شعر

رقائق الريح المجنونة تَلوحُ على راحة الطفل ضحكا وزيتونا أسود

1

هل اسمعُ أصواتهم ترقص على سطح الماء؟ رائحة البطّوم البِكْر تفوحُ من جلبابه الأبيض،

يرقُّ خاطرُ الضفّتين إلى محراث الوقت، تُوقفُ الشجيرات الحييّة حكاياتها المكررة،

لكن! المغنّي يعود إلى بيته، من كتفيه يتساقط شجن الكون.

2

سأرمي بهذه الرومانسية إلى حقيبة الصبية اللاهية، سآخد من أوراق الأشجار حنينها الهرم، وأجعله رفيقي إلى بستان الإيماءة الخجول.

ليس مثل ما يقولون، ليس عزف كمان عتيق، ليس بشاشة تصيب مرماها،

ليس خواء يهيج مخيلة شبقة.  أقول لكم: جئتكم بحنجرة المغني الميّت،

سنجلس معا نستمع و نذرف الدموع قرب خيامنا القبيحة آخر الليل.

3

النواح يأخد من السيدة الباكية إماءتها الجريحة، يرفعها علما في ساحة الشهداء، ورائحة الشاي الأحمر الثقيل تصيرأغنية حزينة. لا بد أن يجيء السحاب، يرتدي ثوب العريس الغائب، افتحُ بابي على حبق ريّان، أو افتحُ بابي على بلاغة عجماء، افتحُ ما أشاء لأني اعطيتُ خطوتي الوحيدة لخادم الجبل.

4

يكون الليل في غربته الأبدية كلبا ينام على عتبة البيت. هل يفيد لساني في وصف الالم؟ الأيدي تقبض على خوفها و القلوب تحسب ما تساقط من على طاولة العمر.  “الحنين لا يجعلك صغيرا” يقول أكبرنا سنّا.  “القلب جاي في مكان ضيّق”، يضيف وهو يسوّي الأرض لينام، بين يديه حوريات و صدى ضحكة انثوية، وبين عينه ما لا يبوح به.

5

كنتُ أحكي لهم عن بائع الماء فرتونة، كيف كان نحيلاً، كأن الماء فوق كتفه يمتص الدهون!  الماء عيناه، يقوده في أزقة طرابلس الضيقة، يتوقف حين يستشعر صوت امرأة خلف باب موارب تعصر شهوتها في مقبض الباب.  يرى كل الأبواب فروجا متلهفة في انتظار أن يدلق ماءه، يقرأ رعشة الأبواب بيديه في لمس ناعم بطيء كالجماع اللذيذ. فرتونة يغني بأعلى صوته الرقيق حين يدخل الصباح بيوت طرابلس خلسة عن حارس السور العريض.

6

إلى متى يبقى الوادي بلا طيور تنتهك صمته؟ سأفرّ من حاضنة القوم النجسة، لا شجن النائمة فوق سرير الأغنية الحزينة يصفح عنّي ولا خلوة العجوز يقرأ أوراده باكيا برد صحراء لا تود الرحيل.

7

طَقْسُه أن لا يتكلم مع أحد من الرجال،أن لا يتبعه إلا الصبية الذين لم يختنوا بعد،

أن يأكل مع العذارى طعاما لم تمسسه نار.  طقسه أن ُيترك تحت ساقية الحشاشين

بعد أن تختفي من الشوارع والأزقة الوجوه والكلمات.  لسانه ينطق بما لا يمكن قوله

ولا يمكن حفظه في الصدور. طقسه أن يلبس رأس عصفور ملون وذيل ثعلب برّي.

يقف مائلا ساعة أو بعض ساعة ثم يجلس على الفراغ الكثيف وقبل قيام الفجر الكاذب، يغطس عميقاً، عميقاً  في ساقية الحشاشين.لا أحد يعرف اسمه، ولا أحد رأى وجهه أبدا!

مقالات ذات علاقة

شــوق

عمر عبدالدائم

في الشتاء

سميرة البوزيدي

غـــرق

حواء القمودي

اترك تعليق