سرد

رواية الحـرز (32)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر رواية (الحرز) للقاص والروائي “إبراهيم عبدالجليل الإمام“، على أجزاء بشكل أسبوعي!! قراءة ممتعة للجميع…

مدينة غدامس (الصورة: عن الشبكة)

32

ألف عام من الانتظار ¡¡
الف عام من التحشيد والاستعداد ¡¡
الف عام من البحث عن أنصار وحلفاء ¡¡
هم يرونها قصيرة وغير كافية لالتقاط الأنفاس..
أما أنا فكل يوم يمر علي غياب طفلي كألف عام مما تعده أمة الخفاء.. كألف عام من انتظار مجهول.. كألف عام من البكاء على مفقود..

ألف عام من الترقب والخوف..
ألف عام لا تكفي أم فقدت رضيعاً لا يملك من أمر نفسه سوى البكاء.. ألف عام تمر قلقاً وحيرة وعذاباً..
كانت دموعها تسيل.. انحدرت على خديها.. لم تقاومها.. بل تركت لها العنان.. لم تبك فقيدها كما فعلت الآن.. قالت بعد أن خيم صمت ثقيل بينهما.. أثقل من جبل تلاغودي([1]):
– كيف تطلب مني أن انتظر؟.. انتظر ماذا؟.. انتظر من؟.. انتظر كيف؟.
– لا تملكين غير الصبر.
– بل أملك غيره.
– تملكين غيره؟
 – قلب أم مفجوعة أقوى من تحشيدات أمة كاملة.
 – قد تفسدين بذلك الأمر كله؟..
– وهل انتظاري ألف عام سيصلحه؟..

 – ابنك رهينة لديهم.. سيحمونه.. ثقي بذلك.. فقط انتظري.. لا تهوري فتخسري.
صاحت في وجهه:
 – لن أخسر شيئا.. لن أخسر شيئا.. أما أن أسترد ابني وأما أن يخسروا هم حربهم.
نظر إليها.. هذه المرة كانت نظراته مختلفة عن سابقاتها.. كانت قلقة مضطربة.. أضافت:
 – اخبرهم بذلك.. هيا.
صرخت في وجهه بشدة حتى بان وجهها من خلف ردائها.. وقفت.. تقدمت نحوه دون أن تبال بستر وجهها.. ظل يراقبها دون أن يحرك ساكنا إزاء ثورتها المفاجأة.. انحنت لتقبض من كيس البخور قبضة كبيرة.. قذفت بها فوق الجمرات.. ارتفعت سحابة كبيرة حجبته عنها.. صاحت في المجمر الملتهب: – لن انتظر طويلا.. هل تسمعون؟.. الويل لكم إن حدث مكروه لابني.. تبا لكم.
قذفت ببعض محتويات كيس النقود في وجهه.. وغادرت إلى السطح.. في السطح كانت العجوز تسد عليها الطريق.. دفعتها بقوة ونحتها عن طريقها.. صرخت العجوز متوجعة.

بكت طويلا.. لم تأبه بإخفاء أمرها ولا بستر وجهها.. مرت بعروش ثلاثة دون أن تسعر بما حولها وبمن حولها.. نزلت إلى بيتها.. في سطح البيت توقفت.. استجمعت شتات نفسها.. تنفست ببطء لتستعيد توازنها ورباطة جأشها.. سمعت حركة في تمانحت البيت.. تذكرت الرضيع.. شعرت بخوف شديد عليه.. أسرعت تهبط الدرجات.. وجدته يلهو وسط التمانحت.. توقفت عند أول الدرج.. انتبه لوجودها فالتفت.. ابتسم لها.. قال:
– لالة([2]).
اسرعت نحوه.. احتصنته بقوة.. قبلته بحب:
– أعد ما قلت.
– لالة.
احتضنته مجددا.
كانت الشقيقة هناك في أعلى الدرج.. تتابع المشهد بدمع منهمر.


[1] – تلا غودي = جبل قريب من غدامس.

[2] – لالة: نداء يستخدم لمناداة الأم.

مقالات ذات علاقة

شاب ليبي أصيل لا يحبّ نفسه

زياد العيساوي

الكامبو والجامع والخميسية

المختار الجدال

شجون التــَّمَعْنِي

عبدالله هارون

اترك تعليق