طيوب النص

رسالة إلى والدي في ذكرى ميلاده

بوابة الوسط

القاص: كامل المقهور
القاص: كامل المقهور

أبي الحبيب.. أنا بخير.. احتفلنا هذا العام بذكرى مبادرتك في عام 1973 لاعتماد اللغة العربية لغة رسمية سادسة لدى الأمم المتحدة…كنت ممثل ليبيا لدى هذه المؤسسة الدولية وكنا صغارا في نيويورك لا نعلم ما يدور حولنا سوى أناقتك الصباحية وكاميرا الكانون التي تصاحبك وتلتقط لنا بها صورا ثم تحمضها في حجرة خاصة مظلمة وتخرج لنا بصور بحجم كبير ملونة بأوضاع مختلفة، ثم تجلس وتضعها بعناية في ألبومات أنيقة.لكنني مازلت أتذكر غيابنا عن المدرسة لمدة أسبوع بسبب تهديدات تلقيتها بعد أن سعيت بجدية مع المجموعة العربية لكي تنال منظمة التحرير الفلسطينية مركز مراقب لدى الأمم المتحدة. وقد نالتها في عام 1974، ولأول مرة دعي ياسر عرفات للجمعية العامة للأمم المتحدة وألقى خطابا من منصتها بكوفيته الفلسطينية، والصور كثيرة وهو يحتضنك في ذلك اليوم.أحببت نيويورك، وأحببت المشي في شوارعها، وتمرست في العمل السياسي مع شعوب الأرض، وكنت تقول لي دوما إن الدول الصغيرة والضعيفة لا مكان حقيقيا لها في السياسة، لكن مكانها بالقانون. لذا آمنت بأن ملعب هذه الدول الصغيرة – وليبيا منها- هو القانون، حيث تتساوى الدول مهما كانت أحجامها وأوزانها، وتظهر العبقرية الفردية والجماعية في العمل وحصد النتائج حتى في أقلها.تدخل اليوم ليبيا المعترك السياسي ضعيفة مشتتة ومنقسمة على نفسها. انجرت لملعب لا تعرفه ولا تخبره وغرقت في وحل السياسة والتدخلات الدولية واقتضمت بعض الدول أجزاء منها، وأصبح على أرضها عشر قواعد عسكرية وجحافل من المرتزقة. أراك حزينا.

نعم أتذكر أنك كنت ضمن أحد الوفود المفاوضة لإنهاء القواعد العسكرية في ليبيا، وعضو الوفد الذي تفاوض مع الشركات الأجنبية النفطية من أجل عقود ذات أفضلية لليبيا.لا تملك ليبيا مقومات الحرب، فهي فقيرة السكان، والحرب وقودها بشر وليس لنا منهم إلا بضعة ملايين في ارض شاسعة مترامية، لكنها أفضل مكان لتصفية حسابات دول كبرى وإقليمية لا قبل لنا بها.. جغرافيا رخوة لمكاسب جغرافية في أماكن نفوذ أخرى.دخلنا حروبا فيما بيننا، ثم أقنعونا بأن لا حل إلا الحل السياسي، فأنهكونا بمسودات من صنعهم تحولت إلى اتفاقات دون نتائج ملموسة أو حقيقية.قال لي صديقك د. حسن الأشلم أمس وهو يستعيد ذكراك الطيبة وكله أمل في أن نخرج من أزمتنا بذاتنا.. “نحن شعب هدراز”، وافقته وجاوبته نحن “شعب يريد مربوعة تجمعه”، وضحكنا معا بمرارة.. أراك تبتسم بشيء من القلق.أتذكر الأيام الجميلة، وحتى الصعبة، التي جعلتها لنا سهلة بقدراتك وتميزك المهني وإيمانك بأن لا يتولى أمرك سوى نفسك في كل صغيرة وكبيرة.

لا أعلم إن كنت تعلم، أن العالم انقلب فجأة حين تسلل فايروس من مدينة صينية إلى أنحائه، حمله المسافرون معهم دون وعي ونشروه أينما حلوا. انغلق العالم على نفسه وحاول بشتى الطرق أن يقاومه، دون جدوى.. نسير في الطرقات وعلى وجوهنا أقنعة للحماية والوقاية، يذكرني هذا بالفيلم الذي شاهدناه معك لصوفيا لورين ” The Cassandra Crossing” أتذكر؟ أراك مستغربا، بلا شك أنت في مكان آمن من عبث البشر، فقد فاضت روحك ولم تترك سوى جسدك مسجى في طرابلس، بالقرب من سانية المقهور.. الآن تبتسم وأنا أذكرك بالسانية التي تحولت إلى مدرسة بعد نزعها للمنفعة العامة.سأخبرك بأمر آملة أن تستحسنه، لكني مترددة. أتذكر قصتك القصيرة “الكرة”؟ كتبت قصة بذات العنوان.. لا تقلق، دعني أكمل لك.. أراك تقول “إيه علينا عاد”!.. لا لا هي تجربة فحسب، صحيح أنني خرجت عن قواعد القصة، لكنني أحببت بهذا التمازج أن أعيد ذاك الحقيقي الذي كان بيننا.. أنا ابنتك وجزء منك، لكنني امتزجت بك يوم عملت معك بمكتب المحاماة.. عشر سنوات وأنا منكبة إلى جوارك تعلمني الحرف والكلمة والقاطعة والفاصلة.. ثم تعلمني أصول المرافعة.. والتعامل مع البشر.. والاستقبال الحسن والرحمة لمن ذل بعد عزة، والعفو لمن أساء إن لجأ إليك طالبا متكأ وعونا.. إذا دعني أحاول، حسنا ها أنا أرى قسمات الرضى على وجهك الحنون…اليوم قصة “الكرة” هي قصتنا.. ما بين الظهرة وقرجي في زمنين مختلفين.. لم تتغير ليبيا لكنها شاخت، وتعبت، وملت. ليبيا يا بابا لا تريد إلا أن تفرح! هل هذا كثير؟إلى اللقاء في العام المقبل ان شاء الله..

وكل عام وأنت بخير

المطيعة/ عزة/ 1/1/2021

مقالات ذات علاقة

شوق وأرق

أكرم اليسير

طرنيش في القلب

المشرف العام

بما يكفي الفراغ

سعاد الورفلي

اترك تعليق