النقد

زقزقة درويش

بصيص من حلق غرابه

 


 

-1-

ثمة ما يدعو المرء بأن يُشيد ببعض الإلمعات التي يأتي بها أفراد تأكلهم الموهبة في مادة الحياة المريرة, أو ما دون ذلك بقليل, ومن ثم تتصيّر تلك إلى فنٍ يخلّد اللحظة, ويهشم أباريق الخنوع, خنوع الكلام, وخنوع الجهر بهذا الكلام.

وثمة ما يجعلني -رغم الخطابية التي ارتادته وهو في مطلع طريقه إلى الشعر- أن أنتبه أحيانا إليه.شاعر يقول:

إلهي لا تأمني على يوسف

ذئب أنا, ومدينتي الجب.

والذي يقول أيضا:

لما نبكِ, وكل الناس

تضحك حولنا.

العيد عيد عندهم

لكنه يغدو مريرا عندنا.

 

خالد درويش ليس غيره من يسبك مثل هذه العناقيد الصغيرة المختزلة, والتي يرصعها بمداد الألم ضد جبروت القهر الاجتماعي, وضد العجمة المناوئة للكتابة والشعر. ودرويش لا ينفك أن يعلن عن بيانات نزقة ونحيبه من الفاقة للحب في وطن الصحراء الكامل.. يقول:

أحاول العصيان والتمرد

على نهديك في ليل الغباء

فأعود للتـشرد

حافيا في مدينة النساء.

 

-2-

بين ديوانيه الصادرين يتضح الأتي:

– بينما أخذ [بصيص حلق] شكل الومضات التي لم تجاهد للاستغناء عن تفاعيل, وبلغة شبه مكثفة, انصرف الشغل الشعري في [زقزقة الغراب على رأس الحسين], إلى النثر والإسهاب, وبحشد لغوي أشبه للركام منه للتراكم.

– في [بصيص حلق] يعالج الشاعر موضوعات صغيرة وأحداثا من حياة معاصرة مشحونة بالتعب والخذلان بينما في [زقزقة الغراب فوق رأي الحسين] ينصرف للتأصيل لهذا التعب المرحّل عبر التاريخ, بذا نجد ديوان [الزقزقة] اعتمد القصائد التالية:

[من قاموس الشر- حكايا ابن جبير- سفر غرناطة- زقزقة الغراب فوق رأس الحسين- الحشرجات- مفتتح أخير لحشرجة الموت ], وبإطلالة لمحة على عناوين القصائد يتضح هذا القاموس الذي أكده الشاعر من اتخاذه لعلامات مفجعة رسمت واقعا محزنا في ذاكرة العربي إلى يومنا هذا, فسعيد ابن جبير علامة لرمز اضطهاد السلطة للمثقف, ولأصحاب الرأي, وغرناطة اسم للسقوط الجماعي لشعب تتنازعه السلطة في جب الخذلان, ورأس الحسين المرارة بأسرها ودفعة واحدة, والحشرجات أسماء الموت ومراحل التعب الجمعي, وكل قصيدةٍ مجزأة إلى ثلاث مراحل, حتى يمنح الشاعر لفكرته أن تتأسس داخل البناء العام لتجربته الشعرية. والذي يتراء لي أن الشاعر قد انتصر للنثر أو النثر انتصر له, إذ جاء ديوانه الثاني [زقزقة الغراب فوق رأس الحسين] والذي يؤصل للهموم الكبيرة نثري بخلاف المجتزئات التفعيلية التي شكّلها [بصيص حلق], هكذا دائما يحدث الطارئ يعالج بالتفعيلات والمزمن يعالج بالنثري.

-3-

الذي يجعلني لا أهمل هذا الشاعر, حاليا على أقل تقدير من محط اهتمامي, هي هذه الروح الليبية التي نكابد من أجل الصناعة لها عبر ترك شعرنا ينساب إليها وعبر بوصلتها طواعية, نحن الذين نؤمن بأن البناء ينطلق من همة الفرد أو الشعب الفرد إلى همة الأمة, ولا نهوض إلا باستقبال عنفوان المسؤولية بين الرئتين في كرنفال خاص لا يحضره إلا الفرد ذاته, وبعد ذلك يمكن تحقيق الأماني الجماعية الكبرى, والتي لا تخلو من التزمير الجماعي.

