النافذة منصتا لوشوشات مياه البحر وهي تداعب حصاة الشط… نفث نفسا طويلا… سبح مع ذكرياته:

– الله يرحمك يا محمود يا مهدي، هذا زمن محشو بقصاصات أخبار الصحف الباهتة ونشرات الهزائم المذلة وبالكتب الكاذبة… قال محمود مرة:

– الإنسان في صباه لا يخشى النطق بالحقيقة لكن كلما طال عمره يجبن عن قولها.

سأله مرة:

– لماذا لا تترك القرية وتسكن بالمدينة ؟ رد بتلقائية:

– عندما يعيش الإنسان لا بد أن يخضع أو يوافق على ما يقضي به مسئولوا تلك المدينة، عكس المعيشة في البرية أو في أعالي الجبال البعيدة هنالك يعارك الطبيعة والوحوش البرية بعيدا عن المدينة بما تمثله من رعب متعدد الوجوه.

علق أحمد رمضان حينها:

– لكن الإنسان يدفع الثمن غاليا بحرمانه من متع ومعارف الحياة الكثيرة.

عندما التحق محمود المهدي بثانوية المدينة كثيرا ما تجنب دعوة رفاق مدرسته لاستضافته معتذرا بأدب… أثناء وقوفه بمحطة الحافلات فيما يهمس لي بخجل:

– هناك ناس يولدون بحساسية مفرطة… أحيانا تصل حد التعفف في قبول رغيف من يد خوفا أن يكون ملوثا بمال تحصل عليه أحدهم بطرق غير نظيفة !

كانت له تلقائية تعادل روح الطفولة… أحيانا دون أن تلغي ذلك الحضور المكثف لشخصيته. أثناء التحضير للتظاهر وتوزيع المنشورات في عام 1964 ساهم مع مجموعة من الطلبة… قبض عليه ومكث أشهر في (زنزانة) رطبه بذلك السجن القديم المطل على شاطئ البحر عندما أفرج عنه كانت رئتاه قد تورمت من الرطوبة العطنة توفى بسببها ودفن في قريته التي تبعد عشرين كيلو متر عن المدينة.

(2)

في هذا الفصل الشتائي وهو يحتسي قهوته بدأت أحداث الماضي تطفو على سطح ذاكرته التي أرهقتها طول المعاناة ودون خجل مفتعل خاطب نفسه ذاكرا:

– (حتى من خلال الصمت تقال أشياء…)

التقط من بين أوراقه المبعثرة رسالة كتبها لأحد الرفاق الذين تسربوا مثل مياه الأمطار… أعاد قراءتها:

– شتاء المدينة يوازي شتاء العمر… المدينة شاخت مثل أعمارنا… تساقط الشعر وتهشمت الطرق وتهاوت جدران البيوت كما انحصرت الوجوه الطيبة واختفت وجوه الرجال… لم يبق إلا الاستمتاع بتذكر الحكايات القديمة والبحث فيها عن بطولاتنا وخيباتنا. واصل القراءة بصوت عال:

– عندما أقدم إليك عبر الشوارع الضيقة وأنا أركل الحجر من تحت الأتربة كأنني أوقظ الكلمات المدفونة من الوجع، وأنط فوق الصخر مثل أرنب برية تعبث بالعشب المخضوضر، حيث أصل إليك وأنت في ( ورشتك ) تقطع الحديد وتسويه على آلة الخراطة وتدقه بالمطرقة لتصنع منه الزخارف والشبابيك وأرفف المكتبات للبيوت الطينية… أتذكر حديثك وأنت تعمل:

– “حتى الحديد أسمعه يشتكي لم يعد يطلبه أحد هذه الأيام لصنع أرفف المكتبات… أسياخ الحديد اليوم باتت تزين نوافذ البيوت فهي تشبه نوافذ السجن”… أتحسس يدك عندما نتصافح أشعر بخشونتها… تعلق ساخرا… هذه اليد يحبها الله… اليوم الأيدي ناعمة تشبه أيادي النساء… أيادي الجيل الجديد انخرطت في تلميع سيارات الأكابر الجدد والوقوف على نواصي الشوارع الملمعة للثرثرة أو الجلوس في أركان المقاهي لمشاهدة الفضائيات العارية.

تذكر لقاءه الأخير مع صديقه حسين عثمان، ذلك الصباح… فاجأه بقوله:

– ستأتي غدا تجد (الورشة) مقفلة… قد لا نجتمع بعدها !!

