سرد

رواية الفندق الجديد – الفصل الثالث عشر

من أعمال الفنانة التشكيلية “مريم الصيد”

في غياب الأمن والأمان

فوضي عارمة تغرق المدينة هذه الأيام، وموجة غريبة من سلسلة تفجيرات من خلال سيارات مُلغمة، يصحو على إثرها سكان مدينة بنغازي مذعورين.

…الدماء تسيل بغزارة كغزارة الأمطار التي أغرقت الشوارع، بداية الثورة، وخيام المآتم انتشرت في أغلب الأزقة، فسدت هي والمياه العائمة جراء تصدع شبكات الصرف الصحي وتهتك البنية التحتية في المدينة كل الطرقات، فزادت من صعوبة التنقل والتجوال بين ميادين مدينة بنغازي والتي كان يمارسها (مصباح) اغلب أوقات فراغه، وفترة انشغاله بإصدار صحيفته، انطلاقا من منطقة الصابري عرجون الفل إلي حيث تحقيق أهدافه.

…كان يتجول للتحقق بنفسه من دوافع قتل المستهدفين في عمليات التفجير المختلفة، قبل أن يعتمد نشر هذه الأخبار الخطيرة بالصحيفة.

فلم يستطع الوصول إلي مقر السفارة الأمريكية ،  حيث تم قتل السفير الأمريكي  بطريقة مؤسفة ، فأستطاع الحصول علي بعض من خيوط جرائم بعض الاغتيالات ،والتحقق من دوافع قتل اللواء عبد الفتاح يونس ، والمحامية سلوى بوقيعيقيص ،بالرغم من التعتيم المتعمد علي مثل هذه الأخبار ، فأصبحت وسائل الإعلام، وحدها وأخبارها المفبركة هي مصدر المعلومات وهي من تحرك المشهد السياسي ، فتؤثر علي مجريات الحياة ،وأثرت في المعيشة كذلك ،وقد سربت معلومات أغلبها كانت غير حقيقية لخلق حالة من العداوة بين سكان ليبيا، فسادت ثقافات جديدة بين السكان ، ومنها التخوين والتشكيك  والفتن وانتشار الفساد والسرقات  حتي عمت بين السكان ثقافة  جديدة هي الهلت.

وها هي حالة من العبث تعم أرجاء البلاد والبلاغات عن وجود مفقودات وسرقات في غياب مراكز الشرطة وبالتالي غياب الأمن، في كل المؤسسات الحكومية العامة وحتى الخاصة فطالت غرف وطوابق الفندق الجديد كذلك.

نزلاء الغرف رقم (1) و(2) و(3) و(4)، حتى الغرفة (30) من الطابق الأول، اشتكوا لموظفي مكاتب الاستقبال، عن تعرضهم لسرقات مختلفة.

ساعات يد ومحافظ نقود وجوازات سفر، وبعض من المصوغات الذهب، وحتى مصابيح وأسلاك الكهرباء بعض منها اختفت، وقد أبلغ عن فقدانها في ليلة الاحتفال بافتتاح الهوتيل رسميا.

سادت حالة من الارتباك الشديد على تصرفات (الحاج أنور)، والذي بدأ يتحرك هنا وهناك دون وعي مرتبكا بين طوابق الفندق السبعة، وبين الفينة والأخرى كان يحاول إجراء   بعض من الاتصالات الهاتفية، واستخدام لأرقام هواتف جهات أمنية كانت مسئولة عن حفظ الأمن، فلم يهتدي إلى نتيجة.

أصابع الاتهام تتجه إلى عامل الكافتيريا (جمال)، حسب تخمين موظفي الهوتيل و(الحاج أنور).

… لكن (مصباح) كانت له وجهة نظر أخري، فهو يوسع من دائرة الشك ليصل بها إلى كل من سكن في كل الغرف المسروقة منذ البدء في إسكان الغرف بالفندق الجديد.

وكذلك نبه (مصباح) (الحاج أنور)، عن وجوب استدعاء عامل إصلاح المفاتيح والأقفال المدعو (مفتاح)، فهو يحضر إلى الهوتيل خلسة وبطريقة مشبوهة فقد يكون هو السارق الحقيقي!

(الحاج أنور) يتذكر أن لديه دفترا صغيرا به أرقاما تلفونيه هامة لكبار رجالات أمن المدينة، فيهم بإحضارها من خزينته، لكنه لم يجدها!! ويكتشف أن أوراق ملكية الهوتيل قد اختفت بدورها.

التحقيق مع عامل الكافتيريا (جمال) أدي إلى اعترافه بسرقة أموال (المسكين علي) فقط والتي كان يجمعها كل يوم من عملية التسول التي يمتهنها قبل شفائه من جراء المرض والسحر.

…الأرملة (عواطف)، تتدخل فتقوم بالإفشاء بمعلومات خطيرة عن عاملات الاستقبال،

(فاطمة) و(عائشة)، فتخبر (الحاج أنور) أن العاملة (فاطمة) في بعض الأيام كانت لا تغادر الفندق إلى بيتها فهي تبيت في الغرفة رقم (100) مع النزيل (جاد الله) في تلك الأيام، والعاملة (عائشة) تفعل الجرم نفسه مع النزيل (رزق الله) والذي يقوم بتغيير الغرف في الطابق الأول والطابق السابع بعد كل فترة وأخري! ونبهت إلى أنه قد يقوم باستنساخ لنفس المفاتيح وبهذا هو يملك نسخاً عن مفاتيح كل الغرف التي سكن بها حتى يقوم بسرقتها في حالة وجود نزلاء أغنياء بعد فترات زمنية.

