سرد

رواية الحـرز (24)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر رواية (الحرز) للقاص والروائي “إبراهيم عبدالجليل الإمام“، على أجزاء بشكل أسبوعي!! قراءة ممتعة للجميع…

حياة المرأة في غدامس (الصورة: عن الشبكة)

24

 تركت الرضيع مع الشقيقة ريثما تنهي اغتسالها من وعثاء الحريق في الساقية المارة بمسجد العرش.. نشئت بين الشقيقة والرضيع شيء من الألفة.. لم تعد تخشاه.

تطيبت.. سارت إلى بيت الشقيقة لاستعادته.. لم يعد الرجال بعد إلى بيوتهم.. تجمعت بعض نسوة العرش في شرفة قريبة.. لم تكن تلك العجوز بينهن.. انضمت اليهن.. كانت احداهن تقول متعجبة:
– ظننت في أول الأمر أنها من فعلتها . قالت أخرى:
– لازلت على يقين بأنها الفاعلة .
– لكنها كانت في عرشها منذ ضربها.. لم تغادر بيت عمتها.
لم تفلح في إقناعهن.. تدخلت أم الرضيع:
– لا تشب النار دون سبب .
دافعت أحداهن:
– ربما هناك من أراد أن يستثمر الشقاق الذي حل بين الأعرج وزوجته لينتقم .
وافقتها أكثر من واحدة..

قالت إحداهن:
– لنحمد الله ان الفاعل لم يفعل ذلك ليلا وإلا لكانت الاضرار اكبر.

أكثر من واحدة أمنت على كلامها بهزة من رأسها وبعضهن حمدن الله ايضا.
قالت أم الرضيع:
– هل سيعقد الأعيان مجلسا لبحث هذا الامر؟

أجابت إحداهن:
– لابد أن يفعلوا.. فلن يمر هذا الأمر هكذا.. خاصة أن الحريق شب أثناء اجتماعهم بالأعرج.
غادرتهن الى بيت الشقيقة.

***

كانت تنتظرها على احر من الجمر.. ما أن نزلت إلى تمانحت البيت حتى قالت:
 – لما كل هذا التأخير؟

أسرعت لأخذ الرضيع إلى حضنها.. ألقمته ثديها:
– لم أرضعه اليوم.. لقد انشغلت عن.. راقبته في حنان إلى أن أخلد إلى النوم.. قالت:
– متى ستذهبين إلى الفقي؟

نظرت اليها.. قالت:
– ليس بعد ما حدث اليوم.. لابد من مرور بعض الوقت.

 انتصف ليل الواحة.. أخلدت إلى النوم.. قلة هم أولئك السهارى.. ثلة منعها واجب الحراسة من الخلود للنوم.. وقلة أجبرها على السهر سقاية مزروعاتها.. بينما هو جالس في السقيفة المعتمة يقلب أمره وما أشارت عليه به من كانت زوجه قبل يوم . خرج إلى الزقاق.. توجه إلى زقاق لا يبعد كثيرا.. سار بحذر مستندا على الجدار.. العتمة تستر كل شيء.. وقف أمام باب بيت يتوسط الزقاق.. طرقه طرقاً خفيفاً.. كان يخشى أن يسمع جيران البيت طرقاته فيثير فضولهم..

انتظر رداً من أهل البيت.. عاود الطرق عدة مرات.. أخيرا جاءه الرد همسا من وراء الباب:
– من الطارق؟.. هل حدث طاريء .- إنه انا.. نادي سيدك . – أخشى ان يغضب.. هلا جئت صباحا . – الأمر لا يحتمل .
– إذاً انتظر خروجه لصلاة الفجر ثم ….
– هيا الأمر طاريء.. اسرعي.

بعد قليل أنفرج الباب عن صديقه.. عنفه قائلا: – ما الذي جاء بك؟.. هيا غادر بسرعة قبل أن يراك أحد ببابي فيظن بي الظنون .
– أريد أن أرحل عن الواحة.

نظر إليه ملياً.. تدبر الأمر.. راقته فكرة مغادرته للواحة.. بذلك سيتخلص من عبء صداقته وما قد تجره عليه من متاعب.. قال:
– اذهب إلى بستاني بعد جادة الزواغير.. حاذر أن يراك أحد.. كفانا ما أصابنا منك.. سأرسل لك خادمي ليخرجك من الواحة خفية بعيدا عن أعين الحرس.
– أشكرك.. لن أنسى لك صنيعك.- بل عليك أن تنسى كل شيء.. كل شيء.. هيا اغرب الآن.