خرج من بيته وقد تزاحمت الصور والأفكار…

– الحلم مثل الوهم… الفرق أن الإنسان يعيش سعيدا بحلمه… غير أن قلب من وصل للستين من عمره لا بد أن يكون ممتلئ بالشروخ والتجارب… زفر بصوت عال:

– (غالبا ما يحار الإنسان بين صفاء السماء وطين الأرض اللازب) عندما وصل قرب سور المقبرة القديمة المطلة فوق الربوة شاهد على السور عبارة مكتوبة بخط رديء لكنه واضح تقول:

– (زمان قيمة الإنسان تقاس بما يعرف… الآن قيمة الإنسان بما يملك).

عند نهاية سور المقبرة تذكر (البهلول) يردد له كلما قابله:

– هناك رجال تعد ثروتهم بعدد الكتب وليس بعدد أوراق النقد. البهلول هذا له هيئة وحشية لكنه لم يعارك أحدا كما لم يلاطف أحدا… اعتاد عليه سكان الحي هكذا… وجهه يميل إلى لون الرماد من كثرة مكوثه طيلة الوقت في عين المخبز… لعناته ذات مذاق خاص، عندما يعاكسه الصبيان أو ينهره الكبار تسمعه يردد بصوت عال:

– (كل الطغاة مصابون بلوثة عقلية).

– (أسأل الوجوه ولا تستمع إلى الألسنة).

– (لا تبني قصرا من الظنون على كلمة يطلقها حاكم).

– في المدة الأخيرة لم يعد يقابله… سمع الفقي ” موسى ” يقول:

– البهلول أودع السجن بوشاية أخته عازة (التقازة)! انتبه أحمد رمضان وقد وصل مبنى البريد… أسقط الرسالة الموجهة لصديقه حسين عثمان في صندوق الرسائل الخارجية وقفل راجعا لبيته.

(3)

في مساء اليوم التالي، كعادته هذه الأيام، وهو يقلب في أوراقه القديمة سحب ورقة بيضاء… دون فيها: الصديق العزيز: حسين عثمان… في ذلك الصباح المشمس انتظرتك في ركن المقهى المطل على ناصية الشارع أرتشف قهوتي الصباحية وأنا أرقب طلبة المدارس وهم يعبرون أمامي يتصايحون كالطيور تغادر أعشاشها من فوق تلك الشجرة على أثر صوت منبه سيارة مسرعة.. ذلك الصباح لم تأت في الموعد. بعد الظهر وجدت الورشة مقفلة… علمت أنك غادرت البلد، هكذا فجأة… ومرت شهور وأعوام وانقطعت أخبارك كما لم أعد ألتقي بأحد، وتلك الشجرة أقتلعت من مكانها وهاجرت الطيور بعيدا فيما غادر أغلب الطلبة مدارسهم إلى أعمال أخرى… المقهى تحول إلى محل لبيع سلع مؤسسة التسويق الجديدة… في إحدى المكالمات طلبت مني أن ألحق بك في بلاد الغربة… رددت عليك عبر الهاتف:… الدنيا تساوت بالنسبة لي… الفرق الوحيد أنني أحلم هنا في مدينتي أحلم بالعصافير… وبالرفاق الذين غادروا وتسربوا في شقوق الأرض… وأعود أحيانا إلى رسائلك…وها أنا ألخص لك إحداها:… العناد ليس غريبا عليك… أعرف أنك من سلالة شاعر معاند اسمه ( ناظم حكمت ).. كان ردي عليك حينها مستشهدا بحكاية لجدي عندما رجاه والدي، ونحن نجهز أمتعتنا لنغادر بيتنا المطل على البحر قرب الميناء بعد ليلة دكت فيها سفن الحلفاء الميناء قرب نهاية الحرب، حيث أصر جدي بلهجة قاطعة:

” لا أغادر بيتي أبدا… إذا كنتم تخافون الموت هاجروا مثل بقية السكان، وهو ينظر إلى جدران البيت: لقد تساوت لدي الأمور… الأعمار بيد الله إذا قدر لي الموت فليكن هنا داخل بيتي. أذكر أنك علقت علي رسالتي تلك برسالة تحمل، طبعا نفس سخريتك السابقة: لا يرحب بالموت أحدا إلا ( دماغ ) تركي مثل جدك ! الآن أدون لك بعد طول انقطاع لأخبرك أن معظم الناس اليوم يتجنبون مشاهدة صور الموت والقتل في نشرات الأخبار… يعلق أحدهم عادة:… أبعد عنا هذا النكد دعنا نشاهد محطة تريح أعصابنا ! لا أنسى حوارنا عندما انتشر الموت في ذلك الصيف الحزين سمعت صوتك المتهدج عبر الهاتف:

