مختارات

زعفران غريان ذهب ليبيا المنسي

فرج غيث


هناك على مرتفع يفوق 850 متر عن سطح البحر، وعلى بعد نحو 80 كم جنوب العاصمة الليبية طرابلس تقع مدينة غريان والتي يعني اسمها (أرض الطين) وهو من الأسماء القديمة في لغة مجتمعات شمال أفريقيا القديمة…

وعرفت درة جبل نفوسة بصناعة الخزف والفخار بأشكال رائعة ونسج السجاد، وبفضل مناخها الجبلي استطاعت احتلال مركزًا مرتفعًا في زراعة الشعير والقمح والتين والكروم، مع الاهتمام بزراعة أشجار الزيتون، وفي مجال معالجة زيت الزيتون وطحن الدقيق، وهي المهن الرئيسية التي يعمل بها سكان مدينة غريان، بالإضافة إلى زراعة نبات الزعفران أو ما بات يعرف في العالم بـ (الذهب الأحمر)، أو ملك التوابل، والذي يعود تاريخ زراعته إلى أكثر من 3000 عام، حين قام المزارعون القدماء بتربية الزعفران بانتقاء النباتات ذات المياسيم الطويلة ثم زرعها في مزارعهم، وهكذا انبثقت الأنواع (المروضة) من الزعفران خلال أواخر العصر البرونزي، ويَعتقد الخبراء أن هناك وثائق تتحدث عن الزعفران تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، حيث أنه اكتشف عقار طبي في أثناء فترة حكم أشوربانيبال، وابتداءً من ذلك الوقت، تم استخدام الزعفران في الطب لعلاج أكثر من 90 مرضاً.

الزعفران (الصورة: عن الشبكة)

الزعفران نبتة ثمينة تعرف علميا باسم Crocus sativus، منتج زراعي ليبي ومن أجود أنواع الزعفران، لم يندثر بعد من أرض غريان الزراعية لكنه أصبح نادرا جدا، وما زالت بعض من بذوره تحتضنها تربة غريان الطينية، وترى بعض أزهاره كل عامين أو ثلاث، ومن المعروف أن تربة غريان لها خاصية لا توجد في الكثير من الأراضي، وذلك لأنها تتنوع من مكان إلى آخر، فالزعفران الذي كانت تشتهر به غريان من أجود الزعفران في العالم، لقد كان من المحاصيل النقدية التي اشتهرت بها غريان منذ القدم، وكان يشكل أحد الموارد المهمة في حياة سكان غريان، وكان من مصادر عيشهم إلى جانب بعض أعمال الزراعة الأخرى، وقد عدّ محمد بن الحسن الوزاني زعفران غريان من أحسن الأنواع جودة ولوناً في العالم، ودلل على ذلك بغلاء ثمنه، فأشار بهذا الصدد ما نصه: (إذا كان زعفران اليونان أو تونس أو المغرب يساوي في القاهرة عشرة دنانير أشرفية للرطل الواحد، فإن زعفران غريان يساوي خمسة عشر ديناراً أشرفياً، وان الدخل السنوي لغريان من تجارة الزعفران يساوي ستون ألف دوبل)، وكانت غريان تنتج ثلاثون قنطاراً من الزعفران، وهي أحمال خمسة عشر من البغال، كما أشار إليه الكثير من الرحالة الأجانب، فقد ذكره الرحالة الإنجليزي فرانسيس ليون قائلاً: (تشتهر غريان بجودة زيتها وزعفرانها)، وقال المُعَلِّم بُطْرُس البُسْتَاني في دائرة المعارف: (الزعفران اسم سرياني واسمه بالإنجليزية Saffron مأخوذة من اللغة العربية الأصفر، وهو خمسة وعشرين نوعاً ويستمر نباته من عامين إلى أربعة أعوام إذا اعتني به).

لقد أهتم أحبتنا الغراينة بزراعة الزعفران، وأولوه رعاية خاصة، واشتهرت زراعته بالجودة والإنتاج الوفير والتربة الملائمة له، قبل ما يزيد عن الستة قرون. وذكر الأستاذ رضا صميدة بأن والده رحمه الله، قال له: (بأن الإيطاليون استفادوا من دراسة تاريخ المنطقة، وتاريخ تربة غريان الخصبة وملائمتها لزراعة الكثير من المحاصيل والأشجار المثمرة، وأخذوا نبات الزعفران دليلا لهم لمعرفتهم أنه لا ينمو إلا في تربة معينة، لها خصائص فريدة، وعند احتلالهم لغريان استولوا على المناطق التي اشتهرت بزراعة الزعفران، واستصلحوا فيها مزارعهم وبنوا فيها مساكنهم وهو ما يسمى بمزارع و(حياش الطليان) بيوت الايطاليين، فكان تواجدهم واستقرارهم بتغسات والسقائف والنطاطات وكمون وبني يحي والبراشيش واولاد حزام وتغرنة، وهذه هي أكثر مناطق وجود ونمو الزعفران.

وتورد لنا سالنامة طرابلس الغرب سنة 1870م أن مقدار محصول الزعفران من غريان في ذلك العام بلغ ألفا وخمسين اوقية وقيمته ثلاثون ليرة ذهبا وأربعمائة قرشاً، وقد جاء بالمرتبة الأولى في جدول المحاصيل النباتية بولاية طرابلس، الأمر الذي يؤكد أهميته الاقتصادية، وكان يصدر إلى أوروبا وتركيا.

