سرد

رواية الحـرز (25)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر رواية (الحرز) للقاص والروائي “إبراهيم عبدالجليل الإمام“، على أجزاء بشكل أسبوعي!! قراءة ممتعة للجميع…

مدينة غدامس (الصورة: عن الشبكة)

25

مر يومان ولم يظهر الثعبان الأسود.. إنها أطول فترة تغيبها.. لم تغادر البيت ولم تترك الرضيع لحظة واحدة خشية ظهورها أثناء غيابها عنه.. خشيت أن تكون استغنت عن الظهور العلني.. أو وجدت لها سبيلاً آخر للاطمئنان على رضيعها غير الظهور على هيئة ثعبان أسود.. بحثت عن فكرة لاستدراجها.. في الضحى اشعلت التنور.. صنعت خبزاً لغدائها.. لكنها تعمدت أن تترك الرضيع أمام باب المطبخ.. لم يهتم الرضيع بالأمر بل لم يدخل المطبخ حتى أذان الظهر.. اكتفت بذلك واعترفت بفشل هذه التجربة..
بعد تناولها لطعام الغداء بخرت البيت.. أطلقت سحباً كثيفة من بخورها.. كانت تعلم عشق تلك الأمة للبخور بشتى أنواعه.. لكن لم تكن تلك الطريقة المثلى لطهور الثعبان على الرغم من كثافة البخور الذي كاد يخنقها.. لكن يبدو أن الرضيه استمتع به كثيرا.. كانت علامات السرور والمرح بادية عليه.. بل سمعته يترنم بلحن لم تسمعه من قبل.. عندما انزاحت سحابة البخور وجدته نائما وابتسامة مرسومة على وجهه .

 عند العشية خطرت لها فكرة أخرى.. إنها الوسيلة الأخيرة المتاحة لها.. نادت على الرضيع الذي كان يلهو في دار الكوبت.. خرج ووقف أمامها.. نظرت في عينيه مليا.. قالت له:

 – هل تعلم انك الان ابني؟

 أضافت دون أن تتوقف عن النظر مباشرة في عينبه:
 – لقد رضعت مني ليس حليبا فقط بل دماً.. لا أعلم إن كان لكم دماء مثلنا لكني أشعر إنك قطعة مني الآن.

سالت دمعة من عينها.. مسحها الرضيع.. قالت::
– أشعر إنك تفهم ما أقوله أو تحس به على الأقل.. لكن هناك ما يمنع تواصلنا بشكل طبيعي كأم وابنها.
مسح لها دمعة أخرى.. قالت:
– لقد اشتقت لرضيعي.. هل هو بخير؟

أشار برأسه هذه المرة قال لها بلغة واضحة لا لبس فيها:
– ول كسظ عافس([1]).
احتضنها بقوة.. شعرت كأنها تحضن رضيعها الضائع.. قالت:

 – لابد أنهم هناك يشتاقون لك أيضا.. سأستعيد رضيعي وستعود إلى أمك.
سمعت حفيفا خلفها في الكوبت.. خرج الثعبان الأسود زاحفا منها.. انتصبت واقفة أمامها.. لاحظت دمعة تسيل من عينيها.


[1] – لا تخشي عليه.

مقالات ذات علاقة

رواية غياهبنا

حسن أبوقباعة

بداية النهار

الصديق بودوارة

أرز مـبـوّخ

محمد الأصفر

اترك تعليق