قصة

رفات العتمة..

من أعمال المصور الفوتوغرافي طه الجواشي

منذ توحمت بي والدتي، وقطعت جدتي “بلقيس” حبلي السري منذ مجيئي لهذه الدنيا، وأنا أبحث عن تاريخي المجهول.. أجوب الخيالات عبر لجج قديمة، وحانات للفراغ، ومقصلة ألحالم صغيرة، سافرت مع شراع الريح، من صدأ السراديب المقفلة.. غادرت الوجهة الخلفية، وحملت وجهي بين يدي.. أسرجت تهشم المرايا نحو رماد البدايات، حتى ال أتعثر بخطوات الحمقى.. في الجنازات تهجيت تصاعد الغيمات، بلغات مجهولة الانبثاق الضوء، ولعتبات الحواري.. لميلاد همجي في الفلوات.. هجرت رفات العتمة، في وشوشة الأموات، من جحيم الأنواء.. طفت المدن المظلمة، في الليالي الكحلاء، الماطرة حينا.. وذات الطقس المتقلب أحيانا آخرى عبر شوارع مكتظة بالمارة، المتسكعين، على أرصفة وسخة.. ظمآن خاوي المعدة، عاري الجسد، حافي القدمين، بحثاً عنك.

وذات يوم قررت زيارة جارتنا العرافة، لعلها ترشدني لتاريخي.. تدلني إليك، مددت لها راحة كفي الأيمن، أخذت قلما بدأ من هيئته، أنه تعرض الاستعمال طويل الأمد، مما أفقده جل حبره.. أمسكت بأطراف أصابعي، كتبت اسمي، واسم أمي.. سألتني عن تاريخ ميلادي، استلفت ابتسامة باهتة، عابسة، جاملتها بها، وأنا أقول لها، أكنت سأطرق بابك، لو أني أعرف تاريخ ميلادي!؟ أخذت تتمتم، وترسم أشكالا مجهولة المعالم، وأرقاما، ال أفقه منها شيئا.. وفجأة، شدقت بي حتى فزعت، وبتقاطيع وجهها المعقود الناصية، عادت لترسم على محياها، ابتسامة صفراء، مكشرة عن أسنان طغى لون أصفر داكن على بريقها.. ربما لتعيد إليّ الطمأنينة، وقالت: هناك حبا عظيما يلوح في الأفق.. ولم أدعها تكمل، إذ ما كنت أنتظر منها، سوى ما أفضت به لي!! انتفضت واقفا، وأخرجت من جيب سترتي ورقة من فئة الدينار على ما أظن وودعتها ملوحا لها بيدي، شاكرا لها حسن قراءة طالعي، وما أن وصلت إلى خيمتنا، حتى ارتميت على سريري، ونمت عميقا.. فرأيتك يا حبيبتي تمدين لي منديلا أبيض اللون، لففته حول عنقي، ورحت أرقص، وأطير فرحا!!

في الصباح الباكر أخبرت أمي بالحلم، ضحكت كثيرا وقالت كذب المنجمون ولو صدقوا.. قلت يا أمي لم تصعبين علي الموقف؟ عن أي موقف تتحدث؟ قلت لك إن العرافة أكدت لي بأنني على موعد مع الحب.

قالت وهي تبتسم .. إن شاء الله خيرا يا ولدي أنا سعيدة ألنك كبرت.

يومها يا حبيبتي اقتربت مني أنفاسك، فشعرت بالطمأنينة والهدوء، والسكون، تماما مثل إحساسي، وقت اندلافي لعمق خيمة أمي، رغم أنها لا تشبه خيمتنا أيام زمان، والمصنوعة من وبر ناقتي الشعلاء، التي ادعى جدي إصابتها بداء الجرب، ودفع باهظ الثمن، حيث قضى ردحا من الزمان، وهو يجوب فيافي وبوادي العرب بحثا عمن يقبل جيرته.. وكان كلما حط رحاله بأحد النجوع وما أن يهم بغرس أوتاد خيمته الرئيسية، حتى يواجه بالرفض والتحذير من مغبة تفشي الجرب، إلى نوق هؤلاء القوم، فيضطر إلى الرحيل غير باغ، وهربا من الضيم..

واستمرت معاناته، إلى أن وصل إلى حيث استقر به المقام، ليكشف لمستضيفيه أن ادعائه، إصابة نوقه بداء الجرب، كان مجرد مزحة، أراد من خلالها العثور على معدن قوم ال يصدأ.

1999

مقالات ذات علاقة

الآن حرة

أمل بنود

بيت صغير ضاحية المدينة

سالم الهنداوي

المطر يسقط في الصحراء

يوسف الشريف

2 تعليقان

حسين بن قرين درمشاكي 21 أبريل, 2021 at 07:08

حقول ياسمين والمحبات لموقع الطيوب على بهاء التوثيق..ود و ورد وتقدير لصديقي الجميل الشاعر المبدع
أ.رامز رمضان النويصري /Ramez Enwesri ..

_درمشاكي_

رد
المشرف العام 21 أبريل, 2021 at 07:51

كل الشكر لك أخي.. ولإبداعك المميز

رد

اترك تعليق