النقد

“رسالة الى وطني”.. أبوعون يخاطب ليبيا الحرة بتجارب السنين

.

المهدي يوسف كاجيجي

 .

قبل انقلاب سبتمبر(أيلول) كان عدد الصحف والمجلات التي تصدر في ليبيا يزيد على عشرين دورية مابين يومية واسبوعية منها الحكومية واشهرها جريدة طرابلس الغرب الذي يرجع تاريخ أول عدد منه الى أكثر من147 عاما وهي أقدم صحيفة في الوطن العربي، اضافة الى الدوريات المستقلة ولقد لعبت جميعها دورا رائدا في تكوين كوادر صحفية واعلامية وقادت معا في خط وطني واضح مسيرة الإصلاح للدولة الليبية ,وبعد الانقلاب عقدت محكمة الشعب جلستها الشهيرة بمحاكمة الاعلام برئاسة الرائد بشير هوادي وترأس الادعاء فيها النقيب عمر المحيشي ,وفي نهاية الجلسة الاولى من اليوم الاول أعلن هوادي الأمر بإيقاف كل الصحف عن الصدور,واستبدلت وخلال عمليات إصدار مضطربة بعدد من الدوريات الهزيلة التي أشرف على إدارتها مجموعة من الموظفين قليلي الخبرة تحقيقا لمقولة ” الولاء افضل من الخبرة “,وفقدت الدوريات الليبية من وقتها القارىء الواعي الناضج وبدأت في التمهيد لتصحر فكري وثقافي اجتاح العقول.

امحمد ساسي ابوعون ,هو فارس من رواد العمل الصحفي في حقبة الخمسينات في ليبيا ,حصل على شهرته من تفجيره للقضايا الصحفية الأكثر حساسية في تلك الحقبة ,ومن أشهرها يهود ليبيا ودورهم في تمويل دولة اسرائيل, بترولنا الضائع عبر الانابيب والدعوة الى ايقاف عملية النزيف المتواصل الذي تقوم به شركات النفط العاملة في ليبيا والمطالبة بحقوق الأجيال القادمة في هذا المخزون الاستراتيجي ,وغيرها من القضايا.

عمل في عدد من الصحف التي كانت تتصدر المشهد الاعلامي في حقبة الستينات ,وبعد انقلاب سبتمبر(أيلول) اتخذ موقفا حازما لا رجعة فيه وهو العيش في المنفى الاختياري في مصر ومنها قاد اكثر الحملات الاعلامية ضراوة ضد نظام القذافي وعصابته من خلال المناشير والمطبوعات الصحفية وسلسة البرامج الاذاعية التي انطلقت من اذاعة صوت العرب لمناصرة الشعب الليبي خلال حقبة الرئيس الراحل انور السادات ,لم يستكين للحظة وكان يؤمن ان سقوط ما اطلق عليه (هبل الاهبل) لن يتم الا عندما يستطيع الليبيون ان يكرهوه من أعماقهم وكان يدعو اله( في صلاته ان لا يغادر الدنيا الا عندما يشاهد سقوط الاهبل واولاده وعصابته . من مهجره أصدر عددا من الكتب كان من أشهرها (الكلام الممنوع في الزمن الموجوع ) وآخر ما نشر له كتيب صغير بعنوان رسالة الى وطني.

-يا الله ماذا حل بشعب ليبيا ؟

كان هذا التساؤل في مقدمة الكتاب ,وهو يصف المشهد الليبي في بداية حقبة الثمانينات ,الأسرة تقتل ابناءها والاخ يقتل أخاه ,الجثث تتدلى على أعمدة المشانق والاهبل يصرخ عبر أجهزته اقتلوهم اسحلوهم ,متى ؟ في شهر رمضان ,كأن القتل في رمضان نوع من العبادة واجر العظيم. كان هذا هو المشهد ,وما الذي حدث ..صمت الشعب الليبي ,سكت العالم بكل دوله وهيئاته وعلى رأسهم زعيمة العالم الحر “امريكا”.

-التحذير

يتابع في المقدمة ,لقد سقط القذافي ورجاله من المشهد الحالي ,ولكن ثقافة النظام لا زالت مستحكمة في كثير من الليبين,لقد سقط القذافي ولكن رجاله لا زالوا يمتلكون السيطرة على المشهد الاعلامي من خلال عدد من القنوات الفضائية وهذا مكمن الخطر,وأشار أن الفترة الانتقالية هي أخطر المراحل التي تمر بها ليبيا وان الثورات يقوم بها الشجعان ويمتصها المنافقون ويكسبها الجبناء.

