سرد

رواية الحـرز (23)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر رواية (الحرز) للقاص والروائي “إبراهيم عبدالجليل الإمام“، على أجزاء بشكل أسبوعي!! قراءة ممتعة للجميع…

امرأة من غدامس (الصورة: عن الشبكة)

23

كانت تحمل سراجا في يمناها.. اما يسراها فحملت به صحنا صغيرا.. اقتربت من مجلسه بالسقيفة.. كانت دموعها تجري على خديها دون نحيب.. وضعت الصحن على المصطبة.. فاحت منها رائحة دخان الحريق.. واجهته.. قرأت في ملامحه أثار الكارثة التي حلت به قال:
– هل بكيت؟

أجاب:
– لن تكفي الدموع لتواسيني على مصابي حتى لو ملأت حوض غسوف دما بدل الدمع. .
– هل أبكاك ما حل بالبيت؟
– ربما البيت أهون ما فقدت . رفع رأسه.. نظر اليها.. سألها:
– هل تقبلين اعتذاري .
مسحت دمعها..

قالت:
– كلا.
– لما أنت هنا اذا؟
– رأيت في عيون النسوة اتهاما لي بأني من تعمد إشعال الحريق.. جئت لأخبرك بأني لم أفعل.. وإن تمنيت انها التهمتك مع ما التهمته.

خفض رأسه.. لم يتوقع انها بهذه القسوة:
– ليس لي اعداء.
– أنت…أنت أشرس عدو لنفسك.

حل صمت بينهما.. تراقص لهب السراج.. تراقصت ظلالهما على الجدار… قطعت الصمت:
– ماذا كنتَ تفعل عند الكهل الغريب؟

رفع اليها نظره مستعطفا:
– كنت أبحث عن العقب..

أضاف بعد أن أشاحت عنه:
– ليشد من أزري.. ويعينني في مصابي وشيخوختي.
– لم أكن لأفرح بعقب منك.. حمدت الله أن حرمك هذه النعمة وشكرته بان أبعد عني هذه النقمة.
– نقمة؟
– بما سأخبره يا ترى؟.. حين يسألني عن سبب عرجك.. أم سيفخر بانتهاكك أشد أعراف الواحة قداسة.

برر مدافعا:
– لم اتعمد خرق العرف.. لقد تأخ……
– أم تريدني أن أخبره عن طلبك الحثيث لتعلم السحر؟

نظر اليها.. أربكه قولها.. بحث عن ما يفند به قولها.. تمتم بكلمات مبهمة:
– هل كنت تعلمين؟
– لم يخلق بعد الرجل الذي يستطيع أن يخفي سرا عن امرأة مكلومة.

الجمته كلماتها.. التقت نظراتهما.. تأملت وجهه مليا.. انها المرة الاولى التي تفعلها.. انها بذلك تخرق بدورها عرفا آخر من أعراف الواحة.. قال:
– لكني لم أفلح.
– لم يعد يجدي هذا الآن.. لماذا؟..

حل الصمت من جديد.. واصلت الظلال تراقصها على الجدار… قالت:
– ألا يكفيك أني رضيت بك بعد أن رفض أهل عرشك تزويجك من بناتهم؟..
– كنت أبحث عن الهيبة… هيبتي التي ضاعت ذات تهور.. سمعتي التي لطخها جشعي.. كنت أبحث عن القوة.. القوي وحده المهاب.. أما المهان فلا هيبة له..
– بالسحر؟
– كان سيمنحني السطوة.. السطوة وحدها يمكن أن تغير نظرة الناس نجوي.. حينها لن يروا عرجي. ولن يتحدث أحد عن سقطتي القديمة.. بل عن مكانتي وقدرتي وقوتي.
– لقد خسرت كل شيء..

طال الصمت بينهما مجددا.. لم يجد ما يبرر به فشله.. تابع بنظره ظله على الجدار المقابل.. قاطعت تأمله الزائف مجددا:
– جئتك بطعام.. أعلم أنه لن يفعل ذلك أحد.. ستبيت جائعا ولن يتذكرك احد.. كما جئت لأقدم لك نصيحة.. لن يسديها لك أحد.
– نصيحة؟ – غادر الواحة.. غادرها قبل أن يجتمع الأعيان ويطردوك منها. – هل سيفعلون؟
– غادرها بإرادتك لتتمكن من العودة لها ذات يوم.. أما اذا طردوك منها فحتى عقبك الذي تبحث عنه لن يمكنه دخولها.

أضافت بعد أن وقفت لتغادر:
– ارحل.. قبل فوات الأوان.

مقالات ذات علاقة

أين تهرب هذا المساء؟

نجوى بن شتوان

رواية الحـرز (2)

أبو إسحاق الغدامسي

شنو أمور البيضاء…؟

خيرية فتحي عبدالجليل

اترك تعليق