كتاب روايات ليبية نسائية.
قراءات

روايات ليبية نسائية.. ملاحظات جريئة وإضافات نقدية

بقلم الأستاذة/ نعيمة الطاهـر

كتاب روايات ليبية نسائية.
كتاب روايات ليبية نسائية.

وأنا استهل مطالعة كتاب (روايات ليبية نسائية) لمؤلفه يونس الفنادي تمعنتُ في المقدمة وفي تقديم الكاتب فأيقنتُ أن كليهما مليء بعبق الإبداع والحس النقدي المتوازن. وقد سجلتُ حول هذا الكتاب بعض الملاحظات التي رأيت أنها تنقل بعض تأثري بما صاغه الكاتب بلغة بدت لي واثقة من قدرتها التعبيرية وربما تجاوزت مستوى الروايات التي تتصدى لها. وملاحظاتي تتمثل في أن الكاتب عندما تناول رواية الأستاذة رزان المغربي (الهجرة على مدار الحمل) لفتت نظري عدة أشياء من بينها جرأة قلمه في التحليل والوصف، بمعنى أنه قال رأيه بحرفية العارف والمتمكن في فهم الشخصية الكاتبة، ولم يخشى أن يسقط بعضاً من صفات شخصيتها الحقيقية بحرفية لن ينتبه لها إلا من كان يعرف السيدة رزان المغربي. إلى جانب أنه أحسن اختيار الفقرات التي اقتبسها من الرواية، ما جعل القراءة تحمل مضامين تصل بكل يسر إلى القارئ، وهي تسجل وجهة نظره كقارئ وناقد دون الانحياز إلى صف الكاتبة، وفي هذا الجانب سعدتُ كثيراً بما كتبه الأستاذ يونس الفنادي كناقد، وأحسستُ أنه يصلح لأن يكون شروحاً إضافية تثري أحداث الرواية بدرجة أكبر وأكثر من جهد كاتبتها فيها .

أما تناوله لرواية (قصيل) للأستاذة عائشة إبراهيم، فلم يترك لي شيئاً يمكن أن أسجله عليه، ولم أجد ما أكتبه عنها أو أضيفه إليها، فقراءته كانت رائعة كالعادة، وأضفى أيضاً لونه الزاهي على جزئيات الرواية، وهنا أريد أن أؤكد أنني لم أرى فيما كتبته عائشة إبراهيم نصاً روائياً بقدر ما رأيته نصاً وصفياً ينقصه البناء الدرامي الذي يجعل منه رواية متكاملة الجوانب، مع إعجابي الشديد بأسلوبها في الكتابة السردية.

وفي أثناء (تمعني) في قراءة يونس الفنادي لرواية (صراخ الطابق السفلي) للدكتورة فاطمة الحاجي، شعرتُ بانتشاء عجيب، فما كتبه كان أحداثا موازية لما كتبته القاصة، فهو كان يسرد أحداثاً مرت به في زمن الرواية بطريقة شيقة جعلتني أحسُّ وكأني في حضرة ملك من ملوك كتابة الروايات التي تأخذنا أحداثها لنعيش بهجة وقائعها. وفي نصه النقدي رأيته شاباً يافعاً يخفق قلبه حباً، ومشروع أديب يفوز بالترتيب الأول على مستوى الجامعة في كتابة المقالة الأدبية، ومثابراً يسابق الجميع ليحظى بمقعد في صف أمامي، وكأنه يخبر القراء بأنه كان يرسم خطوط نبوءة كانت ترتسم على لوح الغيب الآتي لتقول أن يونس الفنادي طالب العلوم هو الاسم القادم في عالم الصحافة والكتابة والنقد الأدبي .

ولكن قراءته لرواية (خريجات قاريونس) للأستاذة عائشة الأصفر جاءت سريعة ومتعجلة، فلم أراه يتوقف للتمحيص والتشريح والتدقيق، فأصابتني حالة من التسارع الفكري لم أستطع خلالها الوقوف كثيرا أمام أحداثها ووجدتني مجبرة على تجاوزها والانتقال إلى الرواية التي تليها في الكتاب.