في هذا الخضم يقدم درويش قصيدة معنونة بـ:[أنا الليبي متصل النشيد], ورغم أنني–أحيانا- أمازحه بـ:[أنت الليبي منقطع النشيد], وفي أحايين أخرى أقولها على نفسي نكاية في الوقت الذي يضربني على أناملي كلما فكرتُ في الكتابة.

في هذا النص يشدّني كثيرا عنوانه الملئ بالإيحاء والمعنى, فـ:[أنا الليبي] مبدأ يسنّه الشاعر لروح يشعر أنه بحاجةٍ إلى إذكائها وتأجيجها, و[متصل النشيد] هو ما سيبرز من ملاحم يحفل بها النص. ورغم أنها قد ينأى عنها القارئ المسلم بدين الليبيين في عالم القراءة, وذلك لاستغراقها في أحداث تاريخية بمثابة الطلسم من العهود الإغريقية والرومانية والجرمنتية وغيرهم من الأمم التي انتخبت ليبيا لأحلامها, إلا إن نص [أنا الليبي متصل النشيد] يُعد بمثابة المفازة للشعر الذي يجسد المكان الليبي, وفاصلة كتابة موشية بشاعر مستمسك بعروة كتابة شعرية ذات مبهج لغوي حسي.. لنتأمل:

– تغريني طريقة الدفن بأن أموت

من هنا

لأزور تاريخي سيكفيني بأن

ألوح في وجه السياحة

وفي قمح السنين.

– أنا الليبي متصل النشيد

مرتكب الحضارة في الرمال وفي الكهوف

أسأل عن جدودي في وجودي

عن طريقة الحب القديمة.

ورغم ظاهر القصيدة الذي يغذي الشعور بأننا أمام عرض تاريخي موجز عن الحضارات الليبية القديمة, إلا أن ثمة ما دعا الشاعر لإسقاط أحداثا منها على واقعه اليومي إذا ما تم استبطان النص على نحو ما..

-4-

ولا مناص من القول أنه يتهيأ لي الآن أن تجربة الشعر عند هذا الشاعر, وإن كانت غضة فتيّة أن ألمح فيها الانطباعات التالية:

– ركض الشاعر وراء اللغة كمسحوق تجميلي يقوم بمهمة الشعر بمفرده.

– انكفاء الشاعر عن الدأب للتأسيس لنصٍ ذو أماني على مستوى الرؤية.

– لغة النص, ولا سيما في ديوانيه الصادرين غير مبيّتة, إنه يتكلم لغة حافلة بتصوير تتبعه تقنية [الفلاش] حتى ينتبه العموم لافشاءات الشاعر الحكّاء, وفي نظري أن الشاعر يُودع أسراره في جب النص الذي يكابده.

– طغيان أسلوب النداء في طريقة ارتياد الشاعر لكتابة نصه الشعري, والنداء غير برئ من روح الخطابية المنبرية, والتي يصلب درويش نفسه على مذبحها صلبا ممزوجا بعشق لا نهائي لها.

– ثمة ما يدعوني بأن لا أتحسر كثيرا على الوقت الذي يسفكهُ الشاعر في جلبة العمل الصحفي, والإعداد لبعض المشروعات التي تخص إعداد باقات تعريفية لبعض الشعراء الليبيين, وخوض غمار الترحال بين المهرجانات الكرنفالية المتعلقة بالشعر, وذلك لأن ذلك قد يرسو به أحيانا على مرفأ استراتيجي يُطل من خلاله على عالم الشعر الشائك والغامض.

مقالات ذات علاقة

قراءة في ديوان تهاني دربي هكذا أنا

محمد الأصفر

حـرّكـي الــنار..

محمد الأصفر

الخسارات التي لا تنتهي في ‘فرسان الأحلام القتيلة’ لإبراهيم الكوني

المشرف العام

اترك تعليق