هاتف فاجع يصل إلى (الحاج أنور) من طرف (سند) ابن (الأستاذ فوزي) يخبره بأن انفجارا قد حدث في بيتهم، وأن والده قد فارق الحياة قبل الوصول به إلى مستشفى الجلاء.

وشكوي آخري تصله من بعض سائقي السيارات التي تعطلت سياراتهم بعد أن تزودت بالبنزين من محطته وتتهمه بالغش في مكونات البنزين المباع لديه فهو مختلط بالمياه.

 كاد الجميع أن يغفل عن أداء صلاة المغرب، جراء الأجواء المشحونة بالمعلومات الخطيرة، والتحقيقات.

…. الجميع كان مهتما بكشف الحقائق، لكن صوت أذان الصلاة من مسجد المغيربي القريب أجبر الكل على إقفال الموضوع لحين الانتهاء من تأدية الصلاة.

وبينما هم يؤدون الصلاة وفي الركعة الثانية تحديداً، ترجل فجأة مجموعة من الرجال الملثمين إلي داخل الفندق، وفتشوا أروقة الطابق الأرضي، حتى وجدوا المصلين، فانهالوا عليهم بالضرب المبرح بالمواسير الحديدية، واقتادوا أحد المصلين عنوة إلى خارج الهوتيل.

ثم أركبوه ووضعوه ليتوسط رجلين آخرين في سيارة نوع مرسيدس سوداء اللون كانت تتوسط عدد تسع سيارات ذات الدفع الرباعي، واقفة أمام المدخل الخلفي للفندق، منتظرة إنهاء عملية الخطف تلك ثم سارعت بالمغادرة به جميعها في اتجاه الجنوب.

أنفضت الصلاة جراء هذا الإرباك ففر بعض المصلين إلى أركان بعيدة عن مكان العنف وبعضهم أصابه فقداناً للوعي وحين أنفضت المشكلة لم يعلم أحد من هو الذي تم اقتياده من بينهم، فصاح الجميع بملء حناجرهم:

أين الأمن؟ أين الأمن؟

وخرجوا جميع نزلاء الهوتيل والعمال و(الحاج أنور) و(مصباح) إلى قارعة الطريق صائحين بأعلى الأصوات

نريد الأمن………….. نريد الأمان.

وصلت صيحاتهم واستنجاداهم إلي مسامع  بعض الشباب ، فسارعوا باستخراج بنادقهم وأسلحتهم  من مركباتهم وأطلقوا وابلاً من الرصاص تجاه موكب السيارات التي هاجمت و غادرت الهوتيل ، فرجعت من موكب المهاجمين بعض السيارات، لتتبادل إطلاق النار مع شباب المنطقة والأحياء المجاورة لحي الصابري ، وتتطور المعركة باستخدام أسلحة متوسطة ، أجبرت كل من في الهوتيل والبيوت القريبة علي الإخلاء الفوري ، وبمجرد خروجهم ، أطفئت الأنوار ، وعم الظلام الدامس المكان ،فسقطت بعض القذائف العشوائية هنا وهناك، فطالت المساكن القريبة من الفندق والذي لم ينجو هو كذلك من القصف العشوائي، فأصيبت الطوابق الثلاثة الأولي بشظايا قذائف أربي جي.

ترنح (الحاج أنور) وكاد أن يسقط مغشياً عليه أمام الهوتيل، لكن (مصباح)، عالج الأمر، فجذبه بعناية إلى مركبته، وفعل الشيء نفسه مع (الشاب المثقف) و(المسكين علي) وأبتعد بهم مغادرا خارج المنطقة متقدما الجموع ويقودهم للمطالبة بتكوين الدولة والقانون.

مضت السيارة ومن خلفهم الجموع، بينما (المسكين علي) يردد:

هل اتاكم حديث الحروب وغالبا ومغلوب 

فمغربا في الشروق ومشرقا في الغروب

هل أتاكم حديث الصباح حين تشتد الرياح

وتمتلئ الدنيا عويلً وضجيج وصياح

هل أتاكم حديث الرجال، حين تنكسر الجبال

وتنتهي القمم انحداراً لتواريها الرمال

هل أتاكم حديث الحكيم خالق الكون العظيم

أوقفوا كل المظالم أو تكونوا في جحيم

.. وأزداد الهتاف، وانقسمت الجموع أثناء المشي عبر الشوارع على الأقدام إلى قسمين، قسماً توجه إلى أحد البيوت الفخمة في منطقة الحميضه الواقعة قرب مقر كتيبة الفضيل سابقاً عاقدين العزم على اقناع شخصية عسكرية كبيرة لقيادة المرحلة، وقسما آخر توجه إلى حديقة 23 يوليو المقابلة لفندق تيبستي، رافعين شعارات خطيرة تندد بالمسلمين المتشددين وتصفهم بالدواعش تارة وبالحزب الإسلام وبالإخواني حينا أخر، والتفت حولهم جموعً أُخر من جميع فئات السكان الذين رددوا هاتفين باللهجة العامية الليبية:

نبو دولة نبو دولة …………….. العيشة صارت مش معقولة!

نبو جيش ونبو شرطة ………..بنغازي صارت في ورطة!

هذه الأحداث وغيرها كانت تحدث في مدينة بنغازي وهي ليست بمعزل عن بقية المدن كدرنة وسرت ومصراته وطرابلس والزاوية والتي شهدت تغيرات دراماتيكية خطيرة.

*****

يتبع الجزء الثاني من سلسلة رواية الفندق الجديد الكاملة

مقالات ذات علاقة

رواية الحـرز (17)

أبو إسحاق الغدامسي

“صياد متوحد” ..

الصديق بودوارة

جزء من رواية إريروس

فتحي محمد مسعود

اترك تعليق