أما في رواية زراريب العبيد وجدت نفسي أتنقل مع الكاتب يونس الفنادي في أجواء ما يمكن أن نسميه الإبداع الحقيقي، فلقد نجحت الكاتبة بصورة آخاذة في وصف حياة فئة من البشر كان عليها أن تكون مسخرة لخدمة وطاعة فئة أخرى، لا يميزها عنها شيء في البناء الإنساني إلا لونها المختلف، فالفئة الأولى أصحابها من ذوي البشرة السوداء وهو السبب الذي أعطى للفئة صاحبة البشرة البيضاء الحق في استعبادهم والتحكم في حياتهم وتسخيرهم لخدمتهم وإرضاء نزواتهم.

وعند قراءتي لما ورد في كتاب (روايات ليبية نسائية) حول رواية زراريب العبيد، وجدتني أستحضر روح وخيال (جداي أمينة) تلك (الخادم) الزنجية ذات الأصول النيجيرية التي كانت مملوكة لأسرة جدي، والتي بالرغم من بداية حياتها (كخادم)، إلا أنها انتهت إلى كونها ذات شأن اجتماعي كبير داخل العائلة فكانت هي (الراي وهي الشيرة) كلمتها مسموعة ورأيها سديد، والجميع يحرص على مهادنتها ونيل رضاها، وظلت ذات مكانة رفيعة حتى وفاتها، فنسينا أنها (الخادم) المستعبدة ولم نعد نذكرها إلا في شخصية المرأة القوية والشديدة المراس.

أما في اللقاء مع الدكتورة فريدة المصري الذي تضمنه كتاب (روايت ليبية نسائية) حول روايتها أسطورة البحر، فقد بان واضحاً أن نوعية الأسئلة مثلث إضاءات رائعة زادت من جمال النص، وفتحت دروباً أمام الكاتبة لتضيف من خلال إجاباتها رونقا ألقى بضوئه على شخوص الرواية وأمكنتها ومعالمها المختلفة، كما أن الفنادي أظهر وجهة نظره الخاصة حول البناء السردي للرواية، حيث أنه ومن خلال صياغة السؤال ناقش الكاتبة فيما يمكن أن يكون خلطاً في مفاهيم كتابة الرواية، وهو ما يعد جرأة منه، ليقينه بأنه يؤرخ لعمل روائي رأى أنه جميل إلى حد معين، وبالتالي هو لم يجامل على حساب ذائقته الأدبية وإحساسه الإبداعي، وفي المجمل فقد كان للقاء تأثيره الإيجابي على القارىء من حيث تعريفه ببعض معالم مدينة طرابلس التي كان لها دور الشخوص الحية التي أحسسنا بها تنطق وتشعر وتغازل صاحبة الرفعة والمقام، بحيث كانت وبجدارة أسطورة المكان.

وليسمح لي الكاتب يونس الفنادي بأنني لاحظتُ تكرار وصفه للكاتبات بــ”المبدعات”، وقد وجدته وصفاً مبالغاً فيه، فالإبداع لا يأتي إلا بعد تجارب عدة وكتابات كثيرة، وإنتاجات غزيرة لذلك آمل منه الانتباه إلى هذا في قراءاته المستقبلية. وأرجو ألاّ يتهمني الكاتب بالإطراء والمجاملة فيما أوردته من انطباعات حول كتابه الرائع (روايات ليبية نسائية)، فأنا لم أكتب إلا ما رأيته يظهر ويلوح بين سطور هذا الكتاب القيّم، وكم خالجني الأسى وأنا أتخيل إسمي ممهوراً على رواية لي يزاحم أسماء نسائه الروائيات الكريمات!

مقالات ذات علاقة

في ليبيا… الشعر يواجه الحرب

سالم أبوظهير

رواية نجوى بن شتوان “زرايب العبيد”

إدريس المسماري

غربة الشاعر

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق