سرد

رواية الحـرز (37)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر رواية (الحرز) للقاص والروائي “إبراهيم عبدالجليل الإمام“، على أجزاء بشكل أسبوعي!! قراءة ممتعة للجميع…

امرأة من غدامس (الصورة: عن الشبكة)

37

عادت إلى البيت مسرعة.. عادت أكثر راحة.. أكثر أملا.. أكثر حماسة.. كذلك أكثر حيرة.. صارت الحيرة رفيقتها الدائمة.. كلما لاح لها منفذ أمل حتى تلوح الحيرة امامه.. تسده بالكثير من الشك.. كان ذلك ديدنها منذ صباها.. حتى أن بعض رفيقات دقصها ينعتنها بالشؤم.. هذه المرة كان منفذ الأمل أكبر من أن تسده شكوكها.. وصلت إلى البيت.. لم تجد الطفل في مرقده.. أسرعت إلى بيت الشقيقة لتعود به.. أصابها الهلع حين اكتشفت انه ليس مع الشقيقة كذلك:

– أين هو إذاً؟
– لا أدري.. لما تركته وحيدا؟
– تركته نائماً..
– لما تركته وحده؟… لما لم تحضريه إلي كما عتدت؟
صرخت في الشقيقة:
– ليس هذا وقت عتاب.. سيقتلونه إن حدث له مكروه.. سيقتلونه.

كانت ضربات قلبها تزداد.. الهلع يرسم أسوء لوحاته على وجهها.. أسرعت الى بيتها متمتمة:
– سيقتلونه…. سيقتلونه… تبا لي…. الويل لي… اين انت؟ أعني ياااااااارب.
اسرعت الشقيقة خلفها.. لتعينها في مصابها الجديد.
وصلت إلى البيت.. صرخت:
– حني؟… دين تليت([1])؟

فتشت غرف البيت كلها.. فتحت أبواب الخزائن كذلك علها تجده مختبأ في احداها.. كانت خاوية منه.. لطمت وجهها.. تذكرت السقيفة.. هبطت إليها وهي تصرخ:

– حني؟…. دين تليت؟

لم يكن هناك كذلك.. لكنها لاحظت ان باب البيت موارب.. ازداد خوفها.. اسرعت لتفتحه.. كانت متأكدة أنها تركته موصدا من الداخل.. لم تستعمله مذ سافر زوجها إلا مرة واحدة.. تلك المرة كادت تفضح سرها.. تلك المرة تسببت في الكثير من الأذى.. تلك المرة كانت سببا في ترك الأعرج من الواحة.

 لاحظت شيئا في أرضية الزقاق.. أسرعت لتتبينها.. لاشك إنها تخصه.. أثر خطوات طفل صغير.. انها له لاشك في ذلك.. تتبعتها.. رأته هناك في الطرف القصي من الشارع.. يقف بمحاذاة الجدار.. حمدت الله كثيرا.. نادته:

 – حني…. حني… تعال… تعال هنا.

التفت.. ركض نحوها… احتضنته بقوة… سألته:


– كيف فتحت الباب ايها المشاغب؟

اجابها ببراءة:

– وجدته مفتوحا.

 عادت به إلى البيت.. لتجد الشقيقة تنتظرها باكية… فرحت لرؤيته وسارعت لأحتضانه وتقبيله:

– اياك ان تعيدها ثانية… إياك يا بني.

اطعمته وسقته وأبدلت له ثيابه.. سألته:

– ماذا كنت تفعل في اقصى الشارع.

– انهم يلعبون.. اريد ان العب هناك.

– انهم أكبر منك.. لا يجوز أن تلعب إلا مع اقرانك… أطفال دقصك.
– أين هم؟… متى يلعبون؟

– انهم صغار… لم يحن بعد وقت خروجهم ولهوهم في خارج البيت.
– لماذا؟.. لكني أريد الخروج.

– لا يستطيعون.. لا زالوا صغارا… بعضهم لا يحسن حتى السير لوحده.

لأول مرة تتفطن لهذا الفارق بينه وبين من يفترض أن يكونوا أقرانه.. انه يكبرهم جسما ويفوقهم مقدرة على الحركة والركض والحديث.
لن تحسن اخفاء كل ذلك عن فضوليات العرش.

عند المساء عادت الشقيقة لتطمئن عليها.. كانت تحمل اخبارا كثيرة.. أهمها خبر قدوم البشير الذي ترسله القوافل قبل مسيرة يوم او اكثر الى الواحة… قالت:

– يقول ان قافلة من كانو ستصل غدا او بعد غد.


[1] – حني: لفظ تدليل ينادى به الطفل وعادة الام لا تنادي بكرها باسمه الحقيقي بل تختار له كنية او لفظا محببا.
دين تليت: صيغة للسؤال تعني اين انت.بلسان غدامس القديم.

مقالات ذات علاقة

رواية غياهبنا

حسن أبوقباعة

هب السوق كله على صراخ امرأة

خالد درويش

مقتل البيضاء

شكري الميدي أجي

اترك تعليق