سرد

رواية الفندق الجديد – الفصل الحادي عشر

تدابير إجرامية

إشراقة_من أعمال التشكيلي رمضان نصر
إشراقة_من أعمال التشكيلي رمضان نصر

…في جنح الظلام ومن أمام عتبات الفندق الجديد، أكمل (سند) وضع الحقائب في سيارة العائلة، والتي سيقودها بنفسه هذه المرة، لتنسل بهم إلى بيتهم.

وبعد أن أتفق (سند) مع (مفتاح) أن يتبعه بمركبته إلى منطقة طريق المطار، ليعاين البيت وما يتطلب من أعمال صيانة.

غادرت السيارتان المكان، وغادرت من خلفهم السيارة التي كان يستقلها الأرعن (مرعي)، ومن حسن الحظ أن (العريف سالم) قد شك في الأمر، فقرر لحاق السيارات الثلاث كذلك.

فهو يعلم أن الأرعن (مرعي) أغتني سريعاً من جراء النهب وأن سيارته أصبحت الآن  من طراز (تويوتا دفع رباعي)، ولكنه لم يعلم أن (مرعي) تطور كذلك  في أدائه ، فقد أصبح قاتلا خطيراً ، حيث كان يقوم بتبديل مركبته وهيئته حين يريد تنفيذ جريمة قتل ، وهو هنا من أجل تنفيذ عملية قتل بمقابل مادي كبير يستهدف بها احد رجالات القذافي المخلصين والمفرج عنهم حديثاً الا وهو (الاستاذ فوزي)، لقد كان (مرعي) يجري مكالمات بصوت مرتفع لُيسمع من بقربه، كأن يتظاهر أنه ذاهب الي المكان الفلاني من اجل استلام شحنة هواتف نقالة وسيتم بيعها ، حتي بجرجر اذهان من حوله أن الأموال التي يتحصل عليها هي من جراء هذه الصفقات التجارية وليست مقابل عمليات قتل واغتيالات .

انعطفت سيارة العائلة في اتجاه طريق سوق الخضروات و(فندق النوران)، لتعبر في اتجاه جزيرة الجرات إلى منطقة السلماني ثم طريق مطار بنينا، ومن خلفهم أستمر لحاق السيارات الآُخري.

كانت السيارات الأربعة تعبر الطرقات ومذياع كل سيارة كان يبث خبرا من راديو مختلف عن الأخر.

وفي تقرير إخباري قدمه برنامج مباشر كان (العريف سالم) يستمع منصتاً لقارئ التقرير:

تمر الأيام لتمضي بسرعة ، ورياح التغيير تكاد تعصف بالنظام الجماهيري، والذي أستمر لأربعة عقوداً من الدهر، وها هي الحلقة تضيق شيئاً فشيئاً من حول رأس النظام  العقيد القذافي ، فيقرر ترك مقره حكمه  باب العزيزية،  وتوجساً من تاريخ فتح مكة الذي يقترب ويتخذ منه المسلمون المتشددون تاريخاً مناسباً للقيام بعملياتهم في مختلف مدن العالم ، وبعد انشقاق  بعض من رجالاته الأقوياء ، ها هو يقف وحيدا دون أنصار ومرافقين، إلا بعض من رفقائه المخلصين أمثال أبوبكر يونس جابر قائد قواته المسلحة ورفيق دربه مطلع الستينات وأبنه المعتصم بالله وسائقه المخلص، وها هي وكالات الأنباء تتحدث عن العثور على طائرتين نوع هليكوبتر مخبأتين في أحراش قريبة من مدينة سرت.

والتقارير الاستخباراتية تؤكد وجود القذافي في مدينة سرت، وأنباء عن قرب نهايته.

فقام (العريف سالم) باستبدال تردد المذياع فإذا به يستمع إلي:

أخبار كر وفر ثوار بنغازي والمنطقة الشرقية حول تخوم مدينة سرت، في قناة آُخري.

وفي هذه اللحظات وصلت المركبات المتتابعة لبيت (الأستاذ فوزي)، فترجل (سند) في اتجاه مركبة (مفتاح) ليخبره، أنه يستطيع الآن الدخول لمعاينة المنزل.

وعلى الفور دخل (مفتاح) المنزل بينما بقية العائلة، انتظرت   داخل سور الحديقة، لتفسح المجال لعامل الصيانة للبدء في مهمته، لكن المركبتين الأخريين ظلتا تراقبان المشهد دون أن يتفطن (مرعي) القابع في مركبته، لمن يراقبه، حين كان منشغلاً بإجراء مكالمة هاتفية يستوضح فيها من رفيقه (جمال) عن عامل الصيانة (مفتاح)، والذي طمأنه بأن (مفتاح) شخصية مريحة ويستطيع الاعتماد عليها.

أكمل (مفتاح) المعاينة، فأتفق مع (سند) أن يأتي لاحقا، ليبدأ أعمال الصيانة وعلى أن يقوم (سند) بتوفير الاحتياجات اللازمة من (أقفال أبواب داخلية) و(زجاج نوافذ وشبابيك) ومجموعة حنفيات أو ما يعرف في اللغة الدارجة الليبية بــ (الشيشمات)، وعدد اثنين من أجهزة تسخين المياه الخاصة بدورات المياه أو ما يعرف في العامية الليبية بـ (السخانات) وسيتكفل بإجراء الصيانة في غضون سويعات.

.. وعلي الفور صعد (مفتاح) إلى سيارته وقادها مسرعاً، ومن خلفه سارع (مرعي) مطارداً بمركبته.

كان كل ذلك يحدث تحت نظر (العريف سالم) الذي لحق بهم متشبعاً بحسه الأمني الشديد.

وعند مفترق طريق المساكن أستطاع (مرعي) تمرير إشارة إلى (مفتاح) ليتوقف بمركبته بعد إشارة المرور.

توجس (مرعي) شراً وظهرت عليه علامات الذعر، كون السيارة التي وجه له قائده الإشارة لا تحمل لوحات معدنية وزجاجها كان معتماً بالكامل، ولكنه أذعن للأمر.

وعندما اجتازت السيارات إشارة المرور، سارع (مرعي) بفتح باب مركبة (مفتاح) ليجلس بجانبه..

كان (العريف سالم) يراقب المشهد من بعيد، حني أنه رأي (مرعي) وهو يعطي (مفتاح) هاتفه، وكيف تحدث (مفتاح) بهاتف (مرعي) مع شخصا آخر.

– تمتم (العريف سالم):

أظنه صديقاً مشترك

.. نعم لقد كان حدس (العريف سالم) في محله، فقد أجري (مرعي) اتصالا مع (جمال) أمام عامل الصيانة (مفتاح) حتى يطمئن (مفتاح) إلى (مرعي).

ثم شاهد (العريف سالم) كيف أتفق الاثنين، وكيف هبط (مرعي) من جديد من سيارة (مفتاح) ليتوجه إلى مركبته، ليجلب منها صندوقا ويمنحه إلى (مفتاح) وينتهي الأمر بالمصافحة فيما بينهم.

وعندما جلس (مرعي) خلف مقود سياراته راغبا في التحرك، إذ بهاتفه يرن من جديد، ولم يكن المتصل سوي (جمال)، فأستغرب (مرعي) الأمر ثم رد بخشونة.

– مرعي:

كنك يادولة شنو فيه

– جمال:

انسيت انقولك عندي لك خبر خطير على (مصباح) بس موش قايل إلا بعد أنفك منك سيارة ومطوية كلاشن كوف.

– مرعي:

غير أدوي شن فيه.

– جمال:

حبيبك الحبي (مصباح) عشش في هوتيل الحاج أنور، وداير مجلة أو جريدة موش عارف بس راه مازال يلبس في البدالي ويخالط في ثلاث درايق ووحدة اجنبية موش عارف شن يرطن معاها.

– وأضاف ضاحكاً:

لكن اللي مستغربه فيه حاجتين مكان اتقمعيزته في الكافتيريا مايتغيرش وحتى مكان الصلاة في مسجد الهوتيل واحد ونفس المكان.

– مرعي:

أسمع قرقد بيه الحكية ولد الحكية، داير روحه هبز ونظيف، أسمع أسمع خوذ اشوية بول وبزعه على الفرشة اللي في المسجد في نفس المكان اللي ايصلي فيه.

وبعدين دور كيف اتوصل المعلومة للحاج أنور أنه امخدم واحد وسخ ونجس ووريه المكان خلي صاحب الفندق ايشمه توه ايلزه.

– وأضاف:

لو درتها تقعد أصلي يا أجميل، ونعطيك (الأوبل الكورصا) ومطوية ومخزنين امعبيات ذخيرة رصاص يالهبل.

– رد جمال بحماسة مفرطة:

. تم يادولة تم

وعلي الفور غادر (مرعي) المكان لاحقا بالجميع.

في صباح اليوم الثاني أنهمك عامل الصيانة (مفتاح) في صيانة المنزل، وفي خلال السويعات القليلة، أنهي المهمة، لكنه أرتكب خطأً عن عمد!

لقد تعمد وضع خراطيم أجهزة تسخين المياه (السخانات) بطريقة معكوسة، وأحكم رباطهما بطريقة خاطئة، دون إفراغ الهواء من داخلها، وهذا ما سوف يترتب عنه انفجارا هائلاً إذا ما تم تشغيلها.

وبعد أن أنتزع عامل الصيانة (مفتاح) مفتاحا واحدا من كتلة كل مفاتيح الإقفال الجديدة التي قام بتركيبها في الأبواب، أخبر (مفتاح) (سند) بأنه قد أنجز العمل على أكمل وجه، فمنحه (سند) مبلغا مالياً نظير عمله وشكره وسمح له بالمغادرة.

في هذا الأثناء (جادالله) ينجح في بيع الشاحنة، ويتوجه لشراء مركز لصيانة سيارات مجهز وقد كان من حُسن حظه أنه واقعة بالقرب من محطة بنزين الحاج أنور.

مقالات ذات علاقة

هايكو لترميم الذاكرة

المشرف العام

رواية الحـرز (25)

أبو إسحاق الغدامسي

كُسيلة وعمر المختار

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق