سرد

رواية: غياهب الحي المقبل – الفصل الرابع

 تخاريف في عقل مريض

 ***

احتاج (ادهم) حتى يتعافى إلى عدة جلسات ومراجعات عند ذلك الطبيب المعالج، والذي بإمكانه إعادة وإصلاح اى عطب في عقل المريض (ادهم) ، أو اى مريض أخر من هذا النوع في هذه المدينة.

تردد (ادهم) عدة مرات على ذلك الطبيب بمساعدة صديقه (حازم) والذي أسعفه يوم الحادث.

كان (ادهم) خلال تردده ، وفى كل جلسة للعلاج ياتى فيها متقمصا لشخصية احد عظماء التاريخ… وعمالقة الزمن من أمثال (عنترة العبسى)،(صلاح الدين الايوبى)، (بيتهوفن)، (بيكاسو)، (نوبل)، (اينشتاين)، وأيضا شخصيات الأساطير في ألف ليلة وليلة .. وأبطال مسلسلات الكرتون إلى شاهدها على شاشة التلفاز .. (السندباد والبساط الطائر) والمارد المسجون في تلك القنينة الزجاجية الصغيرة ..!

كان (ادهم) قبل الحادثة على درجة كبيرة من الاطلاع مما اثر على تصرفاته أثناء مرضه ، فالمعلومات التي كان يقراها عن صلاح الدين الايوبى مثلا تظهر في شكل حقيقة يجسدها دون أن يدرى .. فيخرج إلى الشارع حاملا إحدى العصي ويبارز في الهواء.

وعندما يسأله احدهم .. ماذا تفعل ياأدهم؟ يجيبه (ادهم): “ابتعد انى أحارب الصليبيين”.

أما إذا تسربت إليه معلومات كان قد قراها عن الموسيقار العظيم(بيتهوفن) فسيتخذ مقدمة إحدى المركبات كآلة بيانو ويبدأ يعزف الحان لا توجد إلا في خياله فقط.

وعندما كان يتقمص شخصية (بيكاسو) فحدث ولا حرج ، لأنه سيقوم باستعمال جدران المنازل كلوحات ويبدأ في طلاء تلك الجدران بألوان ورسومات غريبة ويتخيل في نفسه وكأنه يرسم لوحات سريالية فنية رائعة ..

… كان (ادهم) أيضا يقوم بمسح ودعك إبريق الشاي متوهما أن المارد المسجون سوف يخرج سريعا ليلبى رغباته متخيلا نفسه (السندباد) أو (علاء الدين).

كان ينادى طيور الحمام بياسمينة متوهما انه سوف يطرد عنها السحر ، ويساعد الأميرة الصغيرة في فك سحرها وإعادتها إلى الحياة الآدمية ..

كان (ادهم) في درجة مابين الجنون واللا جنون ، هوس كبير كاد أن يوصله إلى اشد حالات البؤس والشقاء … أشياء كثيرة ومعلومات تاريخية كانت مخزنة في لب تفكيره تمكنت من التسرب فجأة، وفى تلك الفترة المرضية … زادته عناء ومتاعب ، وكادت توصله إلى الانتحار.

وصل خبر جنون (ادهم) إلى إسماع السكان الجدد ، فهللوا وطبلوا فرحا بالنصر … واحتفلوا احتفالا كبيرا بهذه النتيجة الغير منتظرة.

لقد ارتاحوا من هذا الفتى وحركته الغير اعتيادية … وتنفسوا الصعداء وابتهجوا أخيرا.

لاحظ (حازم) كل ماصدر من الأخوة الشباب تجاه (ادهم) فأيقن أن صديقه في ورطة اجتماعية، فأصر على مواصلة رحلة العلاج الخاصة بصديقه (ادهم) حتى يتعافى تماما من حالته الصحية السيئة ..

وبعد عدة أيام وليال طويلة وعصيبة من الله تعالى على (ادهم) بالصحة والعافية من جديد ، وعادت المياه إلى جداولها مرة أخرى.

استأنف (ادهم) حياته الاعتيادية مرة أخرى ، ولكن بصمت وحذر وأكثر تصميما وعزيمة على تحقيق ماتبقى من طموحاته الجميلة.

كانت أخر زيارة قام بها (ادهم) إلى ذلك الطبيب المعالج وكانت الفرحة ..

“لقد تعافيت تماما يا (ادهم) ، لا أريد أن أراك هنا من جديد .. هيا ارحل”

.. كانت هذه الكلمات هي أخر كلمات تفوه بها ذلك الطبيب لمريضه (ادهم)،  فأصبحت أجمل جملة طرد سمعها في حياته.

أتى سكان الحي إلى (ادهم) فرحين وشاكرين الله على سلامته ، وأوصوه بالراحة حتى يتعافى تماما، معتقدين انه (ادهم) بشخصه القديم.

… مرت الأيام على هذه الحالة والسكان الجدد (كامل) وإخوته ، مبتهجون لما حدث له من مآس، … بينما (حازم) يتردد على صديقه (ادهم) ولا يفارقه أبدا.

… تغيرت تصرفات (ادهم) مع مرور الأيام … وأصبح يمهد للكشف عن أسرار الجريمة …

مرت الأيام على غير عادتها في ذلك  الحي .. وفى يوم من أيام الدراسة المعتادة كُلف (ادهم) بالإشراف على تلك المجموعة الدراسية في تلك الكلية العلمية .. وذلك لان (ادهم) أصبح معيدا في تلك الكلية العلمية نتيجة لتفوقه الباهر دراسيا رغم حداثة سنه مقارنة ببقية الأساتذة.

فتى من الحي المقابل يصبح احد أساتذة الكليات العلمية الكبرى في المعمورة .. أصبح (ادهم) محط إعجاب وتقدير واحترام الكل.

… حتى الفتيات المراهقات الدارسات في تلك الكلية أعجبن برجولته وشهامته وتفوقه العلمي الباهر.

… كان هذا اليوم وهو يوم الإشراف على الطلبة محطة هامة في حياة (ادهم) لأنه كان دليل تفوقه بين اقرأنه أمام الفتيات.

… تعلقت به الفتاة حاملة الرقم الدراسي (3333)، وقررت في نفسها أن تلفت انتباهه إليها..

فتسألت:

” كيف يتم ذلك؟” وتوصلت للحل:

قررت إرسال قصاصة ورقية صغيرة بعد أن كتبت بها:

” لقد علمت انك طالب دراسات عليا هنا وأستاذ في نفس الوقت. اقدر فيك هذا التفوق العلمي ، وأتمنى لك مستقبلا زاهراً. أرجو الإبقاء على سرية رسالتي هذه ، وأتمنى لك كل التوفيق”.

مع أجمل تحياتي

حاملة الرقم الدراسي (؟333).

وأغلقت الوريقة بعناية بعد أن عطرتها بإحدى الروائح الجميلة ، ووضعتها في مركبة الأستاذ (ادهم) عبر نافذتها الصغيرة.

… في تلك اللحظات والتي قامت فيها الطالبة بوضع الورقة في السيارة لمح الشبح(3333) كل ذلك وسارع بالاقتران بالطالبة.

اختل توازن الفتاة ، وشعرت بشيء رهيب قد الم بها ، فأقفلت راجعة بسرعة إلى البيت دون أن تكمل يومها الدراسي.

أنهى الأستاذ (ادهم) يومه الدراسي ، ورجع مسرعاً إلى بيته في ذلك الحي ، وعند المساء قرر أن يقوم بتنظيف  مركبته ، فوجد قصاصة من الورق ، فتحها فكانت المفاجأة ..!

“رسالة صغيرة من مَن ..!؟”

تسأل (ادهم) بسرعة .. ثم قرأ الرسالة مرة .. مرتين .. ثلاث مرات .. أربع وأكثر.

“أتكون تلك الفتاة ؟.. أم تلك ؟.. أم هي خدعة من بعض الطلبة المشاكسين الذين أرادوا الاستهزاء بى.

.. أظنها قصة حب سوف تنسج في الخفاء ، قصة حب واقعية ..

قالها متمتما وممنيا نفسه بقضاء أيام جميلة وممتعة”.

***

يتبع

مقالات ذات علاقة

رواية الحـرز (15)

أبو إسحاق الغدامسي

رواية الحـرز (13)

أبو إسحاق الغدامسي

إِنَّهُ العيدُ .. !

جمعة الفاخري

اترك تعليق