من هنا تتضح جليا أهمية هذه النبتة وفوائدها الطبية والاقتصادية، وبالرغم من وجود عدد كبير من المهندسين الزراعيين والمرشدين الزراعيين وخريجي معهد الغيران ومعهد البستنة، ووجود الأرض المستصلحة، ألا أنه لم يفكر أحد من هؤلاء المختصين باستجلاب بذور الزعفران وإعادة استنباتها بأرض غريان الملائمة لها، مع ملاحظة أن الزعفران من النباتات التي لا تستهلك قدرا كبيرا من المياه، وهو يحتاج فقط إلى اهتمام من قبل زارعها، فهو نبات يزرع في الخريف ويجنى في بداية الشتاء، أي أنه يكتفي بموسم الأمطار، ألا أنه في غريان يستمر استنباته وجنيه إلى الربيع.

ويلزم ما بين 120 ألف و140 ألف زهرة لإنتاج كيلوغرام واحد من الزعفران، ويتطلب الحصول على 500 غرام زراعة ما لا يقل عن 70 ألف زهرة يجب أن تكون كلها صحيحة وصالحة، ويحتاج جمع زهور الزعفران إلى قدر كبير من الخبرة، حيث يتطلب الحصول على غرام واحد من الزعفران الخالص والجاف حوالي 200 زهرة، ويتم جني زهرة الزعفران بين منتصف أكتوبر ومنتصف نوفمبر خلال ساعتين أو ثلاث ساعات قبل تفتحه في الصباح الباكر بعيدا عن حرارة الطقس لتجنّب الذبول الذي يحدث ساعات قليلة بعد تفتح الزهرة بمجرد تعرضها لأشعة الشمس.

ويعتبر الزعفران الذي تم جنيه عندما تكون الزهور متفتحة كليا من الدرجة الثانية من حيث الجودة نظرا لضياع مذاق النبتة، ويتنقل جامعو الزهور وسط الممرات وما بين الخطوط أثناء عملية الجني، أين تتواجد على مقربة منهم من الجانبين الزهور مع الحرص على عدم إتلاف زهر البصلات الأخرى التي لم تتفتح بعد وهم يرفعون أصواتهم بالمواويل الدافئة، وتؤخذ الزهرة من الأساس ما بين إبهام وسبابة اليد وتقطع بواسطة الأظافر، وهذا ما جعل العديد من النساء يتخصصن في الجني في حين يتكفل الرجال بعملية الزرع والري والحماية من النباتات الطفيلية، ويجمع المحصول في سلات صلبة لتجنب التكدس وتكسّر السمات، وترسل الزهور بعد الجني في نفس اليوم إلى منزل أو حظيرة لفصل السمات (الزعفران الحقيقي) عن الأجزاء الأخرى للزهرة، إذ يجب أن تنجز هذه العملية مباشرة بعد الجني، وتتحكم الاحتياطات المتخذة أثناء فصل السمات في جودة المنتج، فتجفف في الظل ثم على شبكة رفيعة أو دقيقة على نار هادئة، ويفقد الزعفران خلال هذه العملية من 4 إلى 5 بالمئة من وزن الزهرات الطرية، ويمكن أن توفر عمليات التجفيف الدقيقة للزعفران مدة تخزين طويلة إذا كان معزولا عن الضوء والهواء في الحاويات الزجاجية المغلقة بإحكام والموضوعة في مكان جاف، ويمكن بهذه الطريقة الإبقاء على جودة الزعفران لأكثر من 3 سنوات، دون أن يفقد قيمته كمادة ثمينة، وللزعفران رائحة طيبة ولكن مذاقه مر، ويستخدم في الطهي ليكسب الطعام نكهة طيبة، كما يُستخدم في تلوين الحلوى، ويستخدم لتتبيل أنواع من الطعام، وثمن الكيلوغرام الواحد ما يقارب 3000 دولار أمريكي.

ويكثر الطلب على الزعفران في الأسواق الخليجية، حيث يدخل كوصفة مهمة في المطبخ الخليجي وكذلك في إعداد القهوة العربية ومشروب الحليب بالزعفران. ويستخدم الزعفران في العديد من وسائل العلاج التقليدية ك باعتباره دواء عشبيا طاردا لتشنجات وانتفاخ البطن، محفز يساعد على التبول والهضم، ويستخدم أيضا لعلاج الأمراض المزمنة مثل الربو والروماتيزم، كما أنه مفيد في علاج البرد والسعال، كما يستخرج منه مسحوق يستخدم في علاج حب الشباب والعديد من الأمراض الجلدية، كما تستخدم عجينة من الزعفران كعلاج للكدمات. وكان الأوروبيون في العصور الوسطى يستخدمون الزعفران لعلاج التهابات الجهاز التنفسي والاضطرابات مثل السعال ونزلات البرد والحمى القرمزية والجدري والسرطان ونقص الأكسجين والربو، وأيضا اضطرابات الدم والأرق والشلل وأمراض القلب واضطرابات المعدة والنقرس والنزيف الرحمي المزمن واضطرابات العين. أما المصريون القدامى فاستعملوه كمنشط جنسي، كما يستعمل كعامل مضاد للأكسدة في مجال المنتجات الدوائية ومستحضرات التجميل وكمكمل غذائي ومضاد للاكتئاب.

فهل من مجيب أو مستثمر لهذه النبتة السحرية الهامة والغالية الثمن؟؟!!

مقالات ذات علاقة

المسرح ظل دائم للتاريخ

المشرف العام

رسومات جبال تاسيلي.. متحف يجسد الإرث إنساني

المشرف العام

ميدان الشهداء

المشرف العام

اترك تعليق