-المشهد الليبي قبل هبل الأهبل

في هذا الفصل عرض لتاريخ ليبيا المعاصر منذ سقوط الخلافة العثمانية مرورا بالحقبة الايطالية وجهاد الليبين فيها ,فترة ما قبل الاستقلال والزخم السياسي ونشاط الاحزاب الوطنية وجمعيات المجتمع المدني, المظاهرات والغارات على معسكرات الجيش المحتل,تصدر الزعماء الليبين للمشهد السياسي,استقلال ليبيا وإدارة الدولة من خلال امكانيات بسيطة قبل اكتشاف النفط.

-بدايات الفساد

في هذا الفصل يرى أبوعون أن تفجر البترول وتوابعه كان هو بداية للفساد الاداري والمالي وانتشار الرشوة والمحاباة وذلك بعد ان تأكد لدول الغرب وجود ثروة بترولية هائلة في ليييا وكان للشركات تأثير كبير في الحياة السياسية على الأرض الليبية مما أدى الى إلغاء نظام الولايات لرغبة الشركات في الاستحواز على عقود الامتيازات واحتكارها وتعاملها عبر مفاوض واحد.

-القذافي صناعة أمريكية

يرى أبوعون أن اغتيال ابراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية وهو بمثابة الابن الروحي للملك ادريس من قبل أحد أفراد الاسرة السنوسية أفقد الملك توازنه مما ادى الى التمهيد الى انقلاب سبتمبر(أيلول) ويسوق في عرضه عدد من الظواهر التي تؤكد أن الانقلاب وزعيمه صناعة أمريكية ومنها:

-رفض الملك ادريس اقتطاع جزء من الثروة البترولية لمساعدة دول الجوار الافريقي تحت مسمى مكافحة الشيوعية .

-خروج الملك المبكر وسفره الى تركيا وبقاؤه لأكثر من ستة أشهر ورفضه لكل المناشدات من قبل مجلس الشيوخ والنواب على أمل ان يستكمل عبدالعزيز الشلحي ابن ابراهيم الشلحي خطته الانقلابية المدعومة من الانجليز.

-حالة التسيب التي اجتاحت القوات المسلحة وقوات دفاع برقة ,إلغاء حالة الطوارئ المفاجىء وتسريح القوات العسكرية التابعة للجيش وقوات دفاع برقة مما سهل على الانقلابيين الاستيلاء على السلطة بيسر كامل ودون مقاومة تذكر .

-نقله لشهادات معاصرة مثل الاستاذ محمد المازق مدرس القذافي في سبها والذي اصبح وزيرا في عهده ,العقيد عون شقيفة صهر آل الشلحي واليد اليمنى للعقيد عبدالعزيز الشلحي في تنظيم القوات المسلحة والتخطيط لانقلاب الشلحي,مستر بودي مدير شركة اويزس للنفط وهو من الشخصيات الامريكية الاكثر نفوذا في تلك الحقبة ,هذه الشهادات التي ساقها في كتابه وهي تؤكد دور المخابرات الامريكية في الإعداد الى ضربة استباقية لاجهاض انقلاب الشلحي البريطاني واستبداله بإنقلاب سبتمبر .

-المشهد الليبي الآن

دون التشكيك في وطنية أي ليبى متواجد الآن داخل المشهد مهما كان موقفه يطلق ابوعون في رسالته تحذيرا عن الحالة الضبابية التي يتسم بها المشهد الآن وذلك لعدم وجود ما يطلق عليه ” القائد الواحد “وظهور المجلس الوطني الانتقالي بعيدا عن آلية الانتخاب واستخدام اسلوب القذافي في التصعيد وتطور آلية عمل المجلس من تسيير الأمور اليومية الحياتية والاجتماعية الى مجلس بيده السطات الثلاثة ,التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وهذا يشمل أيضا الحكومة الانتقالية، بل شمل أيضا التعيين في المناصب القيادية والدبلوماسية , وامتد الى المصادقة على المعاهدات الدولية والاتفاقيات التي ابرمها النظام الراحل,واخطر ما في المشهد هو تكرار صناعة ” القائد الواحد ” باطلاق فزاعة ” لو ذهبت أنا ستسقط ليبيا وذلك ردا على حالات الاعتصام او حالات الحراك السياسي التي يطلقها الشباب ضمانا لاستمرار الثورة.

هنا يقترح ابوعون في رسالته الى تطوير المجلس الانتقالي من حالة الشرعية الواقعية الى الشرعية الوطنية الشعبية والكف عن استخدام نظرية التصعيد القذافية الى نظرية الانتخاب البسيط انطلاقا من انتخاب المجالس المحلية التي قد تؤدي الى ان يتشكل منها المجلس الوطنى الانتقالي,وهو يدعو هنا الى استمرار السيد المستشار رئيس المجلس الحالي فى عمله نظرا لدوره الوطني وخبرته الادارية السابقة وعلاقاته الداخلية والخارجية التي اكتسبها خلال عمله الحالي.

-خريطة الطريق

يرى أبوعون أن الاحصاء السكاني هو أولى الخطوات لخريطة الطريق التي يقترحها وهو ضرورة تسبق المرحلة الانتخابية القادمة وذلك للتعرف على الخريطة السكانية لليبيا وافراز العناصر التي اعطيت لها الجنسية الليبية نتيجة لمخططات هبل الأهبل والتي يعرفها الجميع ,حتى يتم التأكد من الرعايا الحقيقيين ,والعمل على سحب الجنسية الليبية المزورة من اصحابها والتي منحت بصورة غير قانونية ودستورية ,علما أن قانون الجنسية واضح جدا في تنظيم تلك الحالات.

ويرى أن الخطوات التالية لذلك هو فتح باب الترشح والترشيح للجمعية التاسيسة لوضع دستور ليبيي وتفعيل ثورة 17 فبراير وتسمية نظام الحكم في ليبيا مع عدم المبالغة في عدد الاعضاء على أن يتم اختيار الأعضاء بالانتخاب المباشر حسب النتائج التي يفرز عنها عملية التعداد السكاني ليتم بعدها صياغة الدستور.

ثم تأتي بعدها مرحلة انتخاب البرلمان ,الذي يرى فيه ضرورة ان يتم تكوين الاحزاب الشرعية بواسطة قانون يولد من رحم الدستور مع مرعاة اقرار عدد من الاحزاب التي لا تتعدى أكثر من أصابع اليد الواحدة حتى لا تتشرذم القوى الوطنية الليبية وتنحصر في التعصب الجهوي أو القبلي وهذا ما يوصل الى الديمقراطية وتفعيل عملية تداول السلطة.

-الثوار والسلاح

يرى أبوعون أن الثوار وأسلحتهم لا يشكلون عائقا في بناء الدولة الليبية المدنية الحرة بل إنه يرى أن ذلك يمثل العمود الفقري لتأمين الوطن وتأسيس دولته ,بل ينبغي اعتبارهم القوة الوحيدة الفعالة في ليبيا لتوفير وضمان الأمن خلال المرحلة الانتقالية.

ويرى أن الحل الحقيقي هو توحدهم في مجلس واحد “مجلس الثوار الليبين “على اعتبار ان انتسابهم لن يكون إلا لليبيا الموحدة ,وعلى قادتهم اختيار قيادة من بينهم وهذا مما سيؤدي الى ميلاد جيش ليبي فعال متماسك ونفس الخطوات تنطبق أيضا على العناصر التي ترغب في الانضمام الى الجهاز الامني.

-حصاد العمر

يختتم ابوعون كتابه بالإشارة الى أن ما ورد فيه هو رأي يحتمل الخطأ والصواب وان المشهد القادم في ليبيا يجب أن يتصدره الشباب ,وعلى الشيوخ من أمثاله النصيحة ,وأشار الى حالة النسيان المتعمد للرموز الوطنية التي كانت في مقدمة المعارضين للقذافي مثل الصحفى فاضل المسعودي رئيس وصاحب جريدة الميدان الذي اعتبره أول معارض للقذافي داخل ليبيا وأن المذيع محمد مصطفى رمضان أول شهيد قتله القذافي خارج ليبيا ,وعلى الجيل الجديد أن يتطهر من أخطر ما زرعه النظام السابق وهو الخوف ,الحقد ,النفاق.

وفي برقية الى أبناء جلدته الأمازيغ حسم الرأى بقوله: (إياكم أن تحصروا أنفسكم فى شرنقة ” الاقلية ” فأنتم الأصل والأصل لا يكون أقلية,لكم كل الحق فى إحياء لغتكم وتراثكم ولكن داخل المحيط الليبي,ولغة القرآن هي لغتكم منذ الفتح الاسلامي ) .

كتيب صغير احتوى على عصارة التجربة وحصاد العمر لكاتب كبير بعثها في رسالة الى وطنه متسائلا,(وطني أرسلت لك رسالة فهل وصلت ؟).

مقالات ذات علاقة

كـوامـي أيـايـا

المشرف العام

أسئلة القلق الشعري فـي «صمت البنفسج» لعائشة إدريس المغربي

المشرف العام

لغز السرد ولغز الخطيئة في رواية (الورم) لإبراهيم الكوني

المشرف العام

تعليق واحد

عياد اصليل بنغازي 3 يوليو, 2012 at 07:17

سلام عليكم واتمنا لكم التوفيق في هذا الموقع الحق ممتاز واعجبتني المقالة لمل فيها من صدق واتمنا منكم ان تصلوني بلاستاذ امحمد ساسي وشكرا لكم وهذ رقم موبيلي 0925788580

رد

اترك تعليق