سرد

رواية الحـرز (43)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر رواية (الحرز) للقاص والروائي “إبراهيم عبدالجليل الإمام“، على أجزاء بشكل أسبوعي!! قراءة ممتعة للجميع…

سكان مدينة غدامس (الصورة: عن الشبكة)

43

كانت جالسة تتدبر أمر لقاء القادم الغريب.. مر وقت طويل وهي على هذه الحالة.. على الرغم من ذاك لم تصل لطريقة تلتقي بها بالقادم من كانو.. كل الطرق المتاحة ستجعل من سرها حديثا تلوكه الألسن.
بعد صلاة العصر سمعت من يستأذن بالنزول إلى بيتها.. استغربت ذلك.. مر وقت طويل على آخر مرة يزورها فيه أحد غير الشقيقة.

– أهلا بك..
– جئتك من عند كبير الأعيان.
– ما حاجته بي؟
 – يطلب لقاءك على وجه السرعة.
قرأت الزائرة حيرتها فأضافت:
 – يقول أن الأمر يتعلق بقادم من كانو.
تهللت أساريرها.. استغربت ضيفتها:
– لابد أنه يحمل لك أخبارا عن زوجك الغائب.
– أجل.. يحمل أخبارا هامة..
– يبدو انك اشتقت إليه كثيرا.
– نعم… لا يمكنني أن أصف لك شوقي الكبير إليه..
 – إذا أسرعي.. هما في انتظارك في مسجد عرشكم الصغير.
– مسجد العرش؟.. ظننت أني ساأقاه في بيته.
– هذا ما طلبه القادم الغريب.. يقول علي مرافقتك إلى هناك.
– هل يعلم شيخ عرشنا بهذا اللقاء؟
– لاريب.. لا يخفى على كبير الأعيان أمر كهذا.

وصلتا.. كانوا في انتظارها.. شيخ عرشها كان ثالثهما.. إنه بمثابة الشاهد والمحرم في نفس الوقت.. اسدلتا على وجهيهما رداءا يستر وجهيهما.. طلب كبير الأعيان من رفيقتها الانتظار خارج صحن المسجد.. افتتح شيخ العرش الحديث:

 – سمعنا من هذا القادم من كانو أمراًغريباً.. هل فقدت رضيعك؟
أكتفت بهزة من رأسها.. اضاف:
– يقول الغريب أنه هنا للمساعدة في استرجاعه.
كبحت جماح دموعها.. لم تحر جوابا:

 – كان عليك اخبارنا بمصابك.

تدخل الغريب لأول مرة:

 – أحسنت صنعا بكتمانها الأمر.. ربما لو فعلت لحدث لها ما حدث لمن سبقنها .
استفسر شيخ العرش:
– ما الذي جرى لهن؟
 – بعضهن فقدن أطفالهن الى الابد.. وبعضهن فقدن عقلهن كذلك.. واحدة فقدت حياتها مؤخرا بعد ان فقدت عقلها ووليدها..

قال شيخ العرش:

– يالطيف الطف بنا.

واصل الغريب قائلا:

– بكتمانها أمر استبدال الرضيع فعلت خيرا.

 – متى تعيدونه لي؟.. لم تعد بي طاقة للصبر.

 – نحتاج لحسن التدبير.. وحسن التصرف لننجح . رمت بكيس مليء بالمال بين أيديهم.. كان أكبر كيس رأوه في حياتهم.. كيس ينفق التجار جل عمرهم ليجنوا أقل من نصفه.. تبادلوا النظرات قبل أن يتدخل القادم الغريب.. تناول قبضة من الكيس.. قلبها ببن يديه.. قال:
– أعرف مصدر هذا المال.. لستُ بحاجة له.. تهمني عودة طفلك إليك.. ولن يكون ذلك بالمال.. بل بتعاوننا معا.. فجزء من الحل عندكم وباقيه عندنا .
– أريد أن أراه.. أراه ولو لمرة واحدة… فقط ليطمئن قلبي..
 – يمكنك رؤيته.. هذا جزء من خطة استعادته.. فقط عليك تنفيذ ما اقوله لك بدقة.

 – أنا على استعداد لكل ما يطلبه الغريب.. المهم استعادته.

– حسنا.. على شيخ العرش إقامة مجلس أنس في داره.. عليه بجلب أفضل قارعات انداكلال([1]) ليصاحبن عازف الغيطة.. فأمة الخلاء لا تقاوم مجالس أنسكم.. إنها الطريقة الوحيدة التي يمكنكم من خلالها الوصول لعالمنا… أقصد عالم أمة الخفاء .
ساورتها شكوك في هوية القادم الغريب.. لكنه اكدها بزلة لسانه التي تجاهلها جليساه.. ربما هما ايضا لا يجهلان امره.. اعترض شيخ العرش قائلا:
– هلا استبدلنا عازف الغيطة بعازفة الربازة؟

– لا بأس ان كانت في مهارة عازف الغيطة.

تساءلت:
– ما دوري أنا في كل هذا؟

 – أهم دور.. عليك أن تستعدي جيدا.

تساءل الشيخ:

 – متى يكون ذلك؟

– غدا مساءا.. سأخبركم بتفاصيل الخطة.


[1] – اندكلال الة ايقاع غدامسية… عبارة بوق طيني يغلف طرفه الواسع بالجلد… له احجام مختلفة… يستخدم في حفلات الانس مصاحبا لعزف الغيطة او لغناء النسوة.

مقالات ذات علاقة

رواية الحـرز (2)

أبو إسحاق الغدامسي

الغابة السعيدة

فرج قادير

رواية الحـرز (3)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق