سرد

رواية الفندق الجديد – الفصل الثاني عشر

بورتريه صخري – من أعمال التشكيلي الليبي محمد بن لامين

سائق البلدوزر الشهم

نجح (مصباح) في تنفيذه للخطة الترويجية، المُعلنة عن موعد الافتتاح الرسمي للفندق، فبالتوزيع الميداني المباشر عن طريق (ربيع ووليد)، عند جزيرة دوران الجرات بمنطقة السلماني، فتمكن من إيصال المعلومات إلى ما يقارب عن عشرين ألف شخص هم سائقي السيارات والحافلات والشاحنات وحتى البلدوزرات المارة عبر هذا الطريق، فوصلت المطويات إلى عوائل ومعارف كل من استلمها خلال يومين فقط من العمل المرهق للأولاد.

وعند الكورنيش تمكنا (وليد وربيع) في غضون يومين آخرين كذلك، من توزيع ما يقارب عن ثلاثة آلاف نسخة من نفس المطوية.

لكن (مصباح) لم يكتف بذلك، فقد كثف من حملته الإعلانية، فأتفق مع إدارة الإعلان في راديو بنغازي (إف إم)، ببث خبراً عن موعد الافتتاح لمدة عشرة أيام متواصلة بمعدل أربع مرات في اليوم بتكلفة مناسبة.

وأقنع (الحاج أنور) بضرورة تحرير رسائل رسمية إلى كافة المؤسسات الحكومية والخاصة، والنوادي الرياضية ومنظمات المجتمع المدني، والتي بدأت تظهر أعمالها ونشاطاتها للعيان بفحوى مطوية الإعلان مع بطاقات دعوة رسمية لحضور الحفل الساهر.

ثم قامت الفتيات بطلب من (مصباح) بإطلاق صفحات على منصات التواصل الاجتماعي الفيس بوك، والتويتر للترويج عن نشاطات الفندق، وأهمها صور للفندق والأجنحة، الخاصة استعدادا لحفل الافتتاح، لاستقطاب مزيدا من النزلاء من دول صديقة كذلك، وهي إستراتيجية لبدء علاقات تجارية وسياحية مع مكاتب السفريات المحلية والعالمية في دول أخري، لجذب أفواجاً من مواطنيها والذين يحلم (مصباح) في استقطابهم كسواح لشواطئ ورمال منطقة الصابري المبهرة.

وقد قام بتطبيق نفس الأسلوب الذي يطبقه رجل الإعمال الصغير ابن الصابري (فرج) في الترويج لإعلاناته، فقد استأجر (مصباح) عدد خمس سيارات هونداي ذات لون أبيض من نفس المعرض الخاص ببيع وتأجير السيارات، فوضع ملصقات على تلك السيارات، وبدأت تدور في طرقات وشوارع وميادين مدينة بنغازي، لمدة خمسة أيام معلنة عن موعد الافتتاح وموقع الفندق الجديد.

ثم أعطي تعليماته لزملائه في الصحيفة ليجهزوا العدد الأول من (صحيفة الأيام)، مدعما بكل عروض الدعاية المتفق عليها، لتكون صادرة كذلك في يوم الافتتاح.

جموعاً كبيرة، بدأت تتوافد على الفندق، والعمل على قدم وساق، لتهيئة أجواء احتفالية لائقة بمستويات الضيوف.

…. مداخل الفندق الجديد مشرعة على مصرعيها، والموظفين يرسلون الابتسامات وكلمات الترحيب هنا وهناك.

حوارات بين الضيوف، فيما بينهم.

… وعمال الكافتيريا القابعة بالطابق الرابع يقع عليهم العبء الأكبر، فهل هم على قدر المسئولية؟

ثلاثة  من الشباب كانوا يؤدون عملهم علي أكمل وجه فيما عدا الشاب الرابع (جمال )، والذي تمادي في رعونته ، فبدأت تتسرب من تصرفاته أفعال فاضحة، تنم عن عدم الجدية في تأدية واجبه المنوط ، فهو يقوم بتصرفات غريبة عند حمله لبعض المشروبات والمرطبات لبعض الضيوف ، فلقد قام بتزويد ( دانيال ) ، و ( ساندرا ) وكذلك ( جادالله ) شئيا من النبيذ المحلي (القرابة) في اكواب عصير الليمون بدون علم الآخرين ، وكذلك قام بوضع بعض الأقراص المهلوسة، والتي أخرجها من علبة السجائر، ووضعها في كوب، كان قد قدمه لأحد الضيوف الجالسين وهو شاب مثقف كان يعمل أستاذا في التوعية الثقافية مع منظمة مجتمع مدني تهتم بالثقافة الليبية المحافظة، والذي كان يجلس منسجما مرتدياً بدله فاخرة وربطة عنق رائعة ،وواضعا رجلا فوق رجل، متصفحاً لبعض المجلات والجرائد ، ومدونا لبعض الملاحظات في مفكرته الصغيرة ،ولقد رأته ابنة الأرملة (عواطف ) ،التي كانت تختلس مشاهدة الحفل من زاوية غير منظورة، وكيف تغيرت تصرفات الضيف من حالة الهدوء والاستمتاع والكتابة والإطلاع التي كان فيها ، إلي نوع من التوتر والهيجان حين تجرع ذلك الكوب المقدم من عامل الكافتيريا (جمال )، حتي أن الضيف أصبح يهرول بين ممرات الطابق الرابع ويهذي بكلمات ويرسل في إشارات غامضة دون أن يدري ، ثم  توقف مسترخياً مرهقاً في إحدى الزوايا المعتمة في صالة الاحتفال.

سارعت (سعاد)، بإخبار (الحاج أنور)، ليتدارك الأمر قبل أن يُفسد العامل (جمال) الحفل بتصرفاته الإجرامية تلك مع ضيوف آخرين لم يروقوا له.

…وبينما كانت (سعاد) تهم بالدخول لمكتب (الحاج أنور)، لاحظتها (فاطمة)، فهمست لـ (عائشة) أن (سعاد) على علاقة غير شريفة مع (الحاج أنور).

– (فاطمة) باللهجة الليبية العامية:

شوفي يا (عائشة) أنا أعتقد أن (سعاد) على علاقة غير شريفة مع (الحاج أنور) فهي كثرة التردد عليه، وتختلي به في مكتبه المغلق.

– (عائشة):

أعوذ بالله منك، عيب الكلام هظا الراجل كبير وفي عمر والدها.

– (فاطمة):

أنا قلتلك إني أعتقد، وماقتلكش …متأكدة

– (عائشة):

“إن بعض الظن إثماً ” يا (فاطمة) أنتي بس تفكيرك وحش ومش تمام.

– (فاطمة) في قراره نفسها:

حسنا سوف أتأكد من تصرفات (الحاج أنور) بطريقتي.

في هذا الأثناء أخبرت الفتاتان (الحاج أنور) بما جري للأستاذ المثقف والذي حضر مع كوكبة من المثقفين من منظمات المجتمع المدني، وجلسوا مستمتعين بفقرات الحفل.

أستوعب (الحاج أنور) الأمر وقرر بسرعة في قراره نفسه، أن يصعد إلى الطابق الرابع ليصحح الأمر بهدوء.

… فسارع فور وصوله بجذب العامل (جمال) من يده بلطف وأمره أن يجلس في ركن معين وألا يغادر المكان حتى نهاية الحفل، ثم توجه (الحاج أنور) إلي الأستاذ المثقف وتحايل عليه إلى أن أقنعه بالجلوس معه على مائدة واحدة معه ومع (مصباح) ثم همس في أذن مصباح:

قم وأتصل بمركز الشرطة سرا ليقوموا بالتحقيق في أمر هذه الواقعة.

– (مصباح):

أي واقعة؟ وأي آمن؟

– (الحاج أنور):

لقد قام العامل بالكافتيريا واسمه (جمال) بوضع أقراص مهلوسة في شراب، ثم قدمه لهذا الشاب المثقف، وشربها المسكين دون أن ينتبه وهو الآن تحت تأثير الأقراص المربكة لتفكيره ألم تراه يهرول هنا وهناك؟ والآن جالسا بيننا يهذي.

– (مصباح):

نعم.. نعم ولكني اعتقدته يرقص على أنغام الموسيقي بطريقة مجنونة عن عمد فقط.

– (الحاج أنور):

إذن عليك بإبلاغ رجال الشرطة للقبض على (جمال) وتوصيل هذا الشاب إلى بيته.

فهذه اللحظة فقط تفطن (جمال) أنه في وضعاً، لا يحسد عليه، فحاول أن يُبري نفسه للـ (حاج أنور) قائلاً

– جمال:

موش أنا يا حاج قسما برب العزة أن مصباح هو اللي ايجي ويدير في الحاجات هظوما باه، حتى تعال شوف يا حاج، وأقنع الحاج أنور أن يذهب معه لغرفة المسجد بالفندق، وعندما وصلوا، جثم (جمال) على ركبتيه وشم رائحة الفرش موضع البول المسكوب، وقال:

– جمال:

حتي مكانه نجس يا حاج شم اهو نجس.

– الحاج أنور:

بطل كذب يا عكروت، هضا (مصباح) كيف اوليدي وأنت هاللي نجس يا نجس.

– وأضاف:

قلبت كلمة ” طيب الله ثراه ” امبدلها ” بكلمة ” نجس الله ثراه ” يا ويلك من ربي شوي أنت يوم القيامة، توا اتشوف نهايتك كيف؟ ثم وجه (الحاج أنور) دفة الحديث مخاطباً (مصباح).

كلم الآمن اندهلي على الآمن خلينا نعطوهم هالقرد اللي اندكلنا في الفندق

– (مصباح):

أي آمن يا (حاج أنور)، لقد انهارت المنظومة الأمنية الشرطية السابقة، وحلت محلها كتائب الثوار المسلحة، تطبق منظومة أمنية وطرق جديدة، لبسط الأمن في المدينة، وهناك سلسلة من الاغتيالات بدأت تستهدف رجالات الشرطة الأولين، والجيش وحتى الناشطين عن طريق انفجارات لسيارات ملغمة بطرق غامضة ورجالات مراكز الشرطة في حكومة القذافي في هذه الأيام لا حول لهم ولا قوة فقد أنفرط عقدهم.

– (الحاج أنور):

والحل؟

– (مصباح):

الله أعلم الشعب ينتظر حكومة قوية وحاكماً أفضل وأقوي من معمر القذافي، ليفرض منظومة الأمن والأمان في ربوع الوطن من جديد، وهم حذرين في التعامل مع الكتائب الأمنية الجديدة والذين اتخذوا من المدارس مقرا لفرض هيبتهم.

في هذا الأثناء لاحظ (الحاج أنور) و (مصباح) قدوم (المسكين علي) لأول مرة إلى الطابق الرابع فقد أوصلته نغمات الموسيقي إلى مصدرها.

– (الحاج أنور):

يا (مصباح) بسرعة بالله عليك، قف وأحضر (المسكين علي) للجلوس معنا، فلقد بدأت حالته الصحية تتحسن وها هو يعود الي طبيعته وكأن مسا من السحر كان مصابا به وأنفك عنه الآن.

– (مصباح):

حاضر يا (حاج أنور) وعندما نهض (مصباح) ليجذب (المسكين علي)، لنفس الركن الذي يجلس به (الحاج أنور) و(الشاب الأستاذ المثقف)، الواقع تحت تأثير المخدرات وأقراص الهلوسة، وقف أحد الضيوف من ركن أخر تاركاً الاستمتاع بالموسيقي، ومتوجها إليهم، وانحني أمام (المسكين علي) ليتمعن ويتبين في تقاسيم وجهه وتفاصيله، فأستفسر منه (الحاج أنور) عن سبب هذا التصرف.

– (الحاج أنور) باللهجة العامية الليبية:

تفضل يا أستاذ شنو فيه هذا راجل طيب، أنا امسكنه هنا تحت رعايتي وأنحاول أنطلعه من حالته المرضية، اللي أوقعوه فيها أولاد الذين منذ سنوات، لكن من حضرتك؟

– يرد الشخص الضيف:

 (حميد) انا اسمي (حميد) واعمل كسائق بلدوزر، أنا أقوم بتهيئة الأراضي، إذا ما تم الاتفاق على أن تكون مخططات سكنية جديدة، وأخبركم أن هذا الشخص واقع تحت تأثير السحر.

– (الحاج أنور) و(مصباح) باهتمام:

سحر؟ كيف؟

– (حميد):

 اعتقد ذلك فمنذ عدة أشهر، قمت باستصلاح بعض الأراضي وتمهيدها عن طريق البلد وزر الذي اعمل به في منطقة البحيرات السياحية في منطقة السبخة الواقعة بالقرب من مقبرة سيدي عبيد تحديدا بين مثلث مناطق (أرض أزواوة والزراريعية واللثامة) أليس كذلك؟

– مصباح:

نعم نعم هي منطقة مشروع البحيرات السياحية السبع المتعثر إنجازها منذ سنوات …أكمل حديثك أرجوك

–  حميد:

 وبينما أنا منهمك بتسوية الأراضي بالبلدوزر، وجدت نفسي وقد اقتلعت صخرة ظهرت من تحتها حفرة، وعند ترجلي أليها وجدت صورة حائطية مدفونة، لشخص يحمل نفس ملامح (المسكين علي) هذا، ولقد كانت الصورة مكبلة بالسلاسل، والأقفال ومتوارية، منذ سنوات في ذلك المكان ومنذ ذلك اليوم وانا مهتم بالبحث عن صاحب الصورة، وقلق لإيجاد هذا الإنسان فقد أيقنت أنه واقع تحت تأثير السحر الأسود.

رد (الحاج أنور):

بارك الله فيك، أيها الشهم، والحقيقة أن (المسكين علي)، بدأ يتحسن منذ شهور واعتقد أن السحر بدأ ينفك منه منذ وقوعك على صورته المدفونة.

وأضاف (الحاج أنور) قائلاً:

وهذا يؤكد من جديد صحة القصة التي بدأت تتداول عنه من بعض السيدات المحترمات التي كن يعشن بقرب سكن والدته الطيبة والتي ساءت حالتها منذ فقدانها أبنها وابتعاده عنها، بوضعه في مستشفى الأمراض النفسية قسم (أ) بطريقة كيدية دون علمها. فهي لم تستطع البحث عنه ولا حتى أن تقوم بإحضار طعامها من المتاجر في المنطقة لولا تدخل بعض أبناء الحلال في إطعامها من حين لأخر لفارقت والدته الحياة جوعاً.

… وأضاف باللهجة العامية الليبية أحيانا والعربية في أحيان أخر موجها الحديث الي مصباح هذه المرة.

– الحاج أنور:

تعرف يا (مصباح) ما حدش عارف سبب شكوى إحدى النساء عليه، بس فاح الخبر بعد مدة وعرفنا أن المشتكية عليه، حاولت إبعاده عن الشارع، فقد أوصت بوضع أكداساً لأكياس من القمامة المتعفنة أمام بيته ونظره يوميا، حتى لا يجلس أمام بيته في الشارع من جراء التفعن والعفونة، وبالتالي لن يشاهدها وهي تقوم بخيانة أهلها، مع بعض الوافدين الأجانب المتزاحمين في المنطقة.

لكن هذا المسكين لم يغادر مكان جلوسه أمام بيته، ولم يرغب في بيعه كما تمنت تلك المرأة، فاشتكت منه وادعت أنه يرغب في استمالتها، وأنه يعمل على مضايقتها، كلما خرجت مضايقتها كلما في إحدى الليالي عنوة، ووضعوه في مستشفي الأمراض النفسية قسم (أ) دون عرضه على النيابة.

لكن بعد سنتين تقريباً، أبلغت بعض السيدات المحترمات في الشارع  والتي علي خلاف مع المشتكية ،،عن أن المرأة المشتكية علي (المسكين علي ) كانت علي علاقة غير شرعية مع عامل أجنبي، كان يسكن في شارعهم ضمن مجموعة عمال أجانب اتخذوا من بيوت قديمة في منطقة الصابري مسكنا جماعيا لهم ،، وكان (المسكين علي) نشيطاً جداً و كثير الحركة ،ويشاهد  في خيانتها كلما خرج من بيته مصادفة ،، فادعت عليه كذبا حتي لا يشهد  ضدها ،وبدلا من ان يضعوه في السجن، وضعوه بالتواطؤ مع أقاربها  في مستشفي المجانين ، لان الناس لن يعتدوا بشهادة مجنون لو فكر أن يتكلم عليها.

– (مصباح):

– هذي جريمة كاملة مستحيل تحدث في ليبيا، وكيف وصلتك المعلومات يا (حاج أنور)؟

– أبتسم (حميد) وقال ضاحكا:

– البلاد مختلطة يا (مصباح) ودخلت علينا ثقافات وسيناريوهات جرائم يقشعر منها الأبدان وأشياء مبتكرة في عالم الجريمة تسللت مع الأجانب الذين دخلوا حدودنا بدون رقيب ولا حسيب أو تنظيم.

– أضاف (الحاج أنور) موجها حديثه إلى (مصباح) خاصة:

…. مش قتلك نساء الشارع المحترمات تعاطفن مع (المسكين علي)، وتحدثن عليها، لأن أولاد المشتكية، بعد أن كبروا طلعوا من ناحية الملامح وشكل الجمجمة وحجم الجسم والتكوين شبه أولاد العامل الأجنبي، والذي رجع من السفر وأخطأ فأحضر أولاده الشرعيين من زوجته الشرعية، بنت بلاده، ليعملوا معه في ليبيا وسكن نفس الشارع، فظهر الشبه الكبير سبحان الله بين الأولاد الشرعيين والغير شرعيين من الجهتين، وكأنهم حبه من الفول وانقسمت اثنين!

– (مصباح):

وماذا حدث للمرأة الخائنة؟

– رد (الحاج أنور):

لقد ابلغ زوجها عن وفاتها ذات يوم جراء إصابتها بسكتة قلبية فجائية، وأعتقد أنه هو من قتلها بطريقة ذكية كدس سم الفئران أو تغيير أقراصاً لدواء كأقراص علاج مرض الضغط بدلاً من أقراص علاجية أخري، وأدعي أنها ماتت عن طريق سكتة قلبية، والله أعلم، فهناك قضايا حيرت رجالات الأمن، ثم أهملت، كونهم عجزوا عن حل ألغازها.

مقالات ذات علاقة

جزء من رواية (أورارا)

المشرف العام

دموع العابرين

مهند سليمان

رسالتنا من النص الناقص

عائشة الأصفر

اترك تعليق