المقالة

زفرة العاشق

من أعمال آمنة الجبالي عن بوابة الوسط
من أعمال آمنة الجبالي
عن بوابة الوسط

لحظات  الحب  لدى  العاشق  لا  تعد  بحساب  الثواني  و الساعات ، لحظات الحب عنده تلغي كل شيء ، علم النجوم ، المنطق ، وكذا صيرورة الزمن ، وفي أقصى حالات العشق تلغي العقل نفسه ، لأن لحظات الحب هي لحظات العمر ، بل لحظات الوجود بامتياز ، كما أن امتلاء العمر بالحب لدى العاشق ، يعني امتلاءه بما يناقض الموت،  أما لحظات الهجر، فإنها تعد بالنسبة له لحظة تعليق أو أرجاء للنفي غير معترف بها في تقويمه الخاص .

 إن العاشق من هذا النوع  تأب طبيعته التسامح مع الزمن ، ففي غياب المحبوب يشعر بأنه في رحلة سفر طويلة ، ولو كان في إمكانه أن يجعل الزمن كله لحظة حضور ، أو أن يحول الغياب نفسه إلى حضور ، لما تردد لحظة في ذلك ، إذ أنه لا يعترف بالزمن  إلا حينما يرى محبوبه ، وفي هاته الحالة  بالذات يكون اعترافه كما لو أنه شهادة رسمية على سلامة حواسه ومشاعره ، فلا غرابة  ، فالمعادل الموضوعي للحياة هو الشعور بالزمن لحظة لقاء الحبيب ، لحظة الشعور بالكل ، لحظة انعدام كل إحساس خارجي بالكائنات ، لحظة تلافي الوجود ،  هذه اللحظات هي التي تحسب في عرف العشاق ، وأي عاشق لا يهمه نظرة الناس للزمن ، وإنما المهم عنده هو مقياس الزمن بمفهومه الخاص ،  فهو لا يشعر في غياب المحبوب أنه يعيش الحاضر ، بل في ذكريات الماضي ، حيث أن الزمن المعقول بالنسبة له يكون زمانا معاشا في حالة حضور المحبوب  ، وبتعبير آخر ، الزمن في ذاكرة العشاق يقصر ويطول بحسب حضور وغياب الحبيب ، وفي هذا يقول جميل بثينة :

         يطول اليوم ان شحطت نواها         وحول ، نلتقي فيه قصير

أن الشعور بالخيبة والعدم ، شعور عام لدى كل عاشق فقد التواصل بمحبوبه ولو كان مؤقتا ، فهو على طول فترة الغياب يشعر بغصة في حلقه لا تبرأ إلا بالعودة  ، لا استثناء في هذه القاعدة ، إذ أن العاشق  لا يعترف بالفراق ، فهو يؤمن بأن السعادة هي كل ما هو إنساني لا يؤلم  ، لذلك نجده مُستغرقا في الذكريات التي طبعها الواقع في دخيلة نفسه ، ولعل أكثر الأشياء المؤثرة التي تولّد من الكرب والأسف غير قليل ، تلك الكلمات المليئة بالحنين ، وفي هذا يقول ابن زيدون :

أضحى التنائي بديلا من تدانيا           وناب عن طيب لقُيانا تجافينا

ألا ! وقد حان صبح البين ، صبحنا    حينٌ ، فقام بنا للحين ناعينا

 أما لحظات العشق المتقطعة ،  فيكون فيها المحبوب دائم الترحال والسفر ، فهي لحظات يأس لا تعد في نظامه العام ، وهنا يشعر العاشق بالانكسار ، ويعتريه من الهلع والجزع ما يكاد يأتي عليه ، ويصبح تفكيره في هذه الحال مثل تفكير الأطفال . وعندما يتجدد الفراق غير مرة ، قد يهلك ، وفي كثير من الأحيان يصاب بالجنون ، وعند هذا الموقف يقول : ابن حزم الأندلسي :

أطلتَ زمانَ البعد حتى إذا انقضى        زمانُ النوى بالقرب عُدتَ إلى البعد

فلم يك إلا كرّة الطرف قُربُكُم             وعاودكم بعدي وعاودني وجدي

كذا حائرٌ في الليل ضاقت وجوهُه        رأى البرقَ في داجٍ من الليل مُسود

 هكذا يتغير مفهوم الزمن لدى العشاق ، ففي وقت الغياب ، يستحكم اليأس ، ويتلاشى الزمن ، وفي لحظات الحضور ، يستشرق الأمل ويعود الشعور بالزمن ، أما لحظات الوداع ، فهي أشبه بالموت ، بل الموت نفسه أخو الوداع  كما يقال ، ولعمري لو أن عاشقا يموت قُبيل ساعة الوداع  اخف عليه من علم ما سيحدث ، لو شاهد تلك اللحظة ، ولا شك ، فأنه سيقول لنفسه :زفرة الموت ولا زفرة الوداع . وفي هذه اللحظات يقول الشاعر :

و يكون يومٌ لا أدري لكِ مُرسلا          أو نلتقي فيه عليّ كأشهرِ

يا ليتني ألقى المنية بغتة                  إن كان يوم لقائكم لم يُقدر

أما حينما يكون الفراق نهائيا ، مثل رحيل المحبوب إلى غير رجعة ، أو موته ، تختلف هنا لحظات الحب لدى العشاق ، ويصبح مفهوم الزمن في مثل هذه الحال قريب جدا من مفهوم العدم الذي تحدث عنه   ( باشلار ) بأنه أغنى من فكرة الوجود نفسها ، وفي هذا يقول شاعر الحب والجمال ” لامرتين ” :

حدثني أيها الأبد ! أيها العدم !

 أيها الماضي ، أيها الغور العميق !

ماذا تصنع بهذه الأيام التي تطويها في أحشائك ؟ أما ترجع إلينا ما سلبتنا من سكرات نبيلة ، ومسرات جميلة ؟ و حينما يتعدى العاشق أزمة الفراق ، وهذا نادر ما يحدث ، يتطلع إلى حياة أخرى ، حياة تعترف بكل الأشياء العظيمة والتافهة معا ، ويظل على حالته تلك ، إلى أن يعثر على عشق جديد ، أو يموت . أما العاشق الذي يحب من طرف واحد ، فإنه يظل يناشد محبوبه الوقت كله ، وكأنه يستمع إليه وجها لوجه  ، وفي هذا يقول:  قيس بن ذريح :

أُقضّي نهاري بالحديث وبالمُنى            ويجمعني و الهم بالليل جامعُ

نهاري نهارُ الناسِ حتى إذا بدا              لي الليلُ  هزتني إليك المضاجعُ

لقد رسخت في القلب منك مودةٌ         كما رسخت في الراحتين الأصباعُ

وأخيرا ، فإن لكل عاشق لحظة لا يمكن قياسها بالزمن المتعارف عليه ، لحظة نجهلها تماما ، مثل أي شيء يحدث خارج الأرض .

_________________________

  • مدير تحرير مجلة رؤى

مقالات ذات علاقة

قرنٌ من حربٍ كبرى لم تنتهِ بعد!

أحمد الفيتوري

السياج الدوغمائي

أحمد معيوف

في عيد ميلاد الشاعر

حنان محفوظ

اترك تعليق