– من مدن الثلج أخاطبك وأنا أشاهد اجتياح العدو لإحدى ( مدن الملح )… في هذا الشهر اللعين… شهر القهر… أذكر أنني رددت عليك:

– إنه الشهر الذي يموت فيه الفقراء والشعراء… الشهر الذي قرر فيه (خليل حاوي) إنهاء حياته رافضا رؤية قوات العدو وهي تدخل مدينته ولسان حاله يقول ( بيدي لا بيد عمر ) ومن شرفته أطلق صرخته محتجا:

– كل ما أعرفه أني أموت…

– مضغة تافهة في جوف حوت…

تلك كانت ثقافة ومواقف ذلك الجيل لها لون واضح تراه في اللوحة التشكيلية أو تقرؤه في قصيدة شعرية أو في رواية أو قصة بإبداع إنساني دون زخرفة بعيدا عن نرجسية المناخ البرجوازي… انتصف الليل وسقط القلم من يده فاستسلم لنوم عميق… في الصباح استرجع هواجسه، وبين الحلم والصحو أكمل كتابة الرسالة:

– في صباح ذاك اليوم البعيد، أتذكر، عندما دخل ناظر مدرستنا الفصل ومعه مشرف تلك المدرسة الخاصة بأبناء الجالية اليهودية… أشار المشرف لكلينا فيما أمرنا المدير بالخروج والوقوف أمام باب الإدارة تفاجأنا عندما وجدنا بقية رفاقنا المشاركين في مشاجراتنا مع الصبية اليهود، واقفين أمام إدارة المدرسة حينها أدركت أن هذا المشرف اليهودي كان يراقبنا بدقة كل صباح، ونحن نعترض الطلبة اليهود وهم في طريقهم إلى مدرستهم القريبة من حينا بالأيدي وبالحجارة… عقاب الناظر في ذلك اليوم كان شديدا… تلقى كل واحد منا عشرة جلدات من عصاة الناظر الخيزرانية بعدها حجزنا في حجرة خالية… دخل أحد المدرسين وأعطى كل واحد كراسة وقلما. خط على سبورة الحجرة بيتا من الشعر: “لا تظلم… فإن الظلم مرتعه وخيم”.

أمرنا أن نكرر كتابة هذا البيت مائة مرة. بعد سنة من تلك الواقعة وبالتحديد في سنة 1948 وقف مدير مدرستنا أمام طابور الصباح وهو متجهم الوجه وخاطبنا بصوت جهوري: أرجعوا إلى بيوتكم… اليوم اعترف العالم بدولة إسرائيل… في طريق عودتنا إلى بيوتنا صامتين غيرنا خط سيرنا المعتاد متجهين هذه المرة إلى شارع عمر المختار وفي مخيلتنا ذلك العجوز اليهودي بائع الحلوى وكيف ينظر في وجوهنا حينما نقترب منه صارخا: (حلوى طروني)، لم يكن لأي واحد حينها قدرة الحصول عليها، وفيما نحن نقف في مواجهته تقدم أكبرنا سنا وطوق بيديه عنق العجوز اليهودي… عندها امتدت أيدينا لغطاء الصندوق الزجاجي والتقط كل واحد منا قطعة الحلوى… انطلقنا نواصل الجري عبر شارع عمر المختار نهتف: ” فلسطين عربية “…

(4)

كعادته هذه الأيام عند النوم يضع فوق شاربه الكث خرقة مغطوسة بمعجون الحناء ليخفي الشعيرات البيض التي بدأت تغزوه… في الصباح يمسد شاربه الطويل بماء العنبر أمام المرآة… بعد أن يحتسي قهوته ويسحب أوراقه المبعثرة ليراجع ما دونه في المساء:… ذلك الصباح مررت أمام مقهى العصافير، المحاذي لمبنى الجامعة… أطلق عليه رجال المباحث في الستينيات ” المقهى المشبوه ” أغلب رواده من رموز الحركة العمالية وبعض المثقفين وطلاب الجامعة وهم يتصدرون مقاعدهم تحت أقواس الشارع المكتظ برواده من مختلف ألوان الطيف… في أمسيات الصيف الحارة تعلوا أصواتهم منتقدة ما تصدره الصحف والدوريات في تلك الحقبة من دراسات أدبية ونقدية… يتحول المقهى إلى منتدى ثقافي يتبادل رواده الصحف والدوريات فيما بينهم مثل الأطفال يتباهون بألعابهم عندما يقدمونها لأقرانهم كي يفرحوا بلمسها ومداعبتها بأصابعهم الرقيقة… هكذا حال هؤلاء المثقفين يتبادلون الكتب بكل أريحية وكرم يسعدوا بقراءتها ترى وجوههم فرحة بهذه الهدايا المتبادلة.

