المقالة

رضوان بوشويشة موثّق الأرواح الليبية المرحة

من الكتابة الى الرسم، ومن العزيزية الى دبلن ومنها الى طرابلس. ومن القصة القصيرة الى الرواية والمسرحية الى اللوحة. رحلة طويلة من البحث عن ارواح اسلاف مرحة، داهمها الرمل والتصحر وتعاقب على مطاردتها آلاف الغزاة والمغامرين وقطاع الطرق.

رضوان أبوشويشة
رضوان أبوشويشة

ارواح على رغم العطش وضنك العيش ظلت مرحة، تعشق الضحك وتمارس السخرية، تتناسخ صيادين ورعاة وزراعة يصورها رسامون مرحون على جدران كهوف الاكاكوس في الجنوب الليبي في العصر المطير، ويتذكرها جنود سبتيموس سيفيروس الليبيون وهم يغزون الاراضي الارلندية تحت رايات روما في قرون الميلاد الأولى. رحلة عاشها ورسمها الليبي رضوان بوشويشة، تنقل بين امكنة شتى حلَ حيثما حلَ اسلافه باحثاً عن ارواحهم المرحة.

كتب قصصه الأولى في دبلن بالانكليزية وصدرت في لندن عام 1974 تحت عنوان «ملك الموتى» ولم تكن مراثي لاولئك الموتى بل بحث عن ارواحهم المرحة العابثة في ارلندا منذ قرون الميلاد الأولى، رحل بعدها الى غرناطة ليكتب بعد سنوات طويلة «موجة حب الى غرناطة».

كان يحفظ نصوصه عن ظهر قلب ويؤديها عروضاً مسرحية، مستخدماً الجسد، تحولات وطن والروح أسلافاً ينهضون مثيرين موجات مرح وسخرية مرة.

فجأة توقف رضوان عن الكتابة وتبرع بمكتبته للمدينة القديمة في طرابلس وبدأ يرسم وقدم لوحته «كورنيش طرابلس» حيث لا يظهر من المدينة الا خط متعرج ابيض وسط ليل حالك. يتأهب حراسها المختفون تحت ستار الليل للانقضاض على سفن غزاة لا تظهر ولكن خطرها لا يغيب لحظة واحدة.

من طرابلس يرحل رضوان عكس مسار التاريخ الى الصحراء الليبية وتحديداً الى الاكاكوس، حيث متاحف لوحات ما قبل التاريخ، يرحل الى العصر المطير. يرافق بروفسور موري الايطالي مكتشف تلك المتاحف الضخمة، ويغرق في تفاصيل حياة وفنون اولئك «الفنانين المرحين» الذين عاشوا ورسموا تلك اللوحات الخالدة منذ عشرة آلاف سنة لينتج لوحاته الاخرى. يرسم مسكوناً بتلك الارواح المرحة وبعمق التجربة وتجذرها في ذاكرة تضج تحت الرمل بحياة الصيد والرعي وجني الثمار، يحاول وبمساعدة موري اكتشاف المواد التي استخدمها اولئك الرسامون واستطاعت مقاومة الزمن والتصحر على مدى آلاف السنين.

مثلثات ودوائر وخطوط الاكاكوس الرشيقة تجعل من لوحات بوشويشة رقصاً على رمال ناعمة في ليل الاكاكوس المتألق النجوم. تذوب كائنات بوشويشة ولا نرى ملامحها واضحة، بل نحس بتزاحمها من دون ان تظهر على السطح. فرمل التصحر يغطي كل شيء، وعلينا القيام بحفريات بصرية كتلك التي ظل بروفسور موري، يجريها على مدى نصف قرن، قبل أن يصل الى كنوز الصحراء الليبية من لوحات ما قبل التاريخ.

تجربة الرسم عند بوشويشة وعلى رغم المعاناة والتعب فيها، تجربة مرحة، هي لعب، ولكنه لعب كبار يندمج فيها الرسام بعناصر ومواد لوحاته يلهو ويتصارع مع كائناتها من اسلافه اللاهين المرحين. تنتهي اللعبة – اللوحة ولا تنتهي. يغطيها بسطح آخر كما فعل التصحر بسطح اللوحة الليبية ليعيد تشكيل كائناتها من جديد. يطرد منها بعض الكائنات الثقيلة الظل ليواصل اللعب مع المرحة منها حتى تبدو بعض لوحاته مجموعة أعمال تغطي احدثها الاقدم، تفصل بينها سطوح متعددة من التصحر والميلاد.

لم يستعر بوشويشة من فناني ما قبل التاريخي اقنعتهم واشكالهم «التصويرية» كما فعل بعض الفنانين الليبين حين نسخوا لوحات ما قبل التاريخ وتفاصيلها على اسطح القماش بدل جدران الكهوف، بل ظل يبحث عن مكنونات تلك الارواح المرحة التي انتجت تلك الاعمال.

في معرضه الاخير في دار الفنون في طرابلس تحت عنوان « ليبيتشو» والتي تعني عند الايطاليين «الريح الليبية الحارة» تنطلق تلك الارواح المرحة وتشع الوانها سلاماً وأمناً ومرحاً، وما أحوج الليبيين اليها.

__________________________

نشر بموقع صحيفة الحياة

مقالات ذات علاقة

الذي بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة

شكري الميدي أجي

مومياءات ليبيا أكثر قِدَماً من المصريّة

منصور أبوشناف

بدر شاكر السياب والشيخ الهامل

المشرف العام

اترك تعليق