سرد

رواية الحـرز (45)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر رواية (الحرز) للقاص والروائي “إبراهيم عبدالجليل الإمام“، على أجزاء بشكل أسبوعي!! قراءة ممتعة للجميع…

مدينة غدامس (الصورة: عن الشبكة)

45

 أرسل شيخ العرش من يأتي بأشهر عازفة لآلة الربازة.. لم تكن أشهرهن فحسب.. بل كانت أمهرهن.. كانت تقيم خارج الأسوار.. هناك في قرية مجاورة.. قرية تونين اشتهرت إلى جانب حياكة الصوف بإجادة صوغ اللحون وعزفها.. أسرع إثنان من رجاله إلى هناك ..
بينما أرسل ثالث الى عازف الغيطة الأمهر.. ضاربت انداكلال فلم يكن بحاجة لمن يدعوهن.. فهن كثير.. بل جل نسوة الواحة يجدن الضرب على الآلات الايقاع كلها.

كان ذلك في سطح بيت شيخ العرش.. ليس لكونه أوسع بيوت العرش فحسب.. بل لانه يجاور بيتها.

 انتشر الخبر في كامل الواحة.. توافدت النسوة أفواجاً الى بيت شيخ العرش… كان من الصعب إقناعهن بالعودة إلى بيوتهن بل من الممستحيل ان يغادرن دون السماع لعزف طالما تمنين سماعه.. فسماع عازفة الربازة الأشهر في تاريخ الواحة ليس بالأمر الذي يمكن تفويته.

أما عازف الغيطة فقد انتظر دوره في بيت اخر ملاصق لبيتها.. فخطة القادم الغريب تقتضي عزف الربازة أولا..

سأل الغياط عن سبب إقامة مجلس أنس نهارا.. أجابه القادم الغريب:
– لن نعقد مجلس أنس.. بل مجلس حرب.

 – إذاً فقد غرك من استشرت.. لم أخض حرباً من قبل حتى في عنفوان شبابي… هيء هيء .
– ستخوضها الآن وستكون وسيلتنا للنصر فيها..

 – هلا افصح الغريب عن مراده؟.. أشم رائحة مريبة في الأمر.. هل ستواجه مجدوباً أم ستصرع مغروما؟

 – هذه حرب تجيدها أليس كذلك؟

– هيء هيء هيء… هذه مهنتي منذ أكثر من خمسين عاما.. غيطتي دواء لكل داء هيء هيء.. حتى تلك الأمة المستترة لا يمكنها مقاومة عزفي .
– لهذا طلبتك.. أعرف عشقهم وطربهم لعزفك.. ستصرعهم.. ولننال منهم حاجتنا.

 – لم أفهم ما هي حاجتك.. لكن أعدك بعزف لم تسمعه أذناك قط.. فقط عليكم جلب امهر عازفي الدفوف.

كانت وشقيقتها في تمانحت البيت تستعد.. تتجهز كما تتجهز لحضور مجلس عرس.. تطهرت.. تطيبت.. الطفل نائم بعد أن سقته شراباً أحضره القادم الغريب.مزجته له في كوب فورة([1]) التي صار يعشقها.

 – لا يبدو عليك الاضطراب.

 – لكني اتقد شوقا لرؤيته.

 – إياك أن تنسي.. فقط علقي التميمة على عنقه..
– سأفعل.. سأنجح.
– سيعود اإذاً.. الحمد لله… ستعود بسمتك التي غابت عن شفتيك لشهور طويلة.
نظرت إلى الطفل الغارق في سبات عميق:
– لقد اعتدت عليه كثيراً.. أخشى ما أخشاه…
قاطعتها:
– إياك أن تضعفي.. لا تنسي أن له أما وأهلا ينتظرون عودته كذلك.

وصلت عازفة الربازة..استقبلتها النسوة بالزغاريد.. رحبن بها وسلمن عليها.. يقال أنها تعلمت العزف من جدتها لأمها.. تناقلت الألسن الكثير من الحكايا عن مهارتها.. لكنها كانت دائماً ترفض أن تقارن بجدتها.. تقول أن جدتها تستطيع أن تجعل أسداً هصوراً مجرد قط أبله لا يملك من أمر نفسه شيئا.. الغريب أنها لم تعلم أي من بناتها ولا حفيداتها سر مهارتها.. يقال أنها لم يُسمع عزفها في الواحة منذ عقد كامل.. اكتفت بما تجنيه من عزفها في قريتها تونين.

أخرجت ربازتها من كيس جلدي.. شدت وترها الوحيد.. قالت: – – أريد كوبا من الشاي الأخضر.. لقد أرهقتني الرحلة.. لم تعد بي طاقة بالقدوم إلى هنا.

ارتشفت عدة رشفات من كوبها.. اطمأنت على جهوزية ربازتها.. تحلقت حولها ضاربت اندكلال.. كانت تنتظر الإشارة للشروع في العزف.
أما هي فكانت تنتظر سماع عزف الربازة لتشرع في نوبة رقص.. رقصة ستذهب بها إلى عالم مختلف كما يقول الغريب.. عالم انتزع منها ابنها وعليها أن تعيده إلى عالمه..

 وصل القادم الغريب رفقة شٍيخ العرش.. صعدوا لتمانحت بيتها.. خلفهما خادمان يحملان قصعة كبيرة.. وضعاها في أسفل الدرج المفضي للسطح.. كان بها جمر مشتعل.. رش عليها القادم الغريب مسحوقاً.. ارتفعت على الفور سحابة بخور برائحة كثيفة عجيبة لم تشمها من قبل.. انتشرت سريعا في كل مكان من تمانحت البيت وغرفه… طلب منها أن تستنشق بعمق… شعرت بتسلل البخور إلى رئتيها.. انتعشت وشعرت بدوار.

أشار بيده.. شرعت العجوز في عزفها.

أشار بيده.. شرعت العجوز في عزفها..

تلامس الوتران لأول مرة منذ عقد كامل من الزمان.


[1] – فورة: شراب يصنع من مسحوق القصب.

مقالات ذات علاقة

رواية الفندق الجديد – الفصل الخامس

حسن أبوقباعة

ثلاثُ نمْلات تعبرُ كِتابا *

مفتاح العماري

رواية الحـرز (13)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق