شخصيات

رضوان أبو شويشة البحار العتيد

رضوان أبوشويشة

عرفت الاستاذ رضوان أبو شويشة في مكتب والدي للمحاماة، كان من أول الوجوه المشرقة التي أطلت علينا.. جاء يحمل على كتفيه حكايا البحر والسفر والغربة.. حكاء بيديه وعينيه وشفتيه.. حركي ونشط.. أفق واسع وخيال لا ينضب.
جاء يحمل ملفا أزرق، ضم بين دفتيه كتابا وحيدا من الحجم الصغير عنوانه “عند باب البحر”، أذكر أن لونه رمادي.. كان يسير وكأنه يلامس الارض، دخل إلى مكتب والدي الذي تلقفه بالأحضان والقبلات.. ” تي وينك يارضوان”… رضوان؟ ماهذا الإسم الشبابي؟ تساءلت.. ولما عرفته رأيت كم اسمه مناسب له.. “جيتك زعلان بنرفع قضية عليهم” ولم يكن “عليهم” سوى دار النشر الحكومية، ولم يكن الخطأ سوى صورة في آخر الكتاب نسبت ليوسف باشا القره مانللي؟’، والذي تبين لرضوان بعد أن سلم الكتاب للطباعة والنشر أنها صورة مغلوطة لأنه تبين له لاحقا أن التصوير لم يكن قد اكتشف في حينها، أرسل لدار النشر مستدركا يطلب حذف الصورة، لكنهم نشروها…” لازم نقاضيهم ويسحبوا النسخ من المكتبات”، وكان له ما اراد، دعوى ضد دار النشر، التي تصالحت معه فيما بعد…
ولأنني تدربت في هذه الدعوى بالذات، فقد تعرفت على رضوان عن قرب.. منهلا للثقافة، عاشقا للغات والفلسفة، مدمنا على السفر والمغامرة.. زين كتابه باللغة الانجليزية للقصص القصيرة مكتبتنا.. كما تزين مكتبنا بحضوره الدائم..
“كنت في المدينة.. قلت نمر عليكم..”
وكان بوشويشة لا يحضر إلا برفيق.. الكاتب يوسف القويري، الشاعر الجيلاني طريبشان، الكاتب والروائي منصور ابوشناف ، الصحفي محمود البوسيفي، الفنان أحمد فكرون.. الشاعر صلاح عجينة… وغيرهم.. يأتي بهم ليتحول المكتب إلى منتدى ثقافي من طراز رفيع..
يأتي يوم ولا يملك قوت يومه، ويأتي آخر بجيب منتفخ وهو يستعد للسفر.. لكن البحار العتيد يملك قلما وعزّة نفس.. لا يطأطأ رأسه إلا لكتبه وأمه..عاش في بيت قريب من “القصرية” بمنطقة قرقارش، ينام على وقع هدير الموج، ويصحو فجرا على صياح البحارة.. لكن الحال ضاق به واراد ان ينتقل بمكتبته إلى مسقط رأسه وبيت والدته، فقصد العزيزية وعاش معها.. عاشق لأمه، الحاجة المستقلة ببيتها ورزقها .. وكأن كل الصفات التي يتحلى بها رضوان إنما أنتقلت إليه من أمه.. تحرث وتغرس وتلم غلالها وتطبخ وتمسح.. كل ذلك في سانيتها بالعزيزية.. كانت عطوفة عليه.. جرته في حركتها وسكون المنطقة والوان الطبيعة إلى عالم آخر وفي عمر متأخر، ألا وهو الفن التشكيلي.. ومن المناسب القول بأن رحلاته الصحراوية لواو الناموس وجبال الاكاكوس صحبة الاستاذ منصور بوشناف واوفنايت الكوني دفعت به دفعا لممارسة هذا الفن.. حتى اضحى رساما يشار اليه بالبنان..
وبعد ان كان يزورني وهو يحمل كتبا وجرائد، اصبح يزورني ويديه مخضبة بالألوان.. يفركها كلما أمعنت فيها النظر …
“تعرفي.. رضوان من افضل كتاب القصة القصيرة في ليبيا، لكن لو استمر… ياخسارة” كان والدي رحمه الله يردد بإعجاب، ولم يكن ليخطر بباله أن رضوان سيخرج من عالم القصة إلى عالم التشكيل بعد أن غادر والدي دنيانا..
يجلس في مكتبي ويحكي لي عن إيرلندا وشعبها.. إكتشفها قبل أن تطأ قدم أي ليبي فيها، وتزوج منها ذات الشعر الأحمر وانجب بنتين .. ظلتا تحملان الأسم الليبي والشعر الناري.. فرح وياسمين..
أنست اليه، وأطلعته خلسة ذات يوم قبل أن يقابل والدي بمكتبه عن بعض محاولاتي الشعرية، فأمتعض ولم تعجبه، قال لي أن لا علاقة لي بالشعر وأن علي أن أحاول في مجال القصة… ثم مرت سنوات… وعاودت الكرة وأطلعته على أول قصة قصيرة أكتبها بعنوان ” فتاة سيدي خليفة”، رأيت في عينيه لمعانا وهو يقرأها.. ثم وقف، وقال لي.. أنت قاصة! وكانت هذه إشارة الإنطلاق. أهديته أحدى قصصي وكتبت ” إلى رضوان بوشويشة ، تنبأ لي بكتابة القصة قبل أن أكتبها”.
دخل علي ذات يوم في مكتبي وهو في حالة غضب صحبة السيد أوفنايت الكوني، كان يلعن السلطة ومن عليها، أفاداني بأن جبال الأكاكوس، ثروة الليبيين الثقافية قد تم العبث بها وبرسومات ماقبل التاريخ المنقوشة على جدرانها، وأنه تم القبض على الفاعل.. أرادا مني رأيا قانونيا، وهو ما كان، فقد ذكرت لهما أنه وإن تم القبض على الفاعل فإن مسؤولية الدولة في عدم حماية هذه الثروة الثقافية قائمة، وإن وزارة السياحة والشرطة السياحية تعتبر مسؤولة، وإن القبض على الفاعل يجب أن لا يكون ذرا للرماد في العيون، خاصة وإن الضرر قد وقع ومن المتوقع أن تكون هناك أضرارا أخرى، وهكذا جلسنا ثلاثتنا وكتبنا بيان يدين ما حدث ويلقي باللوم والمسؤولية على وزارة السياحة والحكومة أنذاك، وقام رضوان بتجميع التوقيعات عليه، ونشره محمود البوسيفي في الصفحة الأخيرة من صحيفة أويا، وكان له تداعيات وردود أفعال.
رضوان بوشويشة حكاية…حكاية ليبية، تمتد جذورها في أعماق الصحراء، لكنها تتمازج مع البحر المتوسط.. فصولها في السرايا وبيت البي وقصور غرناطة .. فصولها الحديثة في مرسيليا والقاهرة وتونس ولندن ودبلن…
رضوان بوشويشة المقاوم بالمحبرة والقلم.. بالريشة واللون، مثال المثقف الذي لم يهادن السلطة، ولم يجعل من ثقافته سلما للوصول اليها.. ظل مثقفا في عالم غلافه من الكتب، ودرجاته من الحروف.. لوّنه وأثثه بلوحاته التي تمتزج فيها الحضارات المتوسطية.. تقاوم معه عوالم أخرى لا تعرف إلا كلمة واحدة هي القتل ولونان قاتمان هما الظلمة والدم.

__________

عن موقع الحدث

مقالات ذات علاقة

في ذكرى وفاته: أصحاب الأحلام العظيمة والنبيلة لا يموتون

المشرف العام

رائد الاغنية الليبية علي الشعالية… من الريادة إلى هاجس المقام الليبي

هليل البيجو

خديجة الجهمي.. سيرة حياة

المشرف العام

اترك تعليق