عند الغروب فيما السماء توشحت بلونها الرصاصي تحاول شد أسلاك نور الشمس الذهبي… أخيرا يصرعها موج البحر فتغطس في مياهه، عندها يغادر أغلب رواد المقهى مقاعدهم مواصلين نقاشاتهم وسهراتهم بعيدا عن أعين المراقبة، من بين هؤلاء كان حسين عثمان النقابي يلتحق بمبنى الحركة العمالية يستمع إلى أحد رموزها مخاطبا رفاقه (البحارة) مرددا على أسماعهم حكمته المكررة دائما هكذا:

– أجدادنا تعلموا ركوب الخيل وهزموا الطليان ونحن علينا أن نتعلم السباحة جيدا كي لا نغرق في مصائد البحر !!

– قال عنهم حسين عثمان مرة:

– هؤلاء البحارة لا يملكون من حطام الدنيا إلا (بدلتين) واحدة للصيف وأخرى للشتاء غير أنهم تصدوا بالإضراب عن تفريغ السفن الغربية عندما رست في الميناء احتجاجا على حجز السفينة العربية (كليوباترا) بحجة أنها تحمل أسلحة للمقاومة الجزائرية…

هؤلاء البحارة تعلمنا منهم العطاء الوفير الذي قدموه للوطن… أنهى الرسالة وكتب العنوان على الغلاف… خرج مسرعا كعادته وبالقرب من مبنى الجامعة التفت إلى أقواس الشارع ونظر بسخرية إلى مكان المقهى الذي تحول إلى فندق ضخم يعج برواده الجالسين الآن خلف زجاج النوافذ وهم يعقدون الصفقات مع الوكلاء الجدد… لا يعرفون البذل لكنهم يتنافسون بالتسلق والتباهي بالإسراف لإبراز وجودهم في المجتمع ملوحين بمسابحهم الذهبية… أفرزتهم حقبة زيادة أسعار النفط… لونت أخلاقهم بمصالح ضيقة وتعصب (شوفيني)… هذا الخليط من متعهدي حقول النفط ومهندسين ومحامين وموظفين بيروقراطيين وأكاديميي جامعات ومثقفين حداثويين… هذه الفئات شكلت تحالفا جديدا وأسست ثقافة بعيدة عن الهوية الوطنية بأخرى مع كبار الطبقة الجديدة التي تقيم الوطن بالمال فقط…

وصل مبنى البريد وأسقط رسالته ودلف راجعا إلى حيه عبر شوارع المدينة القديمة متجنبا بعض الوجوه التي مر بها أمام مكان ذلك المقهى القديم (الذي لم يعد مشبوها)…

دخل بيته وأرتمى على كرسيه المفضل قرب النافذة ومن شدة التعب أغمض عينية مجريا مقاربه مع حكايات العمة (عازة التقازة) التي كانت تقطن خلف شارعه.

(5)

يقال إن أسمها اكتسبته من مزاولتها لمهنة استنطاق الودع… ذاع صيتها في الحي كله خاصة في معالجة العقم وهجران الأزواج… لها وصفة سحرية خاصة أسمتها (أفواه الغابة) وهي مجموعة من أعشاب الغابة الخضراء تطلب من المرأة السائلة أن تحضرها مع (حارة) من بيض يوم الخميس… تعجن الأعشاب الطرية مع صفار البيض وتقدم الخلطة للمرأة طالبة منها أن تطعمه لزوجها قبل النوم على مدى سبعة أيام تبدأ بليلة الخميس وتختم كلامها للسائلة:

– لا مانع من أن تأخذي منه ملعقة أو ملعقتين فيما ترمي البخور على جمر (الكانون) وهي تردد بصوت خافت:

– “الأصل يونس… عتب ونواصي وبعض من الذرية”

تنظر في وجه المرأة وتواصل الكلام:

– “رزق الحلال يرق وما ينقطع والذوقة تقرب الصاحب”

تتعجب المرأة متساءلة:

– من أين حفظت هذا الكلام الجميل، الفقي موسى لا ينطق بهذا الكلام ؟

تجيب عازة التقازه وهي تحدق في محدثتها:

– من فم جدي… كان دائما يقرأ في كتاب كبير لونه أصفر كنت وأخي البهلول من خلف باب داره ننصت له وهو يقرأ بصوت عال حتى حفظت كلام جدي.

تتنهد عازة التقازة بحسرة وتواصل حكاياتها:

– بعد وفاة جدي جمع أخي البهلول كل الكتب وأعطاها لصديقه مسعود الخباز الذي رماها في عين المخبز ومن يومها والبهلول يسرح في المقبرة القديمة وعند الليل يدلف إلى عين المخبز لينام هناك مبتعدا عن صبيان الحي ومعاكساتهم له، في الصباح يطوف حول سور المقبرة يخط على حيطانها ما حفظه عن جده وأخيرا سمعت من صديقه مسعود الخباز أن الفقي موسى هو الذي أبلغ عنه الحكومة ومن يومها اختفى أخي البهلول.

لكن المرأة تقاطعها سائلة:

– لكن بعض النسوة يتحدثن عن الفقي موسى أنه قد شفي (عزيزة) زوجة ضابط السجن من العقم…

تجيب عازة التقازة بغضب:

– لا تعتقدي في رجل ضائع يعلمك الدين ويقودك إلى الخير…

ثم تواصل حديثها:

– المرأة ما دامت تعشق زوجها لا بد أن تلد له ” العشق يولد المحبة والمودة والأطفال أيضا “.

سرت إشاعة في الحي عن رجل غريب الملبس يتردد على بيت العمة عازة التقازة إدعت إحداهن أنها اصطدمت به في الممر الضيق المؤدي إلى بيت العمة عازة وتعلق أخرى أنها دخلت بيت العمة عازة فجأة فوجدته عندها تحدثه ضاحكة بصوت عال.. عرف بعدها أن ذلك الرجل الغريب كان هو ضابط السجن عندما قام البهلول بطرده من البيت لفق له سرقة أضرحة المقبرة وعزز ذلك بشهادة الفقيه موسى الذي أفاد بأنه رآه وهو يخط على سور المقبرة تلك العبارات المخالفة للشرع… عوقب على أثرها بالسجن لمدة ثمانية أشهر… ومن يومها أصبح الفقيه موسى مقيما بالخلوة يقوم بتحفيظ القرآن لبعض من صبيان الحي حيث يعرضون عليه ألواحهم الخشبية عصر كل يوم فيما الشمس تزاور عن الكوة في أعلى جدار الخلوة لا يغادرها إلا إذا استدعاه أحد سكان الحي لتجهيز أحد الموتى في الجوار ودفنه… كان لا يمانع في تقاضي أتعابه كصدقة من أهل الميت.. ونحن صغار كنا نخاف أن نقترب من تلك الحجرة التي بها عدة الموتى عملا بنصيحة مؤذن الجامع ميلاد الحوات ملوحا لنا بيده اليمنى المبتورة من منتصفها قيل إنه فقدها صباح عيد أضحى على شاطئ البحر عندما كان يجهز عبوة ناسفة يصطاد بها الحوت ومن يومها لم يقترب من شاطئ البحر خوفا من الوشاية به كما حدث للبهلول وهو يسأله بعد خروجه من السجن فيما يتسامران قرب بوابة المقبرة:

– البقاء في السجن مدة طويلة يصيبك بأمراض منها ضعف النظر…

– كيف يحدث ذلك ؟ يهمس البهلول له وهو يتلفت:

– أينما تنظر حولك تصدك الجدران العالية من كل مكان وتسقط أسنانك سريعا من كثرة الصمت وقلة وهج الشمس على وجهك.

يواصل البهلول شارحا له وهو ينظر إلى جدار السجن:

– أخيرا تصاب بالقرحة داخل السجن لأنك لا تستطيع أن تفرغ شحنة الغضب والتعبير عن مشاعرك وهكذا تتمزق أعصابك وتسكنك القرحة القاتلة… كذلك تشعر أن شمس السجن باردة لا تدفئ الإنسان بسبب حيطان السجن العالية فهي تحرمهم من دفء الشمس.

ويسأل ميلاد الحوات صديقه البهلول بلهفة عن النزلاء:

– أكثر نزلاء السجن خياليون وحالمون مثل الشعراء لا يكتبون الشعر بل يعيشونه وجدت أحد المحتالين يخط على جدران زنزانته شعرا:

يكفي أن يعرف أعداؤك ماذا تقرأ

كي تؤخذ في الليل بغرة…

ما من شيء في البلاد حرا، غير الطهر…

مقالات ذات علاقة

جدار ناري

سعاد الورفلي

الحزن سيد المدينة

عوض الشاعري

غناوة عزيزة

المشرف العام

اترك تعليق