أغلق بابه في وجهه.. تنهد الصعداء.. ساعات قليلة تفصله عن الفكك من هذه الواحة.. عاد أدراجه إلى بيت كبير التجار.. التهم ما في الصحن الذي جاءت به من كانت قبل يوم زوجته.

***

 اكتشف كبير التجار اختفاء الأعرج من البيت.. استشاط غضبه.. كاد يفتك بأحد رجاله.. لكنه كتم ذلك حتى عن شيخ العرش.. أرسل رجاله للبحث عنه في كل مكان دون أن يشعروا بذلك أحد.. أسفر بحثهم عن لا شيء.. في اليوم التالي سرب الخبر عن طريق احد اعوانه.. جاءه شيخ العرش في متجره بسوق تصكو الكبير:
– كيف غفلنا عن الأعرج.. كان علينا حبسه او مراقبته.

زفر كبير التجار قبل ان يقول:
– لم أتوقع أن يهرب.. تركته يبكي ويندب حظه في بيتي بالزقاق المجاور لمسكني.. لكنه فعلها .
– كان علينا أن نكون أكثر فطنة.
– لم أكن أعلم أنه بهذا الدهاء.
– اشك أن يكون هو صاحب هذا التدبير.
– ماذا تعني؟
– هناك من أرشده لذلك… وهناك من ساعده ايضا.
– تبا له.. يمكننا الاجتماع بشأنه وأصدار.

قاطعه الشيخ بحزم:
– لا يمكننا ذلك.. لا تستهن بالأعراف.. حتى لو كنت كبير التجار أو شيخ عرش فللأعراف سلطان أقوى من مالك وجاهي.
– ماذا سنفعل الآن؟
– يكفي أننا تخلصنا منه ومن عاره.
– تخلصنا منه.. لكن عاره سيلحق بعرشنا لوقت طويل لا يعلم مداه أحد.
– عذرنا أننا اجتهدنا.

غادره الشيخ الى مجلسه اليومي في الساباط([1]) المجاور للسوق. كان الشك ينهشها.. يحيط بذهنها ويغلفه ويوجهه وجهة واحدة.. صارت أشبه بدودة الحرير.. محاطة بشكوكها حد الاختناق.. هل الحية السوداء من أحرقت بيت الأعرج؟

لماذا فعلت ذلك؟..

تعيد تخيل كل ما جرى لها منذ ذلك اليوم المشؤوم.. يقف ذهنها عند أمر واحد.. أمر عجزت عن فك طلاسمه.. الحية السوداء¡¡ لماذا لم تؤذها هي؟.. كما انها لم تؤذي شقيقتها على الرغم من انها الوحيدة التي تعرف كامل القصة .

 لماذا الأعرج؟

في اليوم الرابع لغياب الأعرج تذكرت قول الكهل الغامض لها.

 كيف غاب ذلك عن ذهنها؟..

على الرغم من أنها قلبت الأمر على كل وجوهه الممكنة مئات المرات. الحية السوداء مرسلة لحماية الرضيع اذا! قد تكون أمه أو أخته أو مكلفة من طرف أهله.

يبدو أن الأعرج كان سيشكل خطرا على الرضيع.. لو استجوبه أهل المجلس وكشف لهم ما يعرفه لربما انفضح سرها الذي نجحت طيلة هذا الوقت لاخفائه. لكن ما يحيرها هو كيف عرفت الحية بالخطر الذي يتهددها؟

 في اليوم السابع عرفت الجواب.. كان واضحا لا لبس فيه.. في ذلك اليوم كانت الحية في المطبخ مع الصبي.. ربما سمعت ما دار من حديث بينها وبين شقيقتها وشعرت بخوفها من الأعرج:
 – نعم.. هذا فقط ما يجعل الأمر يستقيم.. سأتأكد من ذلك قريبا.. لو صح ما ظنته فالويل لمن يقف في وجهي.

كانت تنتظر ظهور الحية لتجري اختبارها.


[1] – مجلس مسقوف يجاور مساجد الواحة.. يجلس فيه الكهول والاعيان.

مقالات ذات علاقة

رسالة إلى الله

عبدالرحمن جماعة

وحكايات اْخرى!!

سالم الكبتي

رواية الحـرز (14)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق