المقالة

زمن الحروف الجميلة

(1) غربة الشاعر.. غربة القصيدة

البصره.. وشط العرب.. واْشرعة المراكب. وجيكور وبويب. والبيت الكبير. شناشيله. نوافذه. اْرجاؤه الفسيحه. الثنايا والعطفات. والسياب الشاعر.. يصارع الحزن.. ويقاسى المرض. اْجمل التمور فى البصره.. هناك على شط العرب.. اشتغل السياب فى مطلع حياته ذواقة للتمر فى الميناء.. لكنه ظل غريبا على الخليج.

الحزن.. اْيها السياب. معك.. فى اْعماقك.. فى دروبك. حياتك ماْساة وحزن والام. وتنفلت القصائد.. واحدة تلو اخرى.. بيتا بيتا. تتوهج مثل حبات اللؤلوْ.. والصيادون على الشط يشوون المسقوف.. السمك الشهى.. القصائد كانت سفر ايوب.. الصبر والامتثال.. درسان بليغان.. ورائحة الموت ايها السياب فى حياتك.. فى سيرتك الحزبيه.. فى شعرك.. فى عملك.. الحزن ايها السياب.

و… (لك الحمد مهما استطال البلاء.. ومهما استبد الالم.. لك الحمد ان الرزايا عطاء.. والمصيبات بعض الكرم) ابتهال. واشفاق. وتضرع. وصبر وامتثال. لدى تسجيلات بصوتك تقراْ شعرك عام 1963. الصوت متهدج. يخيف. يلوح منه الموت وترتعش العروق معك. وانت الشاعر الكبير.. الحداثة والتجديد.. وانشودة المطر.. عيناك غابة نخيل ساعة السحر.. والمعبد الغريق. ومنزل الاقنان. والعراق.. العراق ايها السياب. المواويل والمقامات. الحزن يعشش فى كل شى. والغربة قاسيه ولعينه.. اعنى غربتك والقصيده.

رحيلك منذ خمسين عاما.. فى 24 ديسمبر 1964. كان قصيدة لوحدها من الحزن… جنازتك بائسه ذات يوم مطير.. المشيعون كانوا اربعه فقط ايها السياب العظيم. البيت فى فراغ.. واقبال وغيلان.. والعراق.

رحل بعد ظروف معقده وصعبه عاشها فى الاْلم والعذاب والمعاناة. رحل فى الكويت على بعد خطوات من البصره فوق اْحد اْسرة المستشفى الاميرى. الكويت التى تكفلت بعلاجه بمتابعة من اْصدقائه هناك. الشاعر على السبتى وغيره. رحل السياب وسيب الدنيا وجسر المسيب. دفن فى يوم مطير فى قريته جيكور. والمطر يهطل مثل انشودة كبيره وكان الحضور لايتعدى اْصابع اليد ساروا وراء النعش حتى القبر.. ثم تركوه.

السياب اْول من اْشعل نار حركة التجديد فى الشعر العربى المعاصر مع نازك الملائكة ثم البياتى وكاظم جواد وبلند الحيدرى ونزار قبانى ومحمد الفيتورى وصلاح عبدالصبور وعبدالباسط الصوفى وغيرهم. تجديد انطلق من العراق بعد اْبى تمام والمتنبى والمعرى والشريف الرضى.. والجواهرى والرصافى والزهاوى. تجديد سوف يحاكيه الكثير من الشعراء. ويتغير طعم الشعر فى المنطقه. درس فى دار المعلمين واكتوى بالعشق.. نظم قصائده فى جارته وفيقه ثم زميلته فى الدراسه الشاعره لميعه عباس عماره واْراد الزواج منها لكنها كانت من الصابئه!! ثم اكتوى بنار السياسه والاحزاب. عانى من دهاليزها ومن نفاقها. كان بالحزب الشيوعى العراقى ثم عرف الحقيقه. وانعكست تلك الامور عليه وعلى صحته. السياب الشاعر فاز على الشيوعى الحزبى. على المانفيست.

بعده باْيام مطلع 1965 رحل شاعره المفضل اْيضا توماس اليوت الذى تاْثر به وجيله كثيرا عقب الحرب العالمية الثانية ايام الدراسة فى دار المعلمين ببغداد والنقاشات بمقاهيها وفوق ارصفتها وعبر مرور كل (طالعه من بيت ابوها)!

قصائده المليئة بالحزن والالم والصبر كانت اقوى من البيان الشيوعى. وتمر ذكراه وديار العروبه ليست باْحسن حالة من غيرها. وبلده العراق اْيضا. دواعش وحروب وفتن ومذابح. فماذا يجدى الشعر.. وماذا تجدى القصائد؟

الشعر عاد غريبا مثل انشودة المطر.. مثل الغريب على الخليج والصدى من البعيد..

(الريح تلهث بالهجيرة كالجثام على الاصيل
وعلى القلوع تظل تطوى او تنشر للرحيل
زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار
من كل حاف نصف عارى
وعلى الرمال على الخليج
جلس الغريب………..)

♦♦♦♦♦♦

(2) والمتنبى.. ايضا صديقى

وقصيدته التاليه.. قصيدتى وقصيدة كل عاشق للشعر وناره الازلية..

ملومكما يجل عن الملام……………. ووقع مقاله فوق الكلام
ذرانى والفلاة بلا دليل…………… ووجهى والهجير بلا لثام
فاْنى استريح بذى وهذا……………..واتعب بالاناخة والمقام
عيون رواحلى ان حرت عينى…….. وكل بغام رازحة بغامى
فقد اْرد المياه بغير هاد…………. سوى عدى لها برق الغمام
يذم لمهجتى ربى وسيفى…………اذا احتاج الوحيد الى الذمام
ولا اْ مسى لاْهل البخل ضيفا……وليس قرى سوى مخ النعام
فلما صار ود الناس خبا……….. جزيت على ابتسام بابتسام
وصرت اشك فيمن اْصطفيه………… لعلمى اْنه بعض الانام
يحب العاقلون على التصافى…… وحب الجاهلين على الوسام
ولم اْر فى عيوب الناس عيبا……. كنقص القادرين على التمام
والمزيد..

كل قصائده هذا العظيم.. قصائدى. اراْيتم من يخيط الثوب ويقطع كمه او ينساه. اْراْيتم الصدى المنطلق فى اْركان القصيده. الصورة الفنيه والرواحل والكلام والفيافى وعزة النفس والصحاب والشكوك فى اشباههم.. والفخر والكبرياء. اْرايتم.

فا الى اْين تمضى اْيها المتنبى الصديق فى هذه الارجاء؟ الى الليل البهيم.. الى سيف الدوله.. الى كافور.. اْم الى الاعمى الذى نظر الى شعرك؟ اْين الرواحل والقلاص النواجيا.. اْين مواضع مناخها وبروكها. اْين تستقر اْيها المتنبى واْنت على قلق كاْن الريح تحتك.ونحن كلنا على قلق مثلك.

المتنبى. ايها الصديق البعيد.. الموغل فى القدم.. لا احد يصغى الى صوت القصيده. الصدى يتردد فى الصحارى ولهيب المجامر لايقوى على الاصطلاء. الى اين تمضى اْيها المتنبى.. والشوارع كلها مهجوره ومقفره.. والدروب عند حواف الفيافى موحشه وخلفها اْلف ثاْر. واْنى استريح بذى وهذا.. فهات من يسمع قصيدتى!!

♦♦♦♦♦♦

(3) كازا نتزاكى.. زوربا اليونانى

وصلوا الينا من هناك.. الاْغارقه من جزيرة ثيرا. باتوس واتباعه. واْسسوا قورينا عند قمة الجبل التى صارت عنوانا للحكمة والفلسفة والرياضة والعلوم والطب.. والحسان الثلاث. ومكتبة قورينا. ومنها انطلق دستورها الخاص وضعه. المشرع الاغريقى ديمو ناكس. ثم تفرعت عنها شقيقاتها الاْخريات.. مدن جميله مثلها. اْبو لونيا وتوخيره ودارنس وبوسبريدس.. وغيرها.

وسوسه اْو اْبولونيا كانت ولاتزال اْقرب نقطة ليبية الى اْوروبا. تقابل كريت. وبينهما نشاْ تاْخ وود منذ اْواْخر القرن التاسع عشر. صار تلاحم وتصاهر واندماج حين وصل بعض سكانها هربا من الاضطهاد التركى وسكنوا فى سوسه.

من كريت انطلق وهج كازانتزاكى اديبا وانسانا. ظل يتطلع (الى الحرية والعدالة رغم الحروب والقتل فى بلاده اليونان.. والعالم كله).. كان ثمة شيئ يجذبه الى الشرق القريب وكان يملؤه اقتناع باْن (دما عربيا يجرى فى عروقه)وكان يردد (اْنا افريقى اْحب الشمس) وحين زار القاهره عام 1927 وتجول بها صاح قائلا (روحى تمتلىْ بالشرق من جديد.اْنا الان اْزور المساجد والاسواق. هذه المدينه اْعجوبه) و(اْحس بقرابة تربطنى باْفريقيا).

من 1906 وهو فى شبابه الى وفاته عام 1957 عاش حياته الاْدبيه على مدى نصف قرن من الاْعوام ودون اْن يلحق به اْى تغير حسب النقاد والدارسين. ظل فنانا وانسانا متواضعا. كتب من بين روائعه زوربا اليونانى. فلسفة الشعب البسيطه التى رسمها لنفسه من خلال انسان بسيط فى كريت. يغنى ويرقص للحياه. صارت فيلما رائعا مثله انطونى كوين. وكانت صورة الاْرمله لاتفارق من شاهد الفيلم اْيام الاْبيض والاْسود واْصداء موسيقى زوربا وثيودراكس ترن من بعيد. زوربا وكريت حياة كامله مقابل ليبيا.. وعلى حد راْيه (اْننى اْمسك بك الى الاْبد على الرغم منك. لن تستطيعى الافلات. الكواكب الثلاثه تتلاْلاْ فوق بحر ليبيا) هكذا خاطب زوجته.

وفى فبراير 1947 اندلعت الحرب الاهليه فى اليونان ودامت اكثر من سنه وحين كانت على اشدها قال (الوضع مهول فى اليونان. مهول ايضا فى فرنسا. اعتقد ان هذه الاضطرابات الانتقاليه من حضارة الى اخرى سوف تدوم مائتى عام. ابتداء من عام 1900. اْى اْننا سوف نتواصل الى سند قوى وبعض التوازن مع حلول 2100..)!!.

وبكل حزن كتب (لقد كان الشقاق يوما بسبب لعنات عرقنا. وكثيرا ما اْوصلنا الى حافة الهاويه غير اْن الاْهواء اراْقت الدماء وحشد الخطر كل قوانا وشحذ روحنا)!!

زوربا اليونانى.. وكريت.. وليبيا.. والبحر.. والنجوم.. وسوسه التى كان الاصيل يلفها فى حلة نسجت من الاضواء.. وفقا لما نطق به المعلم المصرى على محمد حمد عندما رافق طلبة ثانوية بنغازى مطلع الخمسينات فى رحلة اليها.. واْصداء موسيقى زوربا ترن من بعيد.. ولكن فى الفراغ.. وعبر قمم التلال البعيده!!

مقالات ذات علاقة

هوامش تشكيلية

ناصر سالم المقرحي

أحجية الأصل والجنسية

عبدالحكيم الطويل

أثرياء “بنك الحظ” وأشباح “الوابيس”

أحلام المهدي

